من اشتراكيةٍ منقرضة إلى يمينٍ مسيطر.. الأرجوحة التركية بين الشرق والغرب

من اشتراكيةٍ منقرضة إلى يمينٍ مسيطر.. الأرجوحة التركية بين الشرق والغرب

 

امتداد الأراضي التركية على رقعةٍ تربطُ آسيا وأوروبا يكسبها مزيداً من الاتساع والثراء الثقافي والاجتماعي، لكنه على جانبٍ آخر يفجرَ تساؤلات حول انتمائها ومواقفها وهويتها الحضارية.. من يصنع القرار التركي؟ هيَ.. أم تأرجحها الحضاري بين الغرب والشرق، والذي عطف حكوماتها بمتغيراتٍ وأزماتٍ لا تزال ذيولها حاضرةً حتى اليوم..

لتقريب وجهة النظر هذه نقرأ بعض مواقف الحكومات التركية، منذ تأسيسها عام 1923 بعد حرب التحرير 1919 - 1922، وانتهاء العهد العثماني الذي خاض معارك الشرق والغرب أيضاً في كل مراحله مع كل سلاطينه وخلفائه، لذا سوف نقارب الصورة بين المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في العهد الجمهوري، دون التقليل من أهمية المجالاتِ الأخرى.

التأرجح الاجتماعي.. صدمةٌ فجة

التأرجحُ بين الحياة الاجتماعية الشرقية والغربية أولُ المواقف التي صدمَتِ الشعب التركي عند تأسيسِ الجمهورية، فقد حاولت حكومة أتاتورك 1923 - 1938 أن تفرضَ نمط الحياة الاجتماعية الغربية في اللباس والعادات والتقاليد الأوروبية بطريقة فجَّة وقاهرة.

حيث فُرضَ لبسُ القبعة بدل الطربوش، واللباسُ الأوروبيِّ بدل الشرقيّ في الهندام الوظيفي المدني والعسكري، فضلاً عن فرض حروف الخط اللاتيني في الكتابة الرسمية للجمهورية وفي المدارس والجامعات بدل الحرف الشرقي العربي.

التأرجحُ بين الحياة الاجتماعية الشرقية والغربية أول المواقف التي صدمَتِ الشعب التركي عند تأسيسِ الجمهورية

ما أعطى انطباعاً أن الجمهورية التركية الناشئة تسير في ثقافتها الاجتماعية نحو الغرب أيضاً، وصل الأمر إلى منع الأذان باللغة العربية، محاولةً لعزل العبادة عن انتمائها الشرقي، وباتت المناداة للصلاة باللغة التركية، وأُغلِقَت معاهد التعليم الديني، كل ذلك كان لفرض نوعٍ من العلمانية التربوية والتعليمية.

بقيت تركيا في هذا الضغط الاجتماعي غير المنسجم مع الهوية الحضارية لشعبها عقوداً متواليةً، حتى بداية انتصاف القرن الماضي تقريباً، ثم بدأت الحكومات التالية تصحيح الصورة الاجتماعية للبلاد بحسب ما يريده الشعب، عن طريق صناديق الاقتراع الديمقراطي، واختياره الحكومات التي ترفع شعارات الانتماء للهوية الاجتماعية التركية الأصيلة، وتضع في برامجها الانتخابية التأصيل للانتماء الحضاري للتاريخ التركي.

فأعاد الحزب الديمقراطي برئاسة عدنان مندريس وجلال بيار بعض المظاهر الاجتماعية الحضارية للشعب التركي منذ اختياره في أول حكومة منتخبة بعد عهد الحكم الشمولي وحكم الحزب الواحد، منها إعادة رفع الأذان باللغة العربية، وإعادة فتح مدارس التعليم الديني، وتخفيف الحظر عن ممارسات الطرق الصوفية.

في الاقتصاد.. اشتراكية وإرث عثماني ثقيل

أما التَّأرجحُ بين الشرق والغرب في المجال الاقتصادي كان واضحاً وقوياً أيضاً، فرئاسة مصطفى كمال أتاتورك، ومن بعده عصمت اينونو قد فضلت الأخذ بالنهج الاقتصادي الاشتراكي الشرقي، وكان هذا ينسجم مع أيديولوجية الحزب الحاكم والوحيد في السلطة "حزب الشعب الجمهوري"، الذي أسسه أتاتورك وحكم به تركيا طوال حياته وبعده لأكثر من ربع قرن (1923-1950).

وقتها كانت الجمهورية التركية دولة شمولية يتولى الحزب الحاكم كل شيء بما فيها الشؤون الاقتصادية، ومواقفها الاقتصادية أقرب إلى مواقف الحكومات الاشتراكية في عصرها الأول، مثل حكومات الاتحاد السوفيتي في عهد لينين وستالين، في التفرد بتقرير طبيعة اقتصاد الجمهورية التركية، والسيطرة كامل نشاطاته.

وكانت الاتصالات السياسية والاقتصادية قائمة بين حكومتي أتاتورك ولينين، مع وجود اتصالات مع الغرب، لكنها لم تكن بدرجة التعاون مع الشرق. وبقي هذا النظام الشرقي الاشتراكي يتحكم بالاقتصاد التركي حتى مجيء حكومة الحزب الديمقراطي المنتخبة عام 1950 برئاسة عدنان مندريس، بعد تشريع التعددية الحزبية السياسية في تركيا.

فكان خروج تركيا من نظام حكومة الحزب الواحد إلى التعددية السياسية على طريقة النظام السياسي الغربي، تأرجُحاً نحو الغرب في المجال الاقتصادي أيضاً.

تبنى رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس الدّعوة إلى تنشيط القطاع الاقتصادي الخاص في تركيا على الطريقة الغربية، رغم أن المواقف الاقتصادية التي ورثتها الجمهورية من الدولة العثمانية، هي طريقة الإشراف على إدارة الشؤون الاقتصادية أولاً.

ثانياً، ورثت الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي عانت منها الدولة العثمانية، والتي اضطرتها في المرحلة الأخيرة إلى تأسيس هيئة الاستدانة الخارجية، فكان الاستقراض باسم الدولة لمعالجة مشاكلها الاقتصادية أحدَ الحلول التي تواجهُ بها البلادُ مصاعبَها الاقتصادية.

أقوال جاهزة

شارك غرداتخذ أتاتورك في الاقتصاد، نهجاً اشتراكيا شرقياً، متأثراً بحكومات الاتحاد السوفيتي، كان نظاماً شمولياً قائماً على التفرد بالاقتصاد وكامل نشاطاته.

شارك غردلا يمكن فهم الواقع التركي دون الالفتات إلى مواقف الحكومات التركية منذ نهاية الحكم العثماني حتى أيامنا هذه، وتأرجحها بين الشرق والغرب، سياسياً، اقتصادياً، واجتماعياً

كذلك واصلت الجمهورية التركية تلك المعاناة الاقتصادية منذ مرحلة التأسيس، فكانت مداخيلها صعبةً في عهد أتاتورك، وعهد من بعده عصمت اينونو، الذي كانت الحكومة خلال فترته تتبع سياسة الميزانية القوية في زمن الحزب الواحد واستناداً إلى المعلومات الاقتصادية التي رافقت ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1930.

عصمت اينونو

مشاريع الاستقرار الاقتصادي جاءت لأول مرة على يد الحزب الديمقراطي عام 1950م، الذي دشن مرحلة جديدة في النظام السياسي الحزبي التعددي، وتعد تلك السنوات سنوات ذهبيةً في تغيير وجهة الجمهورية التركية نحو الديمقراطية.

وتُقسَّم الفترات التي استلم فيها الحزب الديمقراطي إلى فترتين اقتصاديتين، الأولى منذ عام 1950 إلى 1953م، تخللها وفرة ونموٌّ متميز وغير مسبوق للعائدات، والثانية مرحلةٌ استمرت حتى البدء بمشاريع الاستقرار الاقتصادي عام 1958م، وبالنظر إلى انتخابات عام 1950م كان هناك عنصرين أساسيين ملفتين للنظر في سياسة الحزب الديمقراطي الاقتصادية، أحدهما الفهم المتطور والنظرة الليبرالية لاقتصاد الدولة، وهذا نمط في علم الاقتصاد الغربي.

العنصر الثاني اتخاذُ استراتيجيةٍ للتنمية وإعطاء ثقل كبير للزراعة والاهتمام بها، في هذا الإطار تمَّ السعي لإثبات أنَّ مقاييس نظام الحزب الواحد كانت خاطئة، فأُعطيَت أهميةٌ أكبر للقطاع الزراعي وزاد الإنفاق على البنى التحتية، ما أدّى إلى ارتفاع المنتوج الزراعي، وصدرت تركيا القمح والكروم، كمعدن، ساهم في توفير النقد للدولة وزيادةٍ في أرباح المنتجين لهذه المواد.

نحو الغرب.. قروضٌ وإجراءاتٌ وغير ذلك

ورغم الصعوبات التي واجهتِ الاقتصاد التركي بين الفينة والأخرى، إلا أن عدنان مندريس لم يكن ينوي اتّباع سياسة ربط الحزام، أي التقشف وقلة الإنفاق، قبل الانتخابات الثانية، وعندما فاز بها 1954 بنتيجة قوية قرر بالاتفاق مع لجنة صندوق النقد الدولي الذهاب إلى أمريكا سرَّاً وطلب قروضٍ مالية بدلاً من فرض سياسة التقشف التي كانت مطروحة عليه.

فأصبح توجه الاقتصاد التركي نحو الغرب واضحاً وحقيقياً، وبدوافع أخرى غير اقتصادية، منها انتماء تركيا لحلف الناتو عسكرياً والتحضير لطلب عضوية الاتحاد الأوروبي قانونياً وسياسياً واقتصادياً.

منْعُ تركيا من دخول الاتحاد الأوربي والمواقف الغربية المعادية لها، تدفع أرجوحتها إلى الشرق رغماً عنها، هي عودة لتأثير الموقع الجيوسياسي والجيوثقافي لتحديد الهوية التركية العالمية

ونتيجةَ الصعوبات الاقتصادية التي واجهتها تركيا في ظل الديون الخارجية، والضغوط التي برزت في الدعم المالي لحركة الاستيراد، ومشاكل الميزانية، دخلت البلاد مرحلةً جديدةً من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. 

وأصبح من الطبيعي رؤية الطوابير الطويلة في شوارع المدن الكبيرة، وبات المدمنون على القهوة يشربون بدلاً منها الحمص المجفف، وبينما كان حجم التضخم السنوي يقارب الـ20% تدخلت الحكومة عملاً بنظرية الاقتصاد الليبرالي، وحاولت بطرق بوليسية الإشراف على الأسواق، وأعادت استخدام قانون الحماية القومي -الذي استُخدِم أيام الحرب العالمية الأولى- لمواجهة البورصة السوداء والاحتكار.

كما عدلت الحكومة بعض مواد هذا القانون، وأعادت استخدام بعض الإجراءات الأخرى التي سبقَ إلغاؤها تلك الفترة، كونها محاولة للتشريق في النظام الاقتصادي التركي، لكنها لم تنجح بسبب الارتباط الأوثق مع الاقتصاد الغربي.

هذه المشاكل الاقتصادية برزت مرة أخرى بداية سبعينيات القرن الماضي، لكن الحكومة طبقت عام 1970 سياسة التقشف والتضخيم للعملة دون تأخير، ونجحت في بعض خطواتها، وأمَّن تزاحم العمال على أبواب الصرافين نوعاً من الارتياح في الإيداعات، لكنَّ أزمة البترول عام 1973م شكلت مؤشراً لبداية مرحلةِ ضيقٍ جديدة وأيامٍ صعبة، وفي السنة التي تليها أحداث قبرص، أضافت أعباءَ جديدة على الميزانية وعلى موضوع الديون الخارجية.

في السنوات التالية ساهمت حملات التضخم وخفض قيمة العملة ومشاريع الاستقرار الاقتصادية العاجلة في خفض مستوى دخل طبقات كثيرة من الشعب التركي، وزادت الركود الاقتصادي، ونسبَ تفشي البطالة، وفتحت طريقاً لزيادة المشاكل الاقتصادية. لكنها لم تؤدّ إلى التحول من النظام الديمقراطي الرأسمالي إلى الشمولي الاشتراكي مرة أخرى، رغم وجود أحزاب سياسية يسارية كانت تدعو إلى ذلك.

غير أن ارتباط الاقتصاد التركي الوثيق مع الغرب وصندوق النقد الدولي، وتلاشي الأنظمة الاشتراكية في العالم المتقدم، حافظ على النمط الديمقراطي الغربي من الحكم أولاً، وفتح المجال للانقلابات العسكرية لمعالجة بعض المشاكل الاقتصادية وغيرها من مظاهر الخروج عن العلمانية الأتاتوركية من وجهة العسكر، كما يرِدُ في ديباجة تبرير الانقلابات العسكرية على الحكومات المنتخبة ديمقراطياً.

الانقلاب العسكري على عدنان مندريس

إلا أن الانقلابات العسكرية المتكررة في تركيا لم تعالج الأزمات، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، مع أن بعض الأحزاب السياسية المنتخبة نجحت في تخفيف الاحتقان الاجتماعي بالدعوة إلى المصالحة مع الشخصية التركية الحضارية.

