الحبّ يشغل المراهقين... فما هو مفهومه عندهم؟

الحبّ يشغل المراهقين... فما هو مفهومه عندهم؟

تعدّدت تفسيرات مفهوم الحبّ على مدى العصور.

واللافت أنّ الفلاسفة والباحثين وضعوا له أكثر من تعريف؛ فقال البعض إنّه ميل القلب أو النّفس إلى أمر مُلذّ، واعتبر البعض الآخر أنّه كيمياء متبادلة بين اثنين، كما أشار عدد من العلماء إلى أنّه الشّهوة والرّغبة.

وإذا كان بعض المفكّرين قد ربطوا الحبّ بإشباع الرغبات الجنسيّة، فإنّ البعض الآخر اعتبره خانة عاطفيّة مستقلّة، ولذا تمّ التفريق بين الحبّ الشّهوانيّ والحبّ العذريّ، أو الأفلاطونيّ.

فالحبّ الشهواني غايته نفع المُحبّ لذاته وإرضاء رغباته، أمّا الحبّ العذريّ فهو حبٌّ مجرّد من الشّهوة والمنفعة. وأيّاً تكن تفسيرات الحبّ، فإنّه تجربةٌ يمرّ بها الإنسان صغيراً كان أم كبيراً، فكيف ينظر اليه المراهقون ؟

نظرة المراهق إلى الحبّ

في دراسة أجريناها على 100 مراهق ومراهقة تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاماً، تبيّن أنّ من هم دون سن 16عاماً، أي في مرحلة المراهقة المتوسطة يميلون إلى التفكير بالحبّ الرومانسي، ويتوقون إلى اختبار هذه المشاعر.

كما أظهرت النتائج أنّ نسبة الذكور الذين وقعوا في مشاعر الحبّ أكثر من نسبة الإناث (53% مقابل 47%)، علماً أنّ 72% من أفراد العيّنة يعتقدون بأنّهم يعيشون حالة حبّ.

لماذا نقول يعتقدون؟ لأنّه في هذه المرحلة لا يستطيع المراهق أن يميّز بين الحبّ والإعجاب، فيتخيّل أنّ أيّ مشاعر تنتابه تجاه شخص ما، هي مشاعر من الحبّ، ويترافق هذا الشعور مع خيال واسع، وهذا ما بيّنته دراسة أجراها الباحث الأميركي في علم النفس سايمن روبن حول "تطور المشاعر عند المراهقين".

هل يعبّر المراهق عن حبّه؟

ومن الأرقام التي تعكس عادة الخجل والتردّد الذي يرافق مرحلة المراهقة، هي أنّ 60% من أفراد عيّنة بحثنا لا يعبّرون عن مشاعرهم بالكلام، بل تظهر علامات الحبّ بشكل واضح في عيونهم عندما ينظرون إلى من يحبّون، كما يبدون اهتماماً زائداً تجاهه.

ومن الأسباب التي تمنع الكثير من المراهقين من إعلان حبّهم هو تخوّفهم من أن يكون حبّاً من طرف واحد، وألّا يبادلهم الشخص الذي يحبّونه نفس المشاعر. وقد بيّنت الدراسة أنّ 56% من المراهقين يخشون هذا الأمر.

إنّ الحبّ من جانب واحد يُعتبر من المشاكل الشائعة جداً بين صفوف المراهقين، وقد تكون هذه الظاهرة ناجمة عن الانجذاب الجسدي غير الفكري تجاه الشخص الآخر. ومن الأسباب المنطقيّة لذلك أيضاً الاضطرابات التي تطبع مرحلة المراهقة وأزمة تحديد الشخصيّة، إذ يتعرّض المراهق إلى صراعات متعدّدة، داخليّة وخارجيّة، تجعله غير قادر على الالتزام بشخص معين، فيهرب ممن يحبّه ويلاحقه.

وإذا كان أكثر من نصف أفراد العيّنة لا يبوحون بحبّهم تجاه من يحبّون، فإنّ 41% منهم فقط يخجلون من التحدّث عن مشاعرهم مع أفراد أسرهم. وهذا رقم مشجع يعكس ما تناولته بعض الدراسات الحديثة من أنّ الوالدين في مجتمعاتنا العربيّة باتا أكثر تفهّماً لأولادهما بسبب زيادة نسبة تعلّمهما واطّلاعهما.

إنّ تفهّم الأهل قلّل خوف المراهق من ردّات فعلهم حيال المواضيع التي قد يناقشها معهم ومنها موضوع الحبّ. فلم يعد الأهل ينظرون إلى هذا الأمر على أنّه شيء محرّم أو سبب لضياع ولدهم وانشغاله عن دراسته.

إنّ وعي الأهل لحساسية هذه المرحلة يجعلهم يحترمون مشاعر المراهق واحتياجاته النفسيّة والعاطفيّة ويحترمون خصوصياته.

أقوال جاهزة

شارك غردأكثر من 50% من المراهقين يصارحون أهلهم بمشاعر الحبّ، وهو رقم مشجع يعكس زيادة نسبة التعلم والاطلاع لدