الحرافيش النبلاء المشاكسون... رحلة كوميدية مع ظرفاء القاهرة في القرن العشرين

الحرافيش النبلاء المشاكسون... رحلة كوميدية مع ظرفاء القاهرة في القرن العشرين

الحرفوش النبيل سيد مكاوي، القديس الصعلوك عبدالرحمن الخميسي، أمير المقالب حفني محمود باشا، الولد الشقي محمود السعدني، الشرطي الساخر محمد البابلي.. هؤلاء صعاليك ظرفاء نبلاء كانوا يعيشون في مجتمعاتهم باللَوْذَعِيّة وخفة الظل والثقافة ودماثة الخلق.

حرافيش يَسْخَطُونَ على رتابة الحياة وسقمها بالفكاهة العبثية، والتحايل على تصاريف الأقدار المعكوسة بالسخرية من أنفسهم ومساخر الدُّنيا.

يصعب أن تصلنا روائع إبداعاتهم وسخريتهم لولا أنماط حياتهم المثيرة، وخروجهم عن السَّجِيَّة التي جُبِلَ عليها الإنسان.

أناس رأت أن الجريمة الكبرى في الإنسانية هي "ثقل الدم"، بحسب الناقدة خيرية البشلاوي. نصحبكم في جلسة أدبية ساخرة للتعرف على مباهج هؤلاء البديعة ونرتشف لذائذها بشغف ونهم حتى الثمالة.

المغنواتي

يصنّف سيد مكاوي ضمن جيل الرواد المجددين في الموسيقى العربية. مزجت عذوبة ألحانه الموشاة بالجمل الموسيقية والغنائية ما بين المعاصرة والتراث.

أم كلثوم وسيد مكاوي

نجح مكاوي بطرق عفوية في جذب آذان الصفوة إليه عبر مفردات مكنونة جمعت من البيئة الشعبية الثقافية. وهذا ما جسده في أوبريت "الليلة الكبيرة".

يجلس مكاوي في ركن قصي من مقهى "الحرامية"، الكائن بالسيدة زينب، يرتوي من العبارات البديعة التي يتفوه بها الباعة الجوالون، منشداً في صياغة هارمونية خلابة: منفلوطي يا رمان! حموي يا مشمش! فجل الجزاير يا ورور! شنواني يا قلقاس! مقمعة يا بامية! مجنونة يا طماطم!، بحسب الناقد طارق الشناوي.

بحسب كتاب "أم كلثوم: معجزة الغناء العربي"، ظل شغف  الانتظار يراود الحرفوش النبيل، متطلعاً إلى تأليف وتلحين أغانٍ لـ "أم كلثوم". ولكن أبت عليه كرامته أن يطرح عليها الفكرة، قد تظنه في بداية اللقاء متطفلاً.

يذكر كتاب "الموسيقى العربية في القرن العشرين: محطات ووجوه" أن أم كلثوم صافحت سيد مكاوي يوماً قائلةً له: عاوز أشوفك يا شيخ سيد، رد عليها ضاحكاً: الله، ما أنا قدامك أهو يا ست ثومة، أمال أنا شايفك إزاي.

أقوال جاهزة

شارك غردسألت أم كلثوم سيد مكاوي ذات مرة عن تأخره في إحدى البروفات، فقال لها: أصل أنا كنت سايق العربية وأنتِ عارفة الإشارات، وانهمكت الفرقة الموسيقية في نوبة من الضحك والقهقهة.

شارك غردمقالب حفني باشا لو وضعتها تحت الميكروسكوب لوجدت لها أهدافاً، بعضها سياسي والآخر اجتماعي.

ارتسمت الضحكة على وجه أم كلثوم للنكتة، وقالت: بجد يا شيخ سيد عاوزة يكون ليا من ألحانك نصيب، رد عليها مستطرداً: والله يا ثومة القلوب عند بعضها، أنا كمان مُنًى عيني يكون ليا في جنتك نصيب.