كما استطاعت تلك الأحزاب بمستويات متفاوتة رفع مستوى الاقتصاد التركي، خاصةً في مجالات الزراعة والتصنيع المدني والسياحة وقطاعات الإنشاء والبناء، وفتحت الشركات التركية أسواقاً خارجية كبيرة وجلبت مستثمرين من كل أنحاء العالم.

وتغلَّب الاقتصاد التركي على صعابه الدولية بسبب الأزمة الاقتصادية الدولية عام 2008، كان ذلك مؤشراً على التعافي والتحرر بدرجة كبيرة من الاقتصاد الأوروبي والأمريكي، بسبب الاعتماد على الخطط الاقتصادية الداخلية، وتنويع الاعتماد التركي على الأسواق العالمية الشرقية والغربية استيراداً وتصديراً، دون تعهدٍ بالارتباط السياسي نحو محورٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ دولي بعد انتهاء الحرب الباردة.

تأرجحٌ وبعض الاعتماد على الذات

منذ انتهاء الحرب الباردة تراجعت النظرية الشيوعية الشمولية في الحكم، والنظرية الاشتراكية في إدارة اقتصاد العالم أيضاً، وأصبحت الأحزاب الاشتراكية واليسارية في العالم نوعاً من الفلكلور التاريخي من مرحلة زمنية منقرضة.

فلم تعد تلك الأحزاب تحظى بشيء من التقدير الشعبي في دولها، وبات انتخابها ووصولها إلى السلطة نادراً، هذا ينطبق على الأحزاب اليسارية التركية بكل تأكيد، فكان تراجعُ حزب الشعب الجمهوري، وعجزه عن الوصول إلى السلطة بعد خروجه منها عام 1950، بسبب أيديولوجيته اليسارية التاريخية وعدم التجديد فيها.

لكن هذا التراجع للنظرية الاشتراكية في الحكم والاقتصاد ـ وهي نظرية شرقية في الغالب ومرتبطة بتاريخ الاتحاد السوفيتي أكثر من غيره - لم ينهِ تأرجحَ تركيا بين الشرق والغرب حتى اليوم، ولو في مجال التعاون السياسي والاقتصادي مع روسيا والصين من جهة، ومع أمريكا وأوروبا من جهة أخرى.

فتركيا رفعت مستوى تعاونها مع روسيا والصين وأذربيجان وغيرها من دول أوروبا الشرقية كثيراً في السنوات الماضية، على حساب توجهات إلى الغرب سابقاً.

هذا التأرجح الجديد نحو الشرق جاء بقوة دفعٍ غربية عكسية، فيكاد الاتحاد الأوروبي يغلقُ أبوابَه على تركيا ويرفضُ عضويتَها الكاملة، بسبب انتماء شعبها إلى الشرق الإسلامي، بحسب زعم زعماء الكنيسة الغربية، ويتبعها في ذلك رؤساء كالجمهورية الفرنسية وقطاع كبير من سياسيي أوروبا الغربية، بأن تركيا لن تدخل العضوية الأوروبية الكاملة يوماً.

هذه المواقف الغربية المعادية لتركيا تدفع أرجوحتها إلى الشرق رغماً عنها، هي عودة لتأثير الموقع الجيوسياسي والجيوثقافي لتحديد الهوية التركية العالمية.

وما يزيد هذه الهوة الحضارية التوجهات الأوروبية المعاصرة نحو اليمين المتطرف، على حساب النظم الديمقراطية والقانونية والإنسانية، فأوروبا الغربية تخرج من حاويتها الحضارية الحديثة تدريجياً، ما ينذر بتفكك الاتحاد الأوروبي قبل أن تدخله تركيا، واقتراب الدول الأوروبية من حروب دولية عالمية جديدة.

أما أمريكا الواقعة في ظل النظام الترامبي تسير نحو العزلة الدولية، وهذه المرة بصناعة إدارة أمريكية يمينية غير مستقرة، فالولايات المتحدة خرجت خلال سنة واحدة من اثنتي عشرة مؤسسةٍ ومنظمةٍ واتفاقية دولية.

كل ماسبق يجعل تركيا في حالة اعتماد على الذات أكثر منه على التحالفات الدولية، ما سوف يخفف حالة التأرجح بين الشرق والغرب، وعدم التأثر من أوجه الصراع بينهما، حتى وإن كان موقعها الاستراتيجي يفرض عليها شروطَه وإحداثياتِه الحضارية والسياسية.

كاتب وباحث تركي رئيس مركز شرقيات للبحوث.

التعليقات

المقال التالي