صعود "الوجودية العربية" واندثارها: ملف يستعيده مؤرّخ إسرائيلي وله أن يُستَكمَل

صعود "الوجودية العربية" واندثارها: ملف يستعيده مؤرّخ إسرائيلي وله أن يُستَكمَل

يأتي الكتاب الصادر حديثاً بالإنكليزية للمؤرخ يوآف دي كابوا، الأستاذ في جامعة تكساس بأوستن، ليفتح ملفاً شيّقاً وشائكاً علقت معظم مواده في طيّات النسيان، هو ملف "الوجودية العربية". يعكف دو كابوا على إنشاء سرد بإيقاع سينمائيّ لهذه الموجة المتنوّعة المشارب والآفاق، التي صعدت بقوة، وانتابت الفكر والأدب والشعر بين نهايات الأربعينيات ومنتصف الستينيات، متأثّرة خصوصاً بأعمال الفيلسوف والأديب الفرنسي جان بول سارتر المنقولة إلى اللغة العربية، وكذلك أعمال رفيقة دربه سيمون دو بوفوار ومجايله ألبير كامو. يغلب عليه التعامل مع موجة "الوجودية العربية" كظاهرة أدبية فكرية ذات قدر عال من التسييس، لمع نجمها ما بين نهاية العصر الكولونيالي الأوروبي في البلدان العربية، المتزامنة في نفس الوقت مع "النكبة" الفلسطينية وهزيمة العرب في حرب 1948، وبين "النكسة" أو الهزيمة العربية الكبرى في حرب الأيام الستة بحزيران 1967.

محوريّة عبد الرحمن بدوي المنسية

دي كابوا

يربط دي كابوا بزوغ نجم "الوجودية العربية" بما قدّمته فلسفة سارتر من مزاوجة بين وجود الإنسان وحرّيته، وبين حرّية الذات المفردة المطلقة والالتزام الواضح بقضايا المضطهدين، رغم أنّ القسم الأدبي من أعمال سارتر هو الذي استأثر بالاهتمام العربي، إذ كانت مسرحياته ورواياته تترجم أولاً بأوّل ويقبل عليها الجيل بكثافة في مكتبات بيروت ودمشق وبغداد والقاهرة، على حساب القسم الفلسفي البحت من هذه الأعمال، وخصوصاً مؤلّف سارتر الأساسي "الوجود والعدم" الذي تأخّرت أول ترجمة له بالعربية عشرين عاماً عن لحظة صدوره. لا يغفل دي كابوا مع ذلك، أنّ لحظة ولادة الوجودية العربية كانت فلسفية بإمتياز، في ذلك اليوم من عام 1944 الذي رافع فيه الفيلسوف المصري الشاب عبد الرحمن بدوي عن أطروحته لنيل الدكتوراه "الزمان الوجودي"، المتأثرة بفلسفة الكينونة عند مارتن هايديغر وخصوصاً كتابه "الوجود والزمن"، وتحوّل الأمر إلى تظاهرة ثقافية قاهرية بكل معنى الكلمة آنذاك، لكن دي كابوا لا يأخذ على نفسه عناء الغوص في "الزمان الوجودي" لعبد الرحمن بدوي ومؤلّفاته الفلسفية الأخرى ذات الصلة بموضوع الوجودية، ويكتفي بتكرار الحديث عن قيام بدوي، بتأثير من أستاذه الشيخ مصطفى عبد الرازق، بالوصل المبهم بين الوجودية الغربية وبين تراث التصوّف الإسلامي، وربمّا كانت هذه واحدة من أهم نواقص كتاب دي كابوا، حيث مال إلى الربط العشوائي بين "الوجودية" في الفلسفة العربية الحديثة وبين "الوجودية" في الأدب والصحافة الثقافية. في أطروحة "الزمان الوجودي" لبدوي، نجده يستحضر القديسة تيريزا الأفيلية "لوحدي مع الله لوحده"، ليس أقل من إحالاته للفلسفة الإسلامية، وعام 1945 سيصدر بدوي "من تاريخ الإلحاد في الإسلام" يطرح فيه تفريقاً بين الإلحاد الغربي، المثبت على إنكار الألوهة، وبين الإلحاد الإسلامي، المتمركز على إنكار الوسيط النبوي بين الألوهة والإنسان.

الإنسان الكامل ومعاداة الشيوعية

أما الربط بالمتصوفة فينتظر حتى "الإنسانية والوجودية في الفكر العربي" وهي محاضرات ألقاها بدوي في بيروت عام 1947، وشبك فيها كيركيغارد وهيديغر مع ابن عربي وخلص إلى أنه "اذا كان النقاد المعاصرون يعدون من أكبر الجرأة عند سارتر ان يقول "الانسان يتحقق انساناً كيما يكون الله" فإن هؤلاء المفكرين العرب قد جاوزوا لهذا الموقف ولسان حالهم الانسان يتحقق الهاً كيما يكون الانسان".

أعمال عبد الرحمن بدوي الفلسفية في الأربعينيات تستحق تعمّقاً داخلياً فيها، وليس فقط ربطها بالموجة. انتقد بدوي في أطروحته نظرة كل من برغسون وهيديغر إلى العدم، وأسس لنظرة لا يمكن اختزالها إلى نظرة هيديغر. اعتبر بدوي أن "الانسان وتر مشدود على الهاوية الفاصلة بين لا نهايتين، الوجود المطلق والعدم المطلق، ولذا كان وجوده نسيجاً من كل النقيضين، على تفاوت في نصيب كليهما منه وفقا للحظات الزمانية بكل ما تنطوي عليه من امكانيات تترجح بين المد والجزر في تيار المصير المتوثب للروح." فإذا كان غاية الموجود أن يجد نفسه وسط الوجود، فالعدم عنصر جوهري مكون للوجود، بل العدم والوجود يكونان معاً نسيج الواقع، وليس منهما من يسبق الآخر زماناً أو رتبة أو علية، ولولا الزمن لما اتحد العدم بالوجود.

سعى بدوي مطولاً إلى المراوغة على الصعيد الفلسفي، بين أثر الوجودية المؤمنة وبين الوجودية الإلحادية، إلى أن ظهرت النزعة الدينية المحافظة أكثر فأكثر كلما تقدّم به العمر، لكن عداء بدوي المستحكم للماركسية والشيوعية لم يفتر منذ البداية، هو الذي أقام سجاله باكراً ضد "العقل التائه في بيداء الديالكتيك الأجوف"، وإذا ما عدنا لمذكراته نجده يعتبر الشيوعيين "القرمزيين" كما يسميهم وراء تأليب النظام عليه، متأسفاً من كون معظمهم كانوا تلامذة لديه "تحملت في سبيلهم المتاعب"، إلى أن حمل على المغادرة إلى باريس عام 1967.

أقوال جاهزة

شارك غرديربط دي كابوا بزوغ نجم "الوجودية العربية" بما قدّمته فلسفة سارتر من مزاوجة بين وجود الإنسان وحرّيته، وبين حرّية الذات المفردة المطلقة والالتزام الواضح بقضايا المضطهدين

شارك غرديرصد دي كابوا كيف أن جيلاً من المثقفين الباحثين عن ظهور "الإنسان العربي الجديد" المتصالح مع نفسه والمنتمي إلى عصره والمعتدّ في حريّته طفق يجد في الوجودية الفرنسية خصوصاً إشباعه الثقافيّ، فيحاكيها ويعقد عليها انتظاراته وآماله

مثلما يهمل دي كابوا "المعمل الفلسفي" للوجودية العربية، فإنّه يميل إلى التقليل من مدى ارتباط الموجة الوجودية بالحاجة التي تملكت بعض النخبة لإيجاد بديل عن الماركسية في البلدان العربية، أو يختزل الأمر في إطار المساجل حول "الأدب لمن" بين أدباء نهاية المرحلة الليبرالية (طه حسين) المتحفظين على تسييس الأدب، وبين الماركسيين المتوثبين لأدلجة الأدب، وبين الوجوديين الباحثين عن طريق يشتقونها في البَين بَين، بالالتزام الأدبي بالحرية.

سارتر والمراوغة حول القضية الفلسطينية

يرصد دي كابوا كيف أن جيلاً من المثقفين الباحثين عن ظهور "الإنسان العربي الجديد" المتصالح مع نفسه والمنتمي إلى عصره والمعتدّ في حريّته طفق يجد في الوجودية الفرنسية خصوصاً إشباعه الثقافيّ، فيحاكيها ويعقد عليها انتظاراته وآماله، متحمسّاً لظاهرة سارتر ليس فقط من خلال نصوصه، بل من خلال مواقفه المشهودة إلى جانب الجزائر والكونغو وفيتنام ضد الاستعمار، ورفضه تسلّم جائزة نوبل للآداب، وكيف خُذلَ هذا الجيل في نفس الوقت من موقف سارتر بخصوص القضية الفلسطينية والصراع العربي الفلسطيني. يسرف دي كابوا، وهو مؤرّخ إسرائيلي من أب إيطالي وأم يمنية، عُرِف برفضه الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة عام 1967، و"نفى نفسه" إلى حد ما إلى الأكاديميا الأميركية، في الوصف الدرامي للعلاقة بين المثقفين العرب وبين سارتر، إلا أن كتابه الجديد هذا مفصليّ، بما يظهره من كون سارتر شاغل النخب العربية طيلة عقدين، في مقابل هامشية الاهتمام به وبأعماله إسرائيلياً، وكيف انحاز مع هذا سارتر إلى الجانب الإسرائيلي، بشكل موارب ما لبث أن أضحى نافراً عشية حرب 1967 بالتحديد. يأتي هذا، بعد أن تمكّن سارتر لسنوات طويلة من المراوغة الطويلة بخصوص موقفه من اسرائيل، بخلاف كل رصيده من "الالتزام" ضد الاستعمار، وخصوصاً موقفه الداعم للجزائريين ضد استعمار بلاده لبلادهم. فضّل سارتر الالتباس على الالتزام عندما تعلّق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي، حتى إذا أقفل جمال عبد الناصر مضيق تيران للملاحة الإسرائيلية عام 1967، هرع سارتر مجدّداً إلى دائرة الالتزام، إنّما بأمن إسرائيل ودوافعها الحربية التوسعية، فكانت صدمة النخبة العربية "السارترية" به، وصدمتها بنفسها كونها أرتضته أيقونة لها، وضميراً للعالم كما رسمته في نفسها، وسبق لها أن ارتضت منه بالقليل القليل عندما يتعلّق الأمر بموقفه من العرب، وخصوصاً عندما زار مصر في آذار 1967 وأشاد بالتحولات التقدمية بقيادة جمال عبد الناصر وزار من بعد ذلك إسرائيل، إلى أن راع هذه النخبة بعد ذلك بشهور قليلة، مشهد انحيازه إلى اسرائيل في حربها، وما عاد يمكنها غير ردّ بضاعته حين عاد إليها سارتر بالمراوغة والإزدواجية مجدّداً بعد الحرب، فما عاد بمستطاع "الوجودية العربية" أن تكون على ما كانت عليه. صارت في حرب الأيّام الستّة عدماً، وتحوّل "ما بعد سارتر" من عنوان مقالة لإبراهيم عامر في مجلة "الهلال" عام 1968، إلى عنوان لنهاية مرحلة.

الأدب الوجودي العربي .. وحدود قراءة دي كابوا

يكرّر دي كابوا في غير موضع أنّ السوق العربي للوجودية السارترية، كان يأتي في المرتبة الثانية بعد ما كان لهذه الموجة من شأو وباع في عقر دارها الباريسي، ويسلّط الضوء على أنماط محاكاة الظاهرة السارترية، وخصوصاً في التجربة الريادية لـ"مجلة الآداب" التي أصدرها سهيل ادريس متأثراً بتجربة مجلة "الأزمنة الحديث" التي كان يشرفها عليها سارتر، كما يلاحق المؤرخ الإسرائيلي المعارك والمناوشات الأدبية والأيديولوجية في تلك المرحلة حول "الأدب لمن" ومغزى الالتزام، والصراع بين الوجودية والماركسية، والتكامل بين الوجودية والقومية العربية، الناصرية منها والبعثية، والتداخل بين الوجودية والسريالية في شعر العراقي حسين مردان، وبين الوجودية والرواية النسوية في أعمال ليلى بعلبكي. غير أنّ المؤرّخ كثيراً ما يتعسّف في تقدير وجودية فلان. فالشاعر العراقي مردان الذي اشتهر بأنّه أهدى ديوان "قصائد عارية" إلى نفسه، بهذا الشكل، "ألمارد الجبار والثائر والمفكر الحرّ حسين مردان"، من المبالغة تصنيفه كوجوديّ، خاصة وأنّ صيته هذا اكتسبه من صورة فوتوغرافية جمعته بجان بول سارتر في مؤتمر أدبي بموسكو، فاعتبر بعدها، ما بين التباهي والتهتك أن "الناس في بلادي لا يستطيعون مشاهدة القمم"! في المقابل، لا يفوت دي كابوا الإشارة إلى الأديب التونسي الكبير محمود المسعدي كـ"وزير وجودي"، وهو ما يصحّ إذا ما نظرنا إلى رائعته "حدث أبو هريرة قال"، المكتوبة أواخر الثلاثينيات، حيث تتبدّى فيها الذات المفردة الحرة وهي تنتج قيمها وتعيش قلقها تباعاً، لكن المسعودي كان يحاكي قصة حي ابن يقظان عند ابن سينا وابن طفيل، وما استوعبه من فلسفة نيتشه، أكثر منه استحضاراً للوجودية الأوروبية المعاصرة له، كما أن ثنائي الذكر والأنثى، "أبو هريرة" و"ريحانة" في عمل المسعدي يظهر فيها الرجل كمتطلع أبدي للمجرّد والمستقبل، والمرأة كمتمسّكة دائماً بالملموس والحاضر، ما يبعدنا عن الثنائي الذي قدّمه جان بول سارتر ورفيقة دربه سيمون دو بوفوار.

أما سهيل ادريس فيهمل دو كابوا الجدل النقدّي العربي الجديّ حول إذا كانت ثلاثيته "الحي اللاتيني – الخندق الغميق – أصابعنا التي تحترق" تنتمي تماماً إلى الصنف الوجودي، ويعتبر وجوديته من حيث الصنعة الروائية تحصيلاً حاصلاً يتبع موقفه المتحمس لأفكار سارتر وأدبه. وكان ادريس وظّف مفهوم سارتر عن الحرية المطلقة الملتزمة لإظهار نموذجه المشتهى للمثقف المتلزم قومياً غير المنتمي حزبياً، كحال "سامي" في "أصابعنا التي تحترق"، في حين وظّف السوري مطاع الصفدي نفس المفهوم لتجسيد المناضل البعثي، جاعلاً من القلق الوجودي قلقاً بين التزام هذا المناضل تحرير نفسه والتزامه تحرير الأمة، "إن الثورة – يقول الصفدي من خلال إحدى رواياته – معناها أن الفرد بدأ يمتلك ذاته، وعندما تولد الحرية في روحه لا تكون حياته بعد ذلك إلا قلقاً متزايداً من أجل الإحتفاظ بهذه الحرية".

سارتر في مصر وإسرائيل

يذكّرنا المؤرّخ الإسرائيلي بأنّ "تأملات في المسألة اليهودية" لسارتر لم تجر ترجمتها إلى اللغة العربية في تلك المرحلة، هذا على الرغم من إشادة سهيل ادريس بهذا الكرّاس في رسالة له إلى سارتر ورد فيها "لقد دافعت فيه عن اليهودي ضد الظلم الذي كان ضحيته بصفته كائناً بشرياً، ودافعتم عنه كإنسان مضطهد، ولكنكم لم تدعوا إلى خلق دولة غاصبة".

كما يرجّح دي كابوا أن يكون سهيل ادريس تمثّل ثنائي سارتر ودو بوفوار بالثنائي الأدبي الذي جمعه مع زوجته عايدة مطرجي، المترجمة الأساسية لأعمال سارتر ودو بوفوار وكامو في ذلك الوقت، ويلاحظ أن ادريس عمد مثلاً إلى حذف الصفحات من ترجمة كتاب دو بوفوار "قوة الأشياء" التي تسرد فيها رفيقة سارتر علاقتها الغرامية الموازية مع محرّر "الأزمنة الحديثة" (وصانع الأفلام بعد ذلك، وقد توفي قبل أيام قليلة) كلود لانزمان، المعروف بصهيونيته، والذي حمله ادريس بعد ذلك مسؤولية تشويه موقف سارتر من القضية الفلسطينية، وكان دور لانزمان بالفعل حاسماً كضابط تنسيق بين سارتر والجهات الإسرائيلية، ولاستحصال موقف واضح من سارتر داعم لإسرائيل عشية حرب 1967، مثلما كانت مرافقة لانزمان للثنائي سارتر ودو بوفوار من شروط زيارتهما للقاهرة، الأمر الذي قبله الجانب المصري خشية أن يتهم بمعاداة السامية. لكم تبدو نافرة اليوم الصورة الفوتوغرافية التي تجمع جمال عبد الناصر بالثلاثي سارتر ودو بوفوار ولانزمان، قبل أشهر قليلة من الانحياز النافر لهم إلى جانب إسرائيل في الحرب.

