"باليتة يوليو": قراءة في ملامح الفن التشكيلي في الحقبة الناصرية

"باليتة يوليو": قراءة في ملامح الفن التشكيلي في الحقبة الناصرية

"نعرف جميعاً أن الفن ليس الحقيقة، إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة" يقول باولو بيكاسو، "إن الفن الأصيل يمتلك الحق بالمبالغة" يقول مكسيم جورجي. وما بين "حقيقة الكذب" و"حق المبالغة" يقف العمل الفني في على محك الإبداع، في مواجهة الزمن.

ويتضاعف ذلك الاختبار باللحظات الاستثنائية، عند الثورات والتغييرات الجذرية، فبعد أن يمضي من السنوات الكثير ويستقر الحال بعد التغيير يبزغ السؤال: "هل كان فناً يا تًرى؟"

وها نحن اليوم تمر بنا الذكرى الـ76 على إندلاع حركة الضباط الأحرار وبدء متتاليات ثورة (23 يوليو) المصرية بكل ما لها من إنجازات وماعليها من إخفاقات ويبقى الاسم الأول بها هو "جمال عبد الناصر".

هذه اللحظة الاسثئنائية جاءت، برأي البعض، تأصيلاً لما سبقها من حركات مد سياسية وثقافية واجتماعية بدأت منذ عصر "محمد علي" وبلغت أوج نضوجها بالأربعينات مع تشكيل اللجنة الوطنية للطلاب والعمال التي مزجت بين المطالب السياسية والاجتماعية.

فنياً، وعبر التشكيل بشكل خاص، تميزت مدارس أربعة كانت هي المدخل للتفاعل مع الحدث الإستثنائي فيما بعد، هذه المدارس هي مدرسة الخيال عام 1908 لمؤسسها رائد النحت المصري "محمود مختار" صاحب التمثال الشهير "نهضة مصر" 1928 ومدرسة الدعاية الفنية 1928 التي دعت للإرتكان إلى الأصالة ومدرسة والفن الحديث 1946 وأخيراً مدرسة الفن والحرية 1946 المرتبطة بتوجهات فنية عالمية تدعو الى التحرر من الموضوع وتحرير اللاوعي.

أقوال جاهزة

شارك غرداشترك أغلب الفنانين مع فجر الثورة المصرية في التعبير عن مظاهر التحول الاجتماعي وسخونة الأحداث السياسية الكبرى، هنا إطلالة على أشهر أعمال هذه الفترة

في بحثه "الفن والثورة" يقول الفنان التشكيلي والمؤرخ الفني "سيد هويدي": "اشترك أغلب الفنانين مع فجر الثورة المصرية في التعبير عن مظاهر التحول الاجتماعي وسخونة الأحداث السياسية الكبرى، خاصة وأنها مرحلة كانت تتسم بالعواطف الجياشة والانفعالات العميقة، كما أن طموح المثقفين والفنانين والطليعة الثورية قبل تفجر الثورة التقى مع الكثير من منطلقات الثورة في التغيير والتحديث".

ويصفها الفنان التشكيليي الناقد الفنى عز الدین نجیب فيقول في كتابه الذي حمل نفس العنوان "الفن والثورة": "الجماعات الفنیة فى فترة الأربعینات، كانت ولیدة حراك سیاسي ومجتمعي في مصر من القاعدة الجماھیریة المعارضة للنظام الحاكم"، وهكذا وقفت جميعها على تباينها على أعتاب التغيير الجديد حيث لم يكن هناك مفر من التعاطي معه عبر الخامات والألوان.

آراء تتفق مع ما أرخته الصحف بهذه المرحلة فرصدت على سبيل المثال لا الحصر، تجربة اللوحة التي ذهبت بفنانها الشاب إلى السجن بأوائل الخمسينات، كانت اللوحة هي "الجوع" والفنان هو "عبد الهادي الجزار" ، تلك اللوحة التي كانت أولى مشاركاته في معرض فني افتتحه الملك فاروق وظهر بها ترميز لفئات مختلفة من نساء الشعب المصري، منكسات الرأس هزيلات الجسد ومن أمامهن الأواني فارغة.

