تمارسها بتأنٍ أم بخفة؟ هل هي للمرح أم للهضم؟... طريقك إلى "القراءة" أروع تمرين للدماغ

تمارسها بتأنٍ أم بخفة؟ هل هي للمرح أم للهضم؟... طريقك إلى "القراءة" أروع تمرين للدماغ

بعد منع تداولِ روايته "أولاد حارتنا" في مصر، قال نجيب محفوظ إنّ المشكلةَ فنيةٌ وليست دينية، أساسُها، كيف تقرأُ رواية؟ مؤكداً ضرورة تلقيها أولاً كحكاية يقدمُها المؤلف، ثم الذهاب إلى ما تشير إليه من مستويات تاريخية وفلسفية.

الأمر الذي يُحيلُنا إلى أبعدَ من ذلك.. هل القراءةُ فعلٌ تلقائيّ يمارَس بدافعِ المتعة وقتل الفراغ، أم فنّ يحتاجُ مهاراتٍ وآلياتٍ لو اتبعناها سنحقّقُ ما يُسمى القراءة الناضجة؟ قواعدُ وتعليماتٌ وشهادات حولَ الطريقِ إلى "أروعِ تمرينٍ للدماغ" في هذه السطور.

كيف نقرأ؟

القراءةُ فنٌّ يتطلب الإتقان كي يحقق الفائدة والمتعة، وعلى القارئ أن يمتلكَ أولاً الخيالَ والمعرفة، يستحضرهما خلال تلقيه النصَّ فيساعدانِه على فهمه واستيعاب الرسالة المبتغاة منه" تقولُ الكاتبة الكندية فيرا كودمان.

يضيفُ إليها الروائي المصري عِزّت القمحاوي قاعدةً يعتبرُها أساسيةً للقراءة، هي حُسْنُ النيَّة "لا ينبغي الدخولُ إلى الرواية بتربصّ وكراهية، ولا ينبغي تحميلها مسؤوليةً فكرية، بل يجب النظر إليها كلعبةٍ مشتركة بين الكاتب والقارئ، الأخير يصل إلى استخلاصاتٍ معينة، مع ضرورة وعيه أن ما توصل إليه هو ظنُّه الشخصي فحسب، ويتوقع أن هناك قارئاً آخر لن يستنتجَ ما توصل إليه هو".

ابراهيم عادل، مسؤول في "نادي القُرَّاء المحترفين" يعتبرُ أنَّ أخطرَ مشاكلِ تلقي الرواية هو التعاملُ معها بسطحية "ولعلّ أحد أهداف نوادي القراءة هو تجاوزُ تلك القراءات السطحية العابرة، ومحاولة النفاذ إلى معاني العمل الأدبي المقروء سواء كان رواية أو قصة أو قصيدة".

"نادي القُرَّاء المحترفين" أطلقتْهُ مؤسسةُ "بتانة" الثقافية بهدف جمع أكبر عددٍ من القُرّاء تحت مظلة واحدة، دون ضغطٍ أو تأثير على اختياراتهم، بل تشجيعهم على القراءة من خلال الاشتراك في موقع النادي وتقيّم نشاطاتهم، بدءاً من اختيار الإصدار والكتابة عنه ومشاركته للآخرين، وصولا إلى حفلات المناقشة والتوقيع.

أقوال جاهزة

شارك غردمفهوم القراءة الناضجة، ماهي، وكيف نحققها، بالتأني.. بزيادة القدرة الاستيعابية.. بالتراكمات.. بالوقت، أم بغير ذلك؟

شارك غرد

خياراتُنا وأهواؤنا والأكثر مبيعا

"أنا مع قراءة كلِّ أنواع الكتابة، بل مع المزيد من الألغاز ورويات عبير وروايات الجيب التي تُقرَأ في القطار، فهي قاعدةٌ للناشئين في القراءة" يقول الروائي والصحفي ابراهيم عيسى خلال استضافته في برنامج "وصفو لي الصبر.. عن الكتابة وأهلها" مستنكراً تأفُّفَ البعض من هذا النوع من الإصدارات، ويعلل بأنها جزءٌ هام من تأهيل الشخص لمشروعٍ أفضلَ في القراءة، والذهاب به إلى آفاق معرفية أوسع.

ابراهيم عادل يؤكد أيضا ضرورة اختلاف ذائقة القراءة، وأن هذا التنوع يُغْني فعل القراءة، معتبرا أن نوع الأدب قد لا يعكس شخصية قارئه "الجميل أن نتعاون فيما اتفقنا عليه، كما يقال، فيعرض كل واحد وجهة نظره دون وصاية أو فرض، فالأدب نسبي طوال الوقت وعوامل كثيرة تتحكم فيه، ليس من السهل تحديد الأهم والأفضل".

