مجلة "تخيُّل": الخيال العلمي بعيداً عن الفضائيين الخُضر الذين يخططون لغزو الأرض

مجلة "تخيُّل": الخيال العلمي بعيداً عن الفضائيين الخُضر الذين يخططون لغزو الأرض

ماذا لو استطاع أحد أن يرجع بالتاريخ ويغير مساء بعض الأحداث، كيف سيكون واقعنا الآن، أو ماذا سيحدث إذا سقطت جرثومة من الفضاء على كوكب الأرض وقتلت جميع سكان بلدة صغيرة في أمريكا، وما مصير البشر في المستقبل بعد الحروب النووية، هل سنجد ملاذًا آمنًا أم سيفنى البشر، هذه بعض المقالات التي نشرت في مجلة الخيال العلمي "تخيُّل".

تفتقر المنطقة العربية لإنتاج الخيال العلمي سواء في الشق الأدبي أو السينمائي، مقارنة بما كان يقدم في القرن الماضي أو حتى بما ينتج الآن في دول غربية وآسيوية وإفريقية.

بدأ محمد خيري برفقة مجموعة من الكتاب والباحثين منذ عامين في إنتاج مجلة "تخيُّل" كتجربة جديدة في أدب الخيال العلمي.

يقول خيري إنه تأثر بتجربة نجاح المجلات الأمريكية، المتخصصة في الخيال العلمي، في فترة الثلاثينات من القرن الماضي، حينما روجت لذلك النوع الأدبي عبر إتاحتها المجال لمختلف الكُتَّاب الشبان آنذاك لنشر إبداعاتهم القصصية والنقدية، ويرى أن ذلك مهد لما سُمي بالعصر الذهبي للخيال العلمي في أمريكا، كما أن "تخيُّل" محاولة لاستلهام أو محاكاة لتلك التجربة.

via GIPHY

ويضيف لرصيف22 أن "مجلة تخيُّل بكونها أكثر تخصصية، وتقصر الاهتمام على الخيال العلمي فقط (أدبًا وسينما)، تعتبر مشروعًا مُكمِّلًا يحاول سد الثغرات في تجارب سبقته في نفس المجال".

خطوة جديدة لإثراء أدب الخيال العلمي

يسير كُتاب تخيُّل وفق خطة تحريرية مسبقة، عبر تصور معين للسلسلة ولكل عدد على حدة، كما يتركون مساحة حرة للكتابة الارتجالية بمرونة قد تكون أوفق وأنسب مما هو مخطط له مسبقًا.

وصدر العدد الأول لتخيل في أبريل الماضي، على شبكة الإنترنت في صورة كتاب إلكتروني pdf من 150 صفحة، وتحتوي المجلة على 15 موضوعًا عن الخيال العلمي، في الشقين الأدبي والسينمائي، ونشرت عبر منصة منشورات ويلز على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

أقوال جاهزة

شارك غردتجمع أعمال "تخيل" ما بين العوالم الأدبية، وعوالم الإنتاج التلفزيوني والسينمائي. وتفتح بابًا واسعًا على عالم الخيال العلمي يعجز القارئ أن يجده في مطبوعة واحدة.

شارك غردلو استطاعت تخيُّل أن تلفت انتباه قارئ واحد من خارج دائرة المهتمين أصلًا بالخيال العلمي للتعاطي مع هذا اللون الأدبي، سيكون ذلك مُرضيًا جدًا بالنسبة لنا.

أما بخصوص الاسم، فيقول "خيري" إن كلمة تخيُّل مأخوذة من عبارة أينشاتين الشهيرة: (التخيُّل أهم من المعرفة).

الثقافة المضادة والتحرر من سطوة الممول

وفي السياق ذاته، يرى الدكتور وسام الدين محمد، أكاديمي وباحث في الخيال العلمي، أن "تخيل" تمثيل للثقافة المضادة كما يعرفها النقاد، ولا يمكن اعتبار القائمين عليها متخصصين متفرغين، بل هم هواة متحمسون اعتمدوا على استكشاف أدب الخيال العلمي بصورة مستقلة عن أي مؤسسة تعليمية نظامية، وهم مع ذلك مكرسون لهذه المادة الأدبية بحكم الهواية.

وأضاف: "كونها مشروع نشر إلكتروني، يرفع من فوق عاتق القائمين عليها عبء توفير دعم مالي للنشر، وهو ما يحررها من سطوة الممولين والمعلنين، ولذلك يمكنها أن ترتاد أرجاء الخيال العلمي المختلفة، حتى تلك الأرجاء التي تمثل تابوهات محرمة".

تقدم "تخيُّل" تنوعًا ما بين أعمال الخيال العلمي البسيط Soft Science Fiction التي تعتمد على المغامرات الشيقة، وأعمال الخيال العلمي الراسخة Hard Science Fiction التي تتناول أفكارًا فلسفية حول الإنسان ومصيره، كما تقدم مادة أدبية إبداعية وأخرى نقدية، لا تقف عند أعمال الرواد، إذ تتناول أعمالًا حديثة النشر، فبحسب وسام الدين، فإن أعمال "تخيل" تجمع ما بين العوالم الأدبية، وعوالم الإنتاج التلفزيوني والسينمائي. وتفتح بابًا واسعًا على عالم الخيال العلمي يعجز القارئ أن يجده في مطبوعة واحدة.

