بيتٌ من المعلّقات يرسم لنا خريطة الخمر في بلاد الشام قبل الإسلام وبعده

بيتٌ من المعلّقات يرسم لنا خريطة الخمر في بلاد الشام قبل الإسلام وبعده

يبتدئ عمرو بن كلثوم معلّقته بالبيت التالي: "أَلا هُبّي بصحْنِك فَاصْبَحِيْنَا/ وَلا تُبْقِي خُمُوْر الأَنْدَرِيْنَا". ولقد شُرحت كلمة "الأندرين" في الأعم الأغلب، بأنّها قرية في بلاد الشام مشهورة بخمورها، وذكرها ياقوت الحموي: (الأندرين اسم قرية في جنوب حلب بينهما مسيرة يوم للراكب في طرف البرية، ليس بعدها عمارة، وهي الآن خراب ليس بها إلّا بقية الجدران، وإياها عنى عمرو بن كلثوم في مطلع معلقته).

الأندرين: مدينة في بلاد الشّام، اشتهرت في زمن بيزنطة، هدمها الزلزال، وكان اسمها القديم "أندرونا". وما سبق ذكره، دفع شرّاح بيت عمرو بن كلثوم، بأن يفسّروا " خُمُوْر الأَنْدَرِيْنَا " نسبة إلى اسم قرية الأندرين المشهورة بخمورها، ولربما قادهم إلى ذلك البيت التالي من ذات القصيدة: "وكأسٍ قد شربت في بعلبك/ وأخرى في دمشق وقاصرينَا".

فالأندرين في ذات المنطقة الجغرافية التي ذُكرت فيها، بعلبك ودمشق، والشّاعر قد عَرِف تلك الخمرة وذاقها، واستطاب طعمها وسكرها، فأراد الوقوف على ذكراها ومقام مكانها من نفسه، كما هي عادة الشعراء في الوقوف على الأطلال. وعندما واجهت الشّراح والنحويون مهمة تفسير كلمة" الأَنْدَرِيْنَا " تعلّلوا! ومما قالوا، نذكر ما أورده صاحب لسان العرب: لما نسب الشّاعر الخمر إلى أهل القرية، اجتمعت ثلاث ياءات، فخفّفها للضرورة، كما قال الراجز: وما علمي بسحر البابلينا.

وقيل أيضاً: الأندر قرية بالشام فيها كروم، فجمعها الأندرين، ولما نسب الشّاعر الخمر لها، أثقلت عليه الثلاث 'ياءات'، فبدلاً من أن يقول: " خمور الأندريّين" خفّف ياء النسبة حذفاً.

نستنج مما سبق أنّ الخمرة التي ذكرها الشّاعر، تُنسب إلى الأندرين، وهي صفتها مثل بقية أسماء الخمرة ونعوتها التي ذكرها كلّ من السيوطي في كتابه:" أسماء الخمر" والفيروزآبادي في كتابه: "الجليس الأنيس في أسماء الخندريس".

لكن نسبة الأندرين اختص بذكرها فقط عمرو بن كلثوم وكأنّها حكرٌ عليه، فلا نجد في شرحها، ما نجده في شرح الأسماء والصفات الأخرى للخمرة، ولم يتبعه في ذكرها، غيره من الشعراء!

هل لأنّ القرية هدمت وزال أثرها، فانقرضت خمرتها؟ أم لأنّ الشعراء المتبعين لزمن الفحول، أشكل عليهم المعنى، فلا يخدم بلاغتهم الشعرية أو أن المعنى الحقيقي غاب عنهم؟

أقوال جاهزة

شارك غردمن لفظة في شطر معلقة عمرو بن كلثوم، نستكشف تاريخاً ثقافياً عن جغرافيا الخمر والخيال الجاهلي

شارك غرد"الأندرون" في لسان العرب: جمع "أندريّ"، وهم "فِتْيان شتّى، يَجتَمِعون للشُّرْب"

من التساؤلين السابقين ومحاولة الإجابة عنهما، سننطلق في بحثنا عن معنى خمرة الأندرين، في قراءة استكشافية خاصة. بداية سنقارب جذر الكلمة في اللغة العربية:

1- أندر: أندر المتحدّث؛ أتى بحديث نادر من قول وحدث - أندر: أندر العظم من محله، أخرجه.