القارئ شريكٌ في الرواية، شريكٌ في إنتاج الدلالات "وإذا اختار الرواية التي يقرؤها بكامل حريته فهو يختار بالطبع ما يشبهُه"

يضيف أنه ورغم تعدد الآداب المترجمة الآن وتنوعها، غير أننا مقصرِين في قراءة بعضها، خاصة الآداب الشرقية "حصول الروائي الصيني "مو يان" على جائزة نوبل منذ ست سنوات، ساهم في رواج الأدب الصيني، عملاً بالقول "الغربال الجديد له شدة"، لا أظن أنه سيبقى مطلوباً، لذلك نحن بحاجة مستمرة إلى مزيد من الترجمات والاهتمام بها من قبل وسائل الإعلام".

عِزّت قمحاوي ليسَ لديه مشكلةٌ مع كتب (البست سيللر)، بل يراها تمريناً لقراءات البدايات "بعضُ أعضاء هذه القاعدة الكبيرة من القُرّاء يرتقي إلى الأعمال الأكثر فنيَّةً بعد ذلك. عندما مات الكاتب أحمد خالد توفيق تكشَّف إلى أي حدًّ كان مؤثراً في جيل عريض من القُرّاء، بعضهم صاروا كُتَّاباً يُسطِّرون نصًّا أكثر تركيباً من نص توفيق، مثل أحمد الفخراني، وقد قرأتُ له واحداً من أجمل مقالات الرثاء للكاتب الراحل".

صاحبُ "بيت الديب" يعتبرُ أنَّ القارئَ شريكٌ في الرواية، شريكٌ في إنتاج الدلالات "وإذا اختار الرواية التي يقرؤها بكامل حريته فهو يختار بالطبع ما يشبهُه، بعكس القارئ المحاصَر في سجن مثلاً ويقرأُ ما يجدُه وليس ما يريده، لكن حتى في هذه الظروف، فإنه يأخُذُ العملَ المختلف عنه على أرضه الذاتية".

الطريق إلى قراءةٍ ناضجة

يؤكدُ المفكر والناقد الأمريكي، جون سيمون، أنَّ القراءةَ بامتياز هي التي تتجلى بفعل المشاركة من قِبل القارئ، أيْ كتابة ملاحظات على هامش الصفحات، يُسجِل فيها النقاط الهامة، حتى يتذكرَها "ثم علينا ألَّا نقرأَ أيَّ كتابٍ ببطءٍ أكثرَ ممّا يستحق، ولا بسرعةٍ أكثر مما نستطيعُ فهمَه، لذلك على القارئ استخدامَ مساعِداتِ المؤلف -الفهرس، المقدمة، قائمة المراجع- لتعميقِ فهمِه حول النقاط الأساسية للكتاب وترسيخها في الذاكرة ومراجعتها بسرعة عند الحاجة".

ملاحظةُ سيمون وردتْ في كِتاب "فنِّ القراءة" للدكتور عبد اللطيف صوفي، وفيه يشيرُ إلى أنَّ القراءةَ الناضجة تتطلبُ رفعَ القدرة على الفهم والاستيعاب، بالإمكانات الشخصية، أي بتحريك القدرةِ العقلية الذاتية من الفهم الأقل إلى الفهم الأكثر، وبذلك يكون الإنسانُ قد بذلَ نوعاً من النشاط العقليّ، أفضلَ ممّا كان لديه قبل قراءةِ الكتاب، ولا يعني ذلك جهداً أكبرَ بل مهارةً أكبر.

أما المفكر فرنسيس بيكون، فينصحُ بالقراءة المعمقة التي تعطفُ حياتنا وتغيرها، لما تحملُه من فلسفةٍ توسعُ المعارفَ والإدراك، مشيراً إلى ضرورة تذوُّق كُتب المرح والتسلية، والأخرى التي تحتوي المعرفة. بناءً على ذلك يصنِّفُ الفيلسوف الإنكليزي، الكُتبَ بحسب كيفية تلقيها "بعض الكتبِ هي للاختبار والكشف، وأخرى للفهم والاستيعاب، والقليل منها فقط للمضغ والهضم"، وقد قصد بكتب المضغ والهضم تلك التي تحتاج قراءة معمقة.

الكاتبة الأمريكية سوزان رينولدز أيضاً تركزُ على أهمية القراءة المعمقة، معتبرةً إيَّاها تمريناً رائعا للدماغ "فالقارئ يكتسب المزيد من الأفكار والقدرة على التحليل، وهي تنشط مراكز الدماغ المسؤولة عن الكلام والرؤية والسمع، والتي جميعها تدعمُنا في التحدّث والقراءة والكتابة أيضا".

