ماذا تعرف عن "الفود بورن" وأسراره!

ماذا تعرف عن "الفود بورن" وأسراره!

جاء في الـ"أبيشيوس" (حب الطعام)، مخطوطة وصفات الطبخ التي تعود للقرن الأول الميلادي، أننا "نأكل بداية بأعيننا"، فما السرّ الذي يجعل الطعام "جذاباً"؟

في السنوات الأخيرة أصبحت شبكة التواصل الاجتماعي منصة لهواة الطعام، فتتم مشاركة أكثر من 158 ألف صورة للطعام على إنستغرام، وقد أصبح الولع بالطعام والاهتمام المبالغ به يعرف بأنه نوع من "الإباحيّة" أو بشكل أدق "بورن الطعام".

تعرّفه المختصة بالـ"فود بورن" بروك ميلر، صاحبة مدونة [email protected]، التي يتابعها أكثر من 11000 مشترك، على أنه: "صور بجمالية مبالغ بها، تعرض الطعام بطريقة جذابة". واليوم، من تحضير الطعام إلى اكتشاف مطاعم جديدة، أصبحت ملايين الناس أسيرة لإباحيّة الطعام.

حولت وسائل التواصل الاجتماعي الطعام إلى نوع من الفن الشعبي

وصلت وصفات الطعام العادية، مثل التوست مع الجبنة والأفوكادو، والميلك شيك إلى قائمة الصور الأكثر مشاهدة. وصفحات إنستغرام المختصة بالطعام، تسمح للناس بتحميل صور لأطعمة أثارت شهيتهم واهتمامهم، فبإمكان أي منا مشاهدتها لنوسّع معارفنا في هذا المجال، ولكنها في نفس الوقت تتركنا "نتشهون" و"يشط ريقنا" أمام الشاشة.

من تحضير الطعام، إلى تصوير أطباق الطعام، إلى اكتشاف مطاعم جديدة، أصبحت ملايين الناس اليوم أسيرة لإباحيّة الطعام

ومع أننا نميل لربط إباحيّة الطعام بوسائل التواصل الاجتماعي، التدقيق في تاريخ الفن يظهر بأنّ ذلك بدأ قبل عصرنا بقرون، وبالتحديد، في عصر النهضة، فكما صرّح بريان وانسيك، بروفيسور جامعة كورنيل الأمريكية، لمختبر Cornell Food & Brand، "الوجبات المبالغ بجماليتها، ليست اختراعاً معاصراً".

فلأكثر من 500 عامٍ، تعامل الفنانون في لوحاتهم مع الأطعمة الفاخرة، التي لا تدخل في النظام الغذائي اليومي، فنرى اللحوم وجراد البحر والفواكه بألوانها المختلفة.

وفي هذا السياق، يبين مقال يبحث في تاريخ هوسنا بالطعام، من خلال تحليل 140 لوحة موضوعها الطعام، أنّ أقل العناصر تمثيلاً فيها كانت المواد التي تستخدم بشكل يومي، كالكوسا والبيض والدجاج، أما أكثرها استخداماً، فكانت الأطعمة "المثيرة" أو المميزة من الناحية الجمالية، أو الصعبة من الناحية التقنية.

تبين لنا هذه الملاحظة أنّ العنصر الجمالي كان دوماً عاملاً هاماً دفع الفنانين للتركيز على الأطعمة الفخمة، وكأنهن ارتأوا فيها تجسيداً للأبهة والرفاهية في عيني المشاهدين الذين تسحرهم صور الأطعمة المعدّة بشكل جميل.

لا تقتصر إباحيّة الطعام على الصور، بل تشمل الفيديو أيضاً، أشهر صفحة للموقع المعروف BuzzFeed، صفحة Tasty، هي دون شك من أكثر المواقع مشاهدة، فحضورها على يوتوب وصل إلى 8,727,795 متابعٍ، ومن أكثر موادها شعبية، فيديو بعنوان: "كيف تعدّ شريحة لحم (ستيك) رخيصة وشريحة لحم غالية"، وله حتى الآن 9.9 مليون مشاهدة.

من خلال دورها كشركة للأخبار الاجتماعية والترفيهية، حولت Buzzfeed الطعام من حاجة يومية إلى مصدر أساسي للترفيه، وغيّرت النظرة للطعام: لم نعد نأكله فحسب، ولكن أصبحنا "نشتهي" الطرق الجديدة والوصفات غير التقليدية التي يقدمها لنا المشرفون على صفحة Tasty، والتي يدفعون من خلالها مخيلتنا للتأمل بالجمالية الممكنة في إعداد أطباق الطعام.