عجز مكاوي عن مطاردة وقتل الناموس عندما كان يصطاف في الإسكندرية. حينها، قرر أن يهاتف رئيس حي المندرة، وأوضح له مداعباً وهو يدندن: مخطرش على بالك يوم تسأل عني وترحمني من الناموس اللي مسهرني! هكذا يوضح لنا "الشناوي".

يقول الناقد إن أم كلثوم سألته ذات مرة عن تأخره في إحدى البروفات، فقال لها: أصل أنا كنت سايق العربية وأنتِ عارفة الإشارات، وانهمكت الفرقة الموسيقية في نوبة من الضحك والقهقهة.

يقول الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون، في تفسير مقومات الكوميديا في كتاب "الضحك" إن الحياة مأساة تراجيدية لمن يشعرون، وملهاة كوميدية لمن يفكرون.

الولد الشقي

مسيرة محمود السعدني الساخرة تداعب مخيلتنا. لا يجاريه أحد في تطويع آيات الظرف وسط المحادثات الجانبية. قدرات فذة على محاكاة الأشخاص بنفس لوازمهم في الأفعال والأحاديث ونبرة الصوت، ولكن عقب مرورها عبر بوابته الساخرة العذبة. حكاء لاذع كتب 40 مسرحية.

محمود السعدني ونجيب محفوظ

قبل أن يودع السعدني جريدة الجمهورية، افتعل مقلباً كان ضحيته أحد زملائه في دار التحرير يدعى عبدالعاطي عبدون، جاء قاصداً رأي السعدني السديد في "قنبلة صحفية" ستهتز لها الأوساط السياسية: إنها حقيقة الثورة المصرية وأسرارها التي تذاع للمرة الأولى.

طلب السعدني منه ألا يذيع هذه الأسرار وأنه يختص بحقوق النشر والتوزيع في كتاب جديد يحكي عن الثورة المصرية. يقول السعدني في كتابه "ملاعيب الولد الشقي": أمسكت بالورقة والقلم لأحرر أغرب وأعجب عقد في تاريخ حركة النشر على الإطلاق.

كان فحوى العقد: دار اتفاق عام 1957 بين كل من دار الهنا والشفا للطباعة والنشر وبين الأستاذ عبدالعاطي عبدون المحرر الصحفي بدار الجمهورية ويخصص له خادم وسكرتير خاص، ومترجم فوري، وسيتم الحصول على مقدمة للكتاب من الرئيس جمال عبدالناصر إذا كانت ظروفه تسمح بذلك.

عقب مرور يومين على ذلك، هاتف محمد محجوب، السعدني في منزله قائلاً: يعني أنت تشعللها نار وتنام في بيتك، كامل الشناوي وضع مذكرة بما حدث مع عبدون على مكتب أمين شاكر وأصدر قرار بوقفه عن العمل لعدم نشر المعلومات السرية عن الثورة في "الجمهورية".

حينما شاهده عبدون في الجريدة عقب ذلك قال له: على العموم أنت بتعمل مقالب، لكن أنا هوريك المقالب شكلها إيه يا سعدني، هاتشوف مين فينا اللي حا يصرخ ويقول آي.

في معتقل الواحات، أطلق كل تنظيم شيوعي اسم حركي: مثل "حدتو" و "طش". عام 1959، جرى اعتقال السعدني بذريعة الميول الاشتراكية ضمن حملة اعتقال الشيوعيين التي أطلق عليها في الأدبيات الشيوعية "التغريبة".

حينها اخترع لنفسه تنظيماً أطلق عليه اسم "زمش"، وتعني الحروف الأولى لعبارة "زي ما أنت شايف"، بحسب كتاب السعدني "الطريق إلى زمش".

داخل معتقل القلعة، كان محمود السعدني يحكي لـ "الصول شاهين" حكايات مبعثرة عن البلاد التي زارها ويتحدث عن نساء عاريات وأجسادهن البيضاء الملساء. حنكة ابتكرها السعدني للحصول على امتيازات زائدة في وقت الراحة وسجائر بطرق غير شرعية.

يقول عباس العقاد في كتاب "يوميات" إن السعدني ونظراءه يملكون "ملكة الفكاهة" التي لا غنى في حبكها عن الذكاء والمزاج، حيث تعد "ملكة الفكاهة" نعمة من نعم الحياة، وعلامة من علامات الارتقاء.