لذا لم يكن غريباً بعد إندلاع "ثورة يوليو" أن يكون الجزار من أكثر الفنانين حماسة لأهدافها ولإحالتها لأعمال فنية استطاعت أن تعيش حتى وقتنا هذا (في حين رآها البعض ذات رمزية صريحة يختل معها منطق الفن الأكثر ميلاً للامباشرة والتجريد) منها مثل لوحة "الميثاق" ولوحة "السد العالي" حيث جاء جسم السد المُشَكًل من متاريس حديدية ليمثل بالنهاية رأس "جمال عبد الناصر".

لكن بطبيعة الحال لم تكن الصورة على هذا النحو من الانسيابية والاكتمال، فالتغيير قادم من فوق دبابة وعبر بندقية ومن ثم توالت التساؤلات مقترنة بمشاهد أولى غير مطمئنة عن قضية "الحرية".

فطالت قائمة الاعتقال بالسنوات التالية أسماء فنية يسارية، فكما كان بالشعر "فؤاد حداد" و"أحمد فؤاد نجم" يغنون ويهتفون من خلف الأسوار، ذهب إلى السجن بألوانهم "إنجي أفلاطون" و"عز الدين نجيب" وآخرين .

تباينت الآراء التي استطلعناها وقرأنا بمذكراتها حول توصيفها لهذه الإشكالية، لتأويلها، وحجم ما نتج عنها من نهايات وبدايات.

غير أن هذه الآراء على تباينها أو تكاملها، اتفقت أن "ثورة يوليو" حظت على نصيب الأسد مع كل محاولة لتاريخ علاقة الفن والثورة في مصر حيث تعبير فني غزير من حيث الحجم والكيف بدءٍ من الخمسينات و انتهاء بوفاة ناصر. 

الحماس الفني والتوق إلى الشوارع

عاد بنا "هويدي" إلى ما سبق موجة الاعتقال السياسي الأولى لأعضاء الأحزاب الشيوعية، توقف عند مشهد احتشدت به كافة الأطياف بكامل إرداتها خلف شاب اعتلى الرئاسة فكانت أولى قرارته الثورية "تأميم قناة السويس"، ورفع يد الشركات الاستعمارية عنها وهو ما تم الرد عليه بـ"العدوان الثلاثي على مصر".

ولم يكن الفن التشكيلي بعيداً، فكتب:

"رأينا بمجرد أن وقع العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م كيف سطرت الفنون الجميلة صفحات جديدة في تاريخها عندما خرج الفنانين بأعمالهم إلى الشوارع للتواصل مع الناس وإلى المقاهي لعرضها." ويضيف:

"وكان أبرز هذه الفعاليات المهرجان الذي نظمه الكاتب الصحفي "كمال الملاخ" في مقهى الباشا بحي عابدين في 4 ديسمبر 1956م، فيما أقام صاحب المقهى سرداقا لمدة عشرة أيام، عرضت فيه لوحات وأعمال الفنانين ليطالعها الجمهور على مدار الساعة، كما أقامت جمعية خريجي كلية الفنون الجميلة معرض الكفاح الشعبي في محطة السكة الحديد ببورسعيد، لتكون هذه الأعمال الفنية هي أول ما يراه أهالي بورسعيد عند عودتهم إلى مدينتهم".

لوحة الجبهة الشعبية، العدوان الثلاثي

الفنّ واللحظة والتغيير

وعلى نفس النهج حيث محاولات التدقيق والتفرقة بين الحماس الفطري لحدث استثنائي وبين الترميز المًصنع والحشد المعلب، اتخذ "نجيب" من تجربة الفنان "حامد عويس" نموذجا وتحدث على سبيل المثال عن لوحة "الزعيم والقناة" .