الإنحياز لإسرائيل رغم سلبيتها تجاهه

ولعل أفضل فصول كتاب دي كابوا ما خصصه لزيارتي سارتر إلى مصر وإسرائيل عام 1967. ربطت شيخ الوجودية الفرنسية صداقة بالصحافي المصري علي السمان المقيم بباريس. حاول السمان تحسين موقف سارتر من عبد الناصر، وتنبه إلى أن ابنة سارتر بالتبني، اليهودية الجزائرية ارليت القيم، لها تأثير عليه في الإتجاه المعاكس. عام 1965 سيطرح سارتر على السمان فكرته عن عدد خاص من مجلته "الأزمنة الحديثة" تتناول الصراع العربي الإسرائيلي، بمشاركة أقلام عربية وإسرائيلية، ويزور فيها سارتر مصر واسرائيل قبيل صدور العدد الأمر الذي تأخر لعامين ينقب دي كابوا بعناية ماهرة عن كل ما تخللهما. نقل السمان الفكرة إلى القيادة المصرية فاستحسنتها، وتقرّر أن تتم الدعوة الرسمية من مجلة الطليعة التي تصدر عن دار الأهرام التي يرأس تحريرها لطفي الخولي. الصعوبة كانت أكبر من الجانب الإسرائيلي، المرتاب من مواقف سارتر بوصفه "الأب الروحي للإنتلجنسيا العربية". المقابل الإسرائيلي للسمّان كان سيمحا فلابان، ممثل حزب "المابام" (العمال الموحد، يسار اليسار الصهيوني) في باريس، وكانت مهمته العملية تنسيق دعوات للمثقفين لزيارة الكيبتوزات (القرى التعاونية اليهودية)، مثل التنسيق لزيارة الفيلسوف بول ريكور. صعب على فلابان إقناع قيادته بجدوى مشروع سارتر، وتطلب الأمر أن يسافر كلود لانزمان بنفسه إلى إسرائيل لترتيب الأمور، وإقناعهم بأن سارتر في الجوهر معهم. بالتوازي جرى ترتيب مقابلتين لسارتر، واحدة مع الأهرام، انتزع فيها السمّان جملة من قبيل "أنا الى جانب مصر منذ 1956" وتأييداً لموقف مصر في اليمن، وواحدة مع "الهامشمار" اعتبر فيها ان "لا أمان لمسيحي طالما ان يهودياً واحداً ما زال في خطر". ويفيدنا دي كابوا بأن سارتر اشترط مسبقاً على السمّان أن لا يحرج بالأسئلة حول اسرائيل، مثلما أن صديقته دو بوفوار اعترضت سيمحا فلابان على درج بيته، لتطلب منه مراعاة سارتر وسياسة الالتباس التي ينتهجها. يقارن دي كابوا بذكاء بين رياء سارتر هذا وبين نبل الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، الذي كان واضح الميل إلى الجهة الصهيونية في البدء، ثم بدّل رأيه بعد نقاش مستفيض مع لطفي الخولي، لنجده متقدماً صفوف الإدانة لعدوان 1967، في مقابل سارتر إلى جانب المعتدين، بعد أشهر قليلة من زيارة القاهرة، ومحاضرته في جامعتها عن المجتمع الثوري، واجتماعه بعبد الناصر، وامساكه بذراعي توفيق الحكيم، وأحاديثه مع محمود أمين العالم، ورفضه في نفس الوقت أن يتسلّم علماً فلسطينياً من طفل أثناء زيارته إلى غزّة.

وسام سعادة

كاتب وصحافي لبناني. درس العلوم السياسية والفلسفة. حائز دبلوم الدراسات المعمّقة في العلوم السياسية، اختصاص الفكر السياسي.

كلمات مفتاحية
اسرائيل فلسطسن

التعليقات

المقال التالي