مغامر جسور

نال عبدالرحمن الخميسي لقب "قديس الصعاليك" بين كلمات نثرت في صفحات الكاتب يوسف الشريف في كتاب "القديس الصعلوك". الخميسي شاعر عشقته السجون وعواصم الغربة عن الوطن. اكتشف عشرات الموهوبين، من بينهم: سعاد حسني والأديب الدكتور يوسف إدريس.

ذات ليلة نفدت سجائر الخميسي وكان عليه أن يواصل كتابة سيناريو فيلم "حسن ونعيمة"، فأيقظ فكري الجوهري لشراء سجائر. هبط فكري إلى الشارع، وعقارب الساعة تشارف على الثانية فجراً.

خلال عودته اعترضه شاويش الدورية في قسم عابدين: أنت مين يا ولد؟ فقال فكري بعظمته المألوفة المزيفة: أنت مش عارف أنا مين، أنا سكرتير الفنان والشاعر الكبير عبدالرحمن الخميسي.

نظرات متفحصة يلقيها الشاويش على فكري: بقى معقول جعر زيك، يبقى سكرتير الأستاذ الخميسي؟ ليه مفيش غيرك في الكون؟ شكلك حرامي.

صاح فكري بصوت متهدج: إذا كنت مش مصدقني، أنا ح أنده من هنا على الأستاذ الخميسي يطلع من البلكونة يقولك لك أنا مين.

فوجئ فكري أن الخميسي يقول للشاويش: سكرتيري إيه أنا عمري ما شوفته قبل كده. انفرجت أسارير الشاويش وهو يشد فكري من قفاه قائلاً: أنا نظرتي ما خيبش أبداً يا عرة. وصاح فكري: يا أستاذ عبدالرحمن بلاش هزار وحياة أبوك.

أحب الخميسي الدكتور يوسف إدريس حباً جماً، فهو الذي اكتشف موهبته الأدبية مبكراً وهو طالب بكلية الطب، إلا أن يوسف إدريس يمتعض من هجومه الساخر اللاذع.

لقن الخميسي ممثلة ناشئة كانت تعمل معه في فيلم "عائلات محترمة" كيف تقنع يوسف إدريس عبر مكالمة هاتفية أنها ترغب في عرض محاولاتها الكتابية الواعدة عليه، لأنها أدبية مغمورة، ووالدها أمير عربي يرفض أن تنفس عن مكنوناتها على الملأ.

إن الحياة مأساة تراجيدية لمن يشعرون، وملهاة كوميدية لمن يفكرون

اتفق الطرفان على أن يصبح مكان اللقاء في فندق "ناسيونال"، الكائن آنذاك في شارع سليمان باشا. نجحت الفتاة بمهارة واقتدار أن تلفت نظر يوسف إدريس إلى ضرورة التسلل إلى جناحها الخاص، خشية ما يحمد عقباه لو علم والدها.

دخل يوسف إدريس الفندق، مرتدياً بدلة صيفي شاركسكين بيضاء هفهافة، حاملاً باقة من الورود الحمراء. ولكنه خرج عقب مرور 30 دقيقة بعد أن طرق باب الغرفة رقم 113 التي يقطنها سائح فرنسي مثلي، مشيعاً بلكمات عمال الفندق وهو يصيح: أنا الدكتور يوسف إدريس والله لأوريكم يا كلاب.

المضحكخانة

يحكي محمود السعدني في كتاب "مصر من تاني" عن محمد البابلي أحد أبطال "المضحكخانة الكبرى"، أشهر مقهى حينذاك، في ميدان باب الخلق. يتردد عليها كل ليلة عباقرة التنكيت.

لقبه السعدني أنه "أعظم من قال النكتة على طول الزمان". كان يعمل ضابط شرطة. مهنة تحتاج لمن يمتهنها إلى وقار، ولا تتفق مع من يحب هواية التنكيت. لذلك سرعان ما ترك الشرطة وتفرغ في "المضحكخانة" يصارع أشهر أصحاب النكتة.