أقوال جاهزة

شارك غردمن خلال شبكة التواصل الاجتماعي، تحولت إباحيّة الطعام إلى ما يتوق الناس لرؤيته: ألوان، ووجبة جاهزة وتنوع لا حدود له

شارك غردهل تصوّر طبقك قبل تناوله؟ تشير الدراسات إلى أنّ 44% من روّاد المطاعم يأخذون صوراً لأطباقهم و69% من جيل الألفيّة يميلون لأخذ صور لأطباقهم قبل تناولها

أطلت أنيسة حلو، الشيف اللبنانية السورية التي تعشق المطبخ الشامي، على لائحة Arabian Business Magazine كواحدة من ضمن 100 من النساء العربيات الأكثر تأثيراً. سألنا حلو عن سبب جاذبية ونجاح صفحة فيديو Tasty، فكان ردها أنهم "يختصرون خطوات تحضير الأطباق إلى ما هو ضروري فحسب، وهناك تركيز على مقدمة/مقدم البرنامج خلال إعداد الطبق، كما أن التصوير يتجنب أية لقطات غير ضرورية".

في ثقافة فقدنا فيها قدرتنا على التركيز لمدة طويلة، أصبحنا نميل إلى مشاهدة الفيديو القصير (الذي لا يتجاوز الدقائق المعدودة)، أكثر من رغبتنا بمشاهدة ما يقدمه مثلاً غوردون رامزي في برنامجه التفصيلي المخصص للمشاهدين المهتمين بالطهو بشكل جدي.

 سأجربها بنفسي!

برأي جمال صالح، مديرة الفريق الفني في رصيف22، اختصار خطوات تحضير وجبات قد تأخذ نصف ساعة، إلى فيديو من دقائق قليلة يجعل فكرة الطهي تبدو سهلة، وبذلك "يعطي بعداً إنسانياً لتجربة الطبخ"، حتى أنّنا بتنا نعتقد أنّه بإمكاننا أنْ نعدّ أطباقاً شهية بعد أن كانت الفكرة السائدة أنّ محترفي الطبخ وحدهم قادرون على ذلك.

أما بروك ميلير فتعلّق: "أعتقد بأن المشاهدين يجربون هذه الوصفات التي تقدمها الفيديوهات" وتتابع، "أنا أختار بعض الأفكار منها، لا أعلم كم من الناس يكررون كل خطوات الوصفات".

تحولت إباحيّة الطعام من خلال شبكة التواصل الاجتماعي، إلى ما يتوق الناس لرؤيته: ألوان، ووجبة جاهزة وتنوع لا حدود له.

في حوار لرصيف22، أخبرتنا منال مسعود، صاحبة مدونة Homemade by Manal، بأنها انتقلت من مدونتها إلى إنستغرام في 2014، وتتابع: "عندما بدأت شعبية إنستغرام تزداد، عانت مدونات الطعام وانخفض عدد متابعيها... لأن تطبيق إنستغرام يقدم تجربة بصرية أبسط".

لم ينتهِ عصر المدونات رغم ذلك، لكنها بقيت موجهة لعشاق الطعام الجديين في متابعتها. وبالمقابل، لا تعتبر مسعود أن هدف إنستغرام هو الانتشار الواسع على شبكة الإنترنت فحسب، بل خلق توافق بين المحافظة على قيمة الطعام، والقدرة على إغراء متابعي الصور بطيف من الألوان البديعة، كما هو الحال مع الـ 35000 متابع لصفحتها.

سألنا تيسا غلك، التي تحصد صفحتها [email protected] على إنستغرام بأكثر من 501 ألف متابع، إن كانت قد بدأت بمدونة قبل إنستغرام، ومع أنها كانت دائماً من عشاق الطعام، إلا أنها لم تنشر أي شيء في مدونة، قبل أن يلمع نجمها على إنستغرام.

هل تصوّر طبقك قبل تناوله؟

وجد استطلاع للرأي قام به موقع Ypulse، بأنّ أكثر من 47% من الشباب يعتبرون أنفسهم عشاقاً للطعام، ومن هنا نرى أن إباحيّة الطعام على شبكة التواصل الاجتماعي التي يستخدمها الشباب بشكل واسع، أصبحت "صرعة" عالمية. وبالرغم من وجود الكثيرين من عاشق الطعام في السابق، قبل تطبيق إنستغرام، إلا أن الأعداد تضاعفت وتغير التفاعل مع ثقافة الطعام بعده.

قبل إنستغرام لم يكن بمقدور الأشخاص الكتابة عن الطعام إلا إنْ كرّسوا وقتهم بشكل دائم للمدونة، أما مع وسائل التواصل الاجتماعي فقد أصبحت مشاركة ما نحب من الأطعمة سهلة، تتم بكبسة واحدة على شاشات هواتفنا المحمولة.