2- ندر: ندر الشيء، خرج من غير بروز- ندرت الثمار، سقطت- ندر الشيء، جربه - ندر الشخص في علم وفضل: برز وتقدّم وقلّ مثيله.

فيما سبق عرضه، نجد تماثل في سياق المعاني بين كلمتي: أندر وندر.

والآن لنرى ما يذكره لسان العرب من معان خاصة:

1- النّدْرة: القطعة من الذهب والفضة توجد في المعدن.

2- الأندر: البيدر، شامية، والجمع الأنادر، قال الشاعر: دقّ الدِّياس عَرَمَ الأنادِرِ وقال كراع: الأندر الكدس من القمح خاصة.

3- الأندرون: فتيان من مواضع شتى يجتمعون للشرب.

4- قال أبو عمرو: الأندري، الحبل الغليظ.

النتيجة المستخلصة شبهة: الخمرة الأندرين، هي الخمرة النادرة والغليظة أي القوية التأثير، فيطلب الشّاعر من السّاقية أن تخرجها من مخابئها، وخاصة أنّهم قد قضوا الليل يشربون وطلع عليهم الصباح، أفلا يستحقّون هذه الخمرة النادرة القوية!

هذا من جهة ومن الجهة الأخرى وفق منحنى المعاني لجذري "أندر- ندر" نستشبه بالمعنى أن يكون بهذا السياق: الخمرة الأندرين، هي تلك الخمرة التي أسقطت من حساب الشّاربين لسوئها ومع ذلك، فهي لها صفات الخمرة الجيدة، وهذا ما تدلّ عليه الأبيات التالية لبيت عمرو بن كلثوم المذكور أعلاه، ومثال على ذلك:(مُشَعْشَعَةً كأنّ الحُصّ فيها/ إذا ما الماء خَالطها سخيْنا).

وهنا لا بدّ من القول، إذا كانت الخمرة تفعل فعلها بالشارب على الشكل التالي: (ترى اللِّحِز الشّحيح إذا أُمِرّت/ عليْه لِمَاله فيْها مُهِيْنا)، فهل بعد هكذا نتيجة، سيعي الشارب إن كانت جيدة أو سيئة؟

بعض اليقين وبعض الشّك

الأندرون: فتيان من مواضع شتّى يجتمعون للشرب، كما ذكر لسان العرب من ضمن المعاني الكثيرة التي أوردها، لكن لدينا من الخليل بن أحمد إشارة مهمّة يجب التوقف عندها ملياً.

فلقد قال: الأندرون (جمع أندريّ) هم فتيّة يجتمعون من مواضع شتّى كي يشربوا، ثم أنشد بيت عمرو بن كلثوم، فلا بدّ أنّه قصد أنّ خمرة الأندرين تخصّ هؤلاء الفتية وتحجز لهم وحدهم فقط، وما طلب عمرو بن كلثوم خمرتهم المسماة بـ"الأندرين" إلّا لأنّه وصحبه لهم صفات الفتيّة الأندريين بالإضافة إلى أن ذكره خمرة "الأندرينا" رفع سوية مطلعه وكأنّ حاله كحال الشعراء في مطالعهم الطللية الذين يشحنون البيت بكل العواطف الآنية والمستذكرة. 

وها هو امرؤ القيس يبتدئ معلّقته: (قِفا نَبك من ذِكرى حبيب ومنزِل...)، ألا يشبه اجتماع هؤلاء الفتية، اجتماع الشاعر وصحبه لنستقرأ هذين البيتين أيضاً:

وما شرّ الثلاثة أمّ عَمْرٍو   بِصَاحِبِكِ الذي تَصْبَحِينا

والبيت الآخر:

إذا صَمَدَتْ حُمَيّاهَا أَرِيباً   مِن الفتْيان خِلْتَ به جُنُونَا

فهل نحن أمام الفتية الأندريين ومن ضمنهم عمرو بن كلثوم الذين يتواعدون على الشرب ويأتون من مناطق مختلفة، وعليه ألا يكون هذا البيت ( وكَأسٍ قد شرِبْت بِبَعْلبك/ وأخْرى في دمشقَ وقَاصرِيْنَا) بيضة القبان في ترجيح اليقين على الشّك ، فيكون ما خصّه من أماكن في البيت الآنف الذكر من المواقع التي تواعدوا على التلاقي والشّرب فيها.