فضائيون يغزون الأرض: صورة واحدة للخيال العلمي

لعل هناك صورة ذهنية راسخة لدى قاعدة عامة من الجمهور بأن الخيال العلمي ليس إلا أوبرا الفضاء أو الكائنات الغريبة "فضائيون خُضر يغزون الأرض"، يقول خيري إن سبب ذلك هو أغلفة المجلات الرخيصة وكتب الجيب التي رسخت هذا التصور لدى أغلب الناس عندما حصرت الخيال العلمي في فرع واحد فقط هو أوبرا الفضاء، باعتباره الفرع الأكثر إثارة وتشويقًا، وهو ما يفضله أغلب جمهور السينما والقراء خصوصًا من النشء.

via GIPHY

ويضيف: "كل ذلك رسخ الصورة الذهنية الشائعة عن الخيال العلمي باعتبار أنه لا يحوي سوى قصص الغرباء خضر البشرة الذين يسعون للسيطرة على الأرض، وأن تغيير هذه الصورة هي مسؤولية المهتمين بالخيال العلمي الحقيقي عن طريق تقديم أعمال من فروع الخيال العلمي الأخرى لجذب انتباه القراء والمشاهدين".

إنتاج ضئيل ومقارنة ظالمة بالغرب

يرى مؤسس مجلة "تخيُّل" أن حجم الإنتاج الأدبي العربي ضئيل جدًّا مقارنة بنظيره في الغرب أو حتى في الصين، لكن بالقياس لعمر التجربة الروائية العربية فالأمر ليس مفزعًا كما يُصور البعض، من الصعب التطلع إلى التخصص الأدبي في تجربة روائية عمرها يجاوز القرن، والمقارنة بالغرب في هذا النطاق ظالمة، مشيرًا إلى أن حجم القُراء هنا ومحدودية اهتماماتهم الأدبية.

يقول وسام أن حجم أدب خيال علمي وفانتازيا ورعب، يعتبر محدودًا بل وقزميًا عند مقارنته بالثقافات الأخرى. وبالنسبة للخيال العلمي، فالأمر أصعب لعدم تمكن هذا النوع في البيئة الثقافية العربية بعد.

ويضيف: "لك أن تتخيل أن اليابان، وهي البلد الذي تزامن في التحديث مع مصر، وتعرض لمأساة القنبلة النووية، ينتج أدباؤه سنويًا نحو ثلاثة آلاف رواية في مجال الخيال العلمي والفانتازيا والرعب، إلى جانب نحو 900 مجلة متخصصة".

ما تقدمه تخيُّل: ترجمات أم إنتاج ذاتي؟

لعلّ بداية تأسيس مجلة أدبية متخصصة يعد إشكالية، خاصة إذا كانت غير مدعومة ماليًا، وهل تكون بكتابات ذاتية أم من خلال ترجمات لأعمال الأجنبية أم العمل على الإثنين بالتوازي، في رأي وسام أن أدب الخيال العلمي بين كونه إبداعًا إنسانيًا يتناول قضايا تتجاوز الحدود السياسية والاختلافات بين المجتمعات، وبين كونه عملًا أدبيًا يستمد عناصره من البيئة التي يتم إبداعه فيها.

ولذلك لا يمكن تخيل أن ينمو أدب الخيال العلمي العربي بمعزل عن أدب الخيال العلمي العالمي، ومن هنا تظهر ضرورة ترجمة أدب الخيال العلمي العالمي إلى العربية.

ويشير وسام إلى أن الإنتاج يجب أن يكون امتدادًا لعناصر الثقافة العربية، فالكثير من المهتمين بالخيال العلمي يعرف أن رواية غريب في أرض غريبة Stranger in a Strange Land قد اعتمد مؤلفها روبرت هاينلاين Robert A. Heinlein على الحبكة التي قدمها دانيال ديفو Daniel Defoe في روايته روبنسون كروزو Robinson Crusoe، الذي بدوره اعتمد على حبكة حي بن يقظان، ذلك العمل الأدبي الفريد لابن طفيل الفيلسوف الأندلسي.

إن استيعاب التراث على نحو نقدي في ذهن المبدع العربي قادر على إنتاج الخيال العلمي العربي المرجو".

بينما يقول خيري: "من المهم والمفيد جدًا الاطلاع على التجارب الأدبية الأسبق لنا ومحاولة الاستفادة من آخر ما انتهت إليه من أساليب وأفكار".

هدف تخيل: التأثير ولو في فرد

بجانب تحقيق نجاح لدى المهتمين بالخيال العلمي، يرى خيري أن تخيل لو استطعت أن تلفت انتباه قارئ واحد من خارج دائرة المهتمين أصلًا بالخيال العلمي للتعاطي مع هذا اللون الأدبي، سيكون ذلك مُرضيًا جدًا بالنسبة لنا.

لا يفضل خيري المبالغة أو الافراط في التفاؤل بخصوص أن تكون مجلته خطوة أو بداية في إثراء أدب الخيال العلمي، ويقول: "أغلب تجارب الدوريات والمجلات العرية تنتهي دومًا بالتوقف، حتى المدعومة حكوميًّا منها، لدرجة اننا نفكر جديّا واستباقا لاحتمال التوقف، أن تكون تخيُّل سلسلة منتهية ابتداءً، أي أن نحدد مقدمًا ما سيصدر منها من أعداد".

ويرى دكتور وسام أن "تخيل" لو استمرت وتطورت، فإن تأثيرها في مجتمع الخيال العلمي العربي، سوف يكون مثل تأثير مجلة الرسالة للكاتب والأديب أحمد حسن الزيات (1885-1968)، على المجتمع الثقافي العربي في زمانها.

التعليقات

المقال التالي