فقال:

كان من الطبيعي أن يجد الشاب الثوري محمد عويس في الزعيم جمال عبد الناصر أمل الأمة ورمز نهضتها لانتصارها، خاصة بعد تأميمه قناة السويس متحدياَ الاستعمار بكل قواه وكان لابد للفنان أن يعـبر عن هذا التلاحم الحميم ولو بأسـلوب مباشر يبرز تلك الحالة "الكاريزمية" لعبد الناصر، الذى تعملق فى اللوحة بحجم أسطوري... بالنسبة للجماهير الملتحمة به، وإذا كانت السمة التقريرية المباشرة الغالبة على اللوحة، فقد كان نابعة من دافع ذاتي محض للفنان بعيداً عن أي توجيه أو تكليف، بدليل أن الدولة لم تقتنِ اللوحة وما تزال ضمن مجموعته الخاصة. ولا أعلم ما إذا كان النظام كان استخدمها فى دعايته أم لا.

وبالفعل تعدّ أعمال "حامد عويس" نموذجاً يوحي ويحكي الكثير ويكشف عن خط عام يربط مراحل شخصيته الفنية فمن لوحة "الودرية" عام 1953 إلى لوحة "البطالة" عام 1970، هي رحلة في واقع الإنسان المصري مما يجعله بالفعل كما تم تلقيبه أحدرواد مدرسة "الواقعية الاشتراكية" بالفن التشكيلي في مصر التي ازدهرت بمرحلة "يوليو" وتوازي في توجهها أسماء عالمية بارزة ممن أيدوا الثورة المكسيكية وخرجوا برسوماتهم إلى الشوارع كـ دييغو ريفيرا".

 

لوحة البطالة ـ عام1980

مؤسسات واختيارات

"مخزون فني" و"مد ثوري" وراء هذا الضخ الفني لم يكونا العاملين الوحيدين، فقد انضم لهما عامل شديد التأثير وهو وصول "ثروت عكاشة" إلى منصب وزير الثقافة وانتهاجه المخطط الفرنسي بالجمهورية الثالثة لتأسيس مراكز الثقافة الجماهيرية. كما يخبرنا "هويدي":

يكفي أن نرصد أنه في حين بدأت في فرنسا بـ 20 مركزاً فقد بدأت في مصر رغم فقر الإمكانات بـ100 مركز جماهيري، نالتها جميعا بعد ذلك عذابات البيروقراطية لكن كل من عاش بتلك الفترة لمس بنفسه كيف وصلت الثقافة إلى كل المدن الصغيرة ووجد كل شغوف متنفس.

الفن وما يبقى

في ضوء كل ما سبق، لم يكن من الغريب أن تجد الفلاح والعامل وبطولة الانسان في مجاله اليومي ـ لا الزعيم وحده ـ هي المشترك بين أغلب تلك اللوحات إضافة إلى ظهور موضوعات رئيسية كالتضامن مع حركات التحرر والانحياز لفلسطين والوحدة العربية، وأن يتم التعبير عن ذلك بأشكال مختلفة عبر الخط التجريبي والمستمد فكرته من عناصر حضارية متأصلة بالكيان المصري.

لحظة لم يكن هناك من مفر من التماس معها حتى للرافضين فنياً الإنخراط بها، فيقول نجيب:

كان لجماعة الفن والحرية لها موقف يدعو للابتعاد عن التعبير عن التوجهات المرحلية بدعوة أن الإبداع نشاط إنساني يتجاوز القيود والالتزام الإيدولوجي فقد كانوا يسعون إلى الالتحاق بالنموذج الغربي في الفن والتعبير بأساليب المدارس الحديثة كالسريالية والتكعيبية والتجريد، ورغم هذا فإنهم لم يكونوا بعيدين في شعورهم الوطني عما يدور حولهم ويكفي موقف رائد هذا التوجه وهو الفنان "يونان رمسيس" مؤسس جماعة الفن والحرية الذي فقد عمله بالإذاعة الفرنسية عام 1956 حين رفض إذاعة بياناً مناهض للموقف المصري المشروع بالدفاع عن النفس.

لوحة الجحيم ـ رمسيس يونان 1955

في استضافة داخل المكتبة الفنية للفنان "سيد هويدي" طالعنا عشرات الأسماء واللوحات التي هي وثائق تاريخية لمرحلة كاملة .