تؤكد أن هذا النوع من القراءة يقوم على التأني وتحفيِز المشاعر والتفكير، بالوقوف على التفاصيل والمعاني "أما القراءة الخفيفة للمواقع والأخبار السريعة، التي تعتمد على العناوين والرئيسيات، بعيداً عن أي وجهة نظر أو لغة تحليلية، فهي لاتتجاوز كونها مصدر تسلية، ما إن تنتهي قراءتها حتى تغيب عن ذاكرة القارئ خلال دقائق".

"تراكمُ القراءاتِ ومرورُ الوقت يعزِّزان مهارةَ القراءة، فالعمل الواحد يعطي القارئ الواحد دلالاتٍ مختلفة عندما يعاودُ قراءَته بعد سنوات" يقول عزت القمحاوي لافتا أن اختيار الرواية يستطيعه كلُّ قارئ اعتماداً على مبدأ المتعة، على أن يتأكد من أنه يقرأ في وقت ومزاج مناسبَين.

شهادةٌ من قارئة شجاعة

إسراء النمر لم تعملْ بنصيحة نجيب محفوظ القائلة إنَّ على القراءةِ أن تبدأ منذ الطفولة، فهي نَوَتْها -وتأسفُ لذلك- في السابعة عشر من العمر، أي منذ عشر سنوات "لم أكن أعرفُ بالضبط من أين أبدأ، وهذا أحسسني بالتيه، والضياع. أن تكون قارئاً جديداً أشبهُ بأن تكون غريباً في بلدٍ لا تعرف فيها، أو منها، سوى اسمِها".

تضيف لرصيف22 "وكما يفعلُ أيُّ غريب سألتُ، وأعتقدُ أن هذا أسوأ ما يفعله الواحد، لأنه يعني أن تبدأَ وفقاً لذائقة الآخرين، وليس وفقاً لذائقتك أنت. أذكر أنني، كي أتخلصَ من حيرتي، ومن الشتات الذي أصابني، ذهبتُ إلى المكتبات العامة، لأطَّلع على عناوين الكتب المهمة، سواء الأدبية منها، أو التي تنتمي لمجالات أخرى. ووجدتني بشكل لا إرادي أضع قدميَّ على العتبة، وأغرق".

الشاعرة والصحفية المصرية كانت واعية جيداً للتغيّرات التي تطرأُ في شخصيتها، ومزاجها، بسبب القراءة. وكانت تستسلم لها "من الممكن جداً أن أبكي، أن أصرخ، أن أغلق الكتاب فجأة لأن ثمة سطراً فيه كشفني على حقيقتي. وكثيراً ما دخلت في نوبات اكتئاب حادة لأنني عرفتُ أنّ الأشياءَ التي كنتُ أؤمن بها ليست حقيقية، أو بالأحرى ليست موجودة. ورغم ذلك، لم أفكر لحظةً في التوقف عن القراءة، في التوقف عن الألم".

تعتبرُ القراءةَ ألما متصلا "وبالطبع، لا أحب أن يستهزئ أحدٌ بهذا الألم، أو يُقلل منه. بمعنى أنه ليس مقبولاً من الناس أن يحكموا عليّ من الكتب التي أقرؤُها، لأن هذا يشبه تماماً -في رأيي- بأن يتحدث أحدهم عن أخلاقي لأنني أرتدي ملابس تعجبه، أو لا تعجبه".

"القراءةُ مثل الحياة، تحتاجُ إلى شجاعة، لا يجب مثلاً وأنت تسلُك طريقاً تجهلُه أن تنساقَ وراء أي شخص يقول لك أن هذا هو الاتجاه الصحيح. عليكَ أن تكون حذراً، وألا تخاف، في نفس الوقت".

تقول إسراء معلّلة بأن "ليس هناك كِتاب في العالم بإمكانه أن يؤذيك. البشر فقط من يفعلون ذلك. لكن هناك كُتبٌ إن لم تقرأْها لن تخسر شيئاً، أقصد بالتحديد الروايات التي قد تكون رائجةً، أو مُصنَّفةً تحت (الأكثر مبيعاً)، والتي قد لا تترك بداخلك أثراً. وهذا لا يعني أن كلَّ ما هو رائج يكون بالضرورة أدباً خفيفاً، فهناك روايات نجيب محفوظ ، وروايات ماركيز، التي قلبتْ كياننا جميعاً".

التعليقات

المقال التالي