الأهمية "البصرية" للطعام تزايدت دون شك، فقد بينت دراسة أعدتها فوربز (Forbes) أن 44% من روّاد المطاعم يأخذون صوراً لأطباقهم، وهذه النسبة أعلى عند جيل الألفية، كما تبين الـ"هافينغتون بوست"، فـ 69% منهم ميّالون لأخذ صور لأطباقهم قبل تناولها، مما يشير إلى أن الجيل الفتي من المجتمع يساهم في هذه النزعة المتنامية. 

ما الذي يحدث داخل أذهاننا عندما نشاهد بورن الطعام؟

أو بصيغة أخرى، لماذا نتسمّر بذهول ونحن نقلب صفحات إنستغرام أمام صورة لطبق شهي؟ وفقاً لدراسة Elsevier المعنونة "نأكل بأعيينا"، هناك سبب علمي لذلك: لقد تطورت جاذبية الأشياء ثلاثية الألوان عندما كنا في مرحلة بدائية من تطورنا ("رئيسيات" أشباه بشر)، ومازال تركيبنا الجيني قائماً من فترة كان الغذاء فيها أكثر ندرة.

التعرض المفرط لصور الطعام على وسائل التواصل الاجتماعي تخلق دماغاً "جائعاً"، أي أن أذهاننا تصبح "مدمنة" على إباحيّة الطعام

ومن هنا، يؤثر التعرض المفرط لإباحيّة الطعام على وسائل التواصل الاجتماعي على جملتنا العصبية ويخلق "دماغاً جائعاً". بمعنى آخر، تصبح أذهاننا "مدمنة" على إباحيّة الطعام.

والأكثر من ذلك، كما وجدت دراسة من عام 2011، إنّ صور الأطعمة الغنية بالدهون تثير السلوك البشري أكثر من الأطعمة منخفضة الدهون. هذا يجعل الأطعمة عالية الكربوهيدرات تبدو أكثر إثارة لأنها تثير الدماغ من خلال زيادة هرمون الغريلين، الذي يطلق عليه علماء الغذاء اسم "هورمون الجوع".

لنأخذ مثلاً كعكة (بيغل) قوس قزح التي استحوذت على خيال عشاق الطعام في عام 2016: أطلقها سكوت رسيلو وأحدثت ضجة على الإنترنت، بدمجها لكعكة "البيغل" التقليدية مع جمالية تعدد الألوان.

يشكل اختراع رُسيلو نموذجاً ممتازاً لاستغلال الجوع البصري، فهي مغرية بألوانها وأيضاً بمكوناتها الغنية بالكربوهيدرات، وكلاهما ينشطان الجملة العصبية، مع أنّ طعم الكعكة، لا يختلف كثيراً عن الكعكة العادية، كما أخبرنا خالد أبو سعود (20 عاماً، طالب في جامعة أمريكية)، فقد وجد بأنها كانت مخيبة تماماً، ولا ترتقي لجاذبيتها البصرية.

إباحيّة الطعام والعادات الغذائية الصحيّة: معادلة ممكنة

مما لا شك فيه، أن الطعام قد خلق أتباعاً ملتزمين، وأن هناك إمكانية لاستثمار ذلك في دعم عادات غذائية صحية. على الرغم من أن هذا لم يكن هو الحال، مع ارتفاع معدل السمنة: يمكن لأصحاب مدونات الطعام والمشرّعين على حد سواء أن يؤثروا إيجاباً على عادات تناول الطعام.

دراسة Elsevier تعزز هذه الفكرة: "إن متعة مشاهدة الطعام الافتراضي أثناء تناول الطعام تفوق متعة رؤية الطعام الحقيقي الموجود أمام أعيننا". وهذا يعني بشكل أساسي أن عرض صور لأطعمة صحية منخفضة الدهون مثل الخضار قد يقلل من ميول الشباب للبحث عن الكربوهيدرات والسكر، ولعل هذا يفسر زيادة شعبية النظم الغذائية النباتية مع هاشتاغ مثل CleanEating# وMeatlessMonday#.

مع أننا نتلذذ بالطعام عندما نتذوقه، إلا أننا نأكل بداية بأعيننا، الاهتمام بالطعام وانتشار إباحيّة الطعام عبر وسائل الاتصال الاجتماعي غيّر نظرتنا وعلاقتنا بالطعام: فقد خلقت إباحيّة الطعام نوعاً جديداً من الولع نتشارك به جميعاً.

والآن، بعد الأطباق التي سحرت مخيلة عشاق الطعام، ما الجديد الذي سيحدث زوبعة في عالم الإنترنت؟

داني سقّا وياسمين سلام طالبان جامعيان في جامعة جورجتاون مهتمان بالصحافة العربية

التعليقات

المقال التالي