فمن لوحات الميثاق والتأميم والعدوان الثلاثي إلى السد العالي كان نتاجاً مذهلاً، ما يزيد عن عشرين لوحة متنوعة المدراس الفنية والموضوع فركز أحدهم على العامل وآخر على الأنفاق وثالث على المتاريس ورابع على النيل، فكانت على سبيل المثال لا الحصر، "إرادة الانسان" لـ "أحمد نوار" و"دراسة في السد" لعفت ناجي، استخدم بعضهم الألوان الصريحة وآخرين استلهموا من التراث ألوانه وتشكيلاته كلوحة "حسين فوزي" والرسم الملحمي كلوحة "فتحي أحمد "

السد العالي ـ فتحي احمد
حسين فوزي ـ السد العالي
البناؤون ـ سيد عبدالرسول
الإنسان السد ـ عبدالهادي الجزار

من اللافت مشاركة فنانين بشكل عفوي في هذه اللحمة فور خروجهم من المعتقل، فانتقلت الفنانة "انجي افلاطون" من رسم أركان المعتقل إلى رسم عمال السد.

وقد تشكلت جماعة فنية جديدة حاولت أن ترسم بشكل جماعي توجهها الفني مثل جماعة التجريبيين السكندرية (سعيد العدوى ـ محمود عبد الله ـ مصطفى عبد المعطي) فاتفقوا على الجمع بين المكنونات التراثية وقضايا آنية.

ومن الرسم للنحت برز اسم كـ"جمال السجيني" الذي يشتهر بتمثاله عن العبور عام 1973 لكن سبق ذلك تمثاله عن اقتطاع شجرة السرو على يد العامل المصري كرمز لاستئصال الاستعمار.

ولا يكتمل لنا اكتشاف "باليتة يوليو" كاملة دون الانتقال من روح اللوحات التي عكست المد الثوري إلى ما بعد "انكسار يونيو" 1967.

وهل كان مباح التعبير عن الانكسار أم أن الخوف من البطش كان سبب في اختفاء اللون من فوق المساحة البيضاء. فنقرأ للفنانة هبة الهواري في كتابها "تحولات التشكيل المصري المعاصر":

بعد هزيمة يونيو شعر كثير من الفنانين بالصدمة والخديعة والمهانة والمسؤولية، وما كان رد الفعل سوى شيء من العدمية، والقليل من التمرد، فكانت الحداثة هي المَخرج المناسب من حالة الضياع تلك. وهناك عدة أعمال تشاركت وأوحت بحالة التحول هذه، وإن كانت في بطء، ولا تجد المفر من الجو العام المحيط، كعمل أحمد نوار "من الميدان" الذي شارك في حرب الاستنزاف، وأحضر معه بعض الشظايا ودانات المدافع، ووظفها في تشكيل أعمال نحتية.

كذلك لوحة "النكسة" لجاذبية سري، والتي جسدت الجو القاتم وحالة الهلع الذي عاشه المصريون، كالمرأة المعلقة في الهواء، ما بين بنايات كالكنائس والجوامع أعلى اللوحة، وبين وجوه مفغورة الأفواه في الأسفل، وهي/المرأة تتخذ وضعية ندّابات الجنوب، وكأنها تولول وتبكي.

وفي عمل جمال السجيني "عروسة حلاوة" تبدو العروس وهي ترتدي الملابس العربية، ملابس مُهلهلة، وكسيحة هي، تمسك بعكازين، منكسرة النظرة بوجه مائل، وهو ما يتنافى والشكل المعهود والمبهج في المخيلة الجمعية لعروس المولد، حيث الابتسامة والألوان الزاهية.

من الميدان ـ احمد نوار

رحيل الزعيم

مداً فانتكاساً فاعتصاماً بالانتصار واستنزافاً للعدو وصولاً للفراق المهيب، ننتهي عبر هذه "الباليتة" العامرة عند عام 1970 ورحيل "ناصر" الذي أوجز الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري في وصفه بـ"الزعيم العربي عظيم المجد والأخطاء" وهكذا تناولته مرحلة كاملة عامرة بالتاريخ المصري والوجدان الفني رسماً وتشكيلاً.

لوحة جنازة الزعيم ـ سعيد العدوي

التعليقات

المقال التالي