كان حسين الترزي أحد مشاهير المقهى. ذات مرة رفع كأسه في وجه البابلي وصاح في نشوة: شوف الخمرة لونها ياقوتي إزاي. فرد عليه البابلي: أيوة النهاردة ياقوتي، وبكرة ياقوتي.

جلس البابلي يوماً بين اثنين من الأفندية يتجادلان حول أيهما أفضل لمصر: عدلي يكن باشا أم سعد زغلول ؟ فسأله أحدهما: وأنت يا بابلي: عدلست ولا سعدست؟ فقال لهم أنا فلست.

ذات ليلة، كان البابلي يحضر حفلاً يغني فيه أغنية "أهل الملاح والسماح"، فين أراضيهم؟ فأجاب البابلي ساخراً: في البنك العقاري، حيث كانت أراضيه مرهونة في البنك.

أمير المقالب

قد لا يعلم كثيرون أن حفني محمود باشا أصبح لاعباً حاذقاً على "حلبة السياسية المصرية" طيلة 50 عاما قبل اندلاع ثورة 23 يوليو 1952.

"الأديب الظريف والناقد الاجتماعي الفيلسوف" لقب ناله حفني باشا وسط طيات صفحات كتاب "يوميات" للأديب عباس العقاد. لم يستطع أحد أن يجاريه في هذا المضمار، حيث كان موهوباً فذاً في تدبير المقالب، يقول العقاد: "مقالب لو وضعتها تحت الميكروسكوب لوجدت لها أهدافاً، بعضها سياسي والآخر اجتماعي".

حفني باشا أشاع في أوساط السياسيين والصحفيين أن الخديوي عباس على أهبة الاستعداد لاقتحام مصر سراً عن طريق الصحراء الغربية على رأس جيش من المرتزقة، الأمر الذي أدى إلى حشد القوات على الحدود لمنعه من دخول مصر واعتقاله حسب توجيهات الملك فؤاد.

بحسب الروايات التاريخية، أصبح حفني محمود باشا إبان عصر الملكية والأحزاب والإقطاع في مجالس السياسيين والمثقفين والظرفاء ريحانة النفوس الصادية لارتشاف مناهل المقالب الساخرة، وبهجة الأرواح الظمأى إلى مداعبات خشنة تضحك النفس البشرية.

يقول عنه صديقه مصطفى أمين في كتاب "شخصيات لا تنسى": "يهرب من الأمراء ويعاشر الصعاليك، يسخر من العظماء ويحتضن الفقراء، شقيق رئيس الوزراء وينتقده، متعته الوحيدة أن يعبث بالرجال الكبار، ويضحك ملء شدقيه وهو يرى ضحاياه نكتة على أفواه الصغار".

لم يحالف حفني النجاح أحياناً في حبك المقالب كما يريد شرود ذهنه. يروي أنيس منصور في كتاب "القلب لا يمتلئ بالذهب" كيف أفلت من فخاخ حفني باشا.

يوم حريق القاهرة، وقف حفني باشا بسيارته وبرفقته أنيس منصور أمام قصر العيني والشرطة تمنع المارة، قائلاً: أنتم تبحثون عن أحمد حسين الذي أحرق القاهرة، هذا هو أحمد حسين أمسكوه فوراً. وأخذ يشده من كُمُّ الجاكتة.

لسوء الحظ لم يتحرك الجنود إثر مشاهدتهم لحفني يهتز في حركته، فظنوه سكران.

يوضح الناقد طارق الشناوي أن الظرفاء في نظر البعض منا خارجون عن التقاليد المتبعة أو بوهيميون يرفضون الانضباط. لكن يمكن أن ننظر إلى المزاح على أنه معالجة فنية مَرحة لقدراتنا المنطقية، حيث يستخدم الذكاء المنطقي الرياضي والاجتماعي لإدارة أفعالهم الكوميدية.

إبراهيم عيد

صحافي مصري حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة القاهرة وعمل في مواقع مصرية مختلفة.

التعليقات

المقال التالي