وهنا لا بدّ من ذكر المعنى اليوناني لنفس اللفظة (ἀνδρών)، والتي تشير إلى الجناح المخصص للرجال، وفي نفس الوقت، هو المكان الذي تُعقدُ فيه جلسات الشرب (والسمر) الـ"συμπόσιον" (سيمبوزيون، وهي تستخدم اليوم في عدد من لغات العالم كـ'سيمبوزيوم') والكلمة تعني "اللقاء والشرب معاً".

فهل كان لأثر الحضارة الهلنستية التي ورثتها الحضارة الرومانية، استمرارية في هذا المنحى، في زمن الشاعر عمرو بن كلثوم؟

على تخوم اللغة العربية

في موسوعة العامية السورية، كراسة لغوية نقدية في التفصيح والتأصيل والمولد والدخيل، (الصادرة عن وزارة الثقافة السورية)، يقول ياسين عبد الرحيم في معاني "أندر-ندر": أندر: البيدر بلغة أهل الشام، وهو المكان الذي تجمع فيه الغلال لدرسها وتنقيتها وأندر من السريانية.

وفي اللغة أندر تعني الأقل حدوثاً، وجاء في المرجع أيضاً: أندر البيدر، كَدْس القمح، وتعني الأرض التي تُدرس عليها الحبوب بالنورج أو بالدّق أو بأرجل الدواب وهو دخيل من السريانية.

نِدْر: نذر، في اللفظ السرياني، وفي الأوغارتية (ندر: نذر (قاموس الأوغارتية: 1618) وفي اللهجة العامية مطابق للهجة الأكادية نَدَرو)، ومنه المثل "كلّ شبر بندر". الصورة: "نِذْرا"، في اللفظ السرياني، وتقابلها في الأوغارتية "ندر" (قاموس الأوغارتية: 1618) وفي اللهجة العامية، اللفظة مطابقة للهجة الأكادية "نَدَرو"، ومنها المثل "كلّ شبر بندر".

في المعجم اليمني الصادر عن دار فكر - دمشق لعام 1996- في اللغة والتراث - حول مفردات خاصة من اللهجات اليمنية لصاحبه الباحث، مطهر على الأرياني، نجد مادة "ندر": ندر المسمار الباب أو الجدار، يندره، فهو نادر إلى الجانب الأخر.

وَلا تُبْقِي خُمُوْر "النّاذِريْنَا"؟

نود أن نطرح فرضية: هل الكلمة "تصحيفٌ" ارتكبه النسّاخ؟

لن يخدمنا ما ذكرناه آنفاً، دون أن نرى في كلمة " الأندرين" تصحيفاً ارتكبه النسَّاخ ويدعمنا في ذلك الشّبهة التي تحوم حول معاني "أندر وندر"، على الرغم من الترابط بينهما بشكل غير مباشر بينها.

فلو فرضنا أن الكلمة هي "الناذرين" فيصبح العجز: "وَلا تُبْقِي خُمُوْر النّاذِريْنَا" وللحقيقة الصورة تصبح أجمل وأكثر مجوناً وإبداعاً، ففيها تعدٍّ على المقدس حتى لو كان خمراً وهذا يفتح لنا كوة لنفهم عقلية الناسخ الذي استبعد كلمة "الناذرين" لخصوصيتها الطقسية المتوارثة من قبل ظهور الديانات السماوية.

فمرّة كان الخمر مقدساً، كما في الديانة المسيحية، ومرّة أخرى محرّماً مذموماً كما في بعض فترات العصور الإسلامية، وأمام هذا التجاذب وإشكاليته بين يدي الشارح للتراث الجاهلي، يصبح الظنّ باستبدل كلمة "الناذرين" بـ"الأندرين" وارداً جداً وخاصة أنّ بلاد الشام ومدنها وقعت ضمن الفتح الإسلامي وهذا يعني إعادة كتابة التاريخ ليتوافق مع نهج السلطة الجديدة وقد حدث دوماً هذا الأمر.

خاتمة وبداية جديدة

لاريب أنّ الشاعر الفحل عمرو بن كلثوم بانتقائه كلمة "الأندرين"؛ سواء كان قاصداً أم غير قاصد للمعاني الكلاسيكية، أو للذي نظنّه من معانٍ مضمرة فيها وفق البحث الذي أجريناه، قد جعل من آفاق البيت الشعري تنفتح على سماوات عديدة، تبدأ بـ"أَلا هُبّي بصحْنِك فَاصْبَحِيْنَا".

التعليقات

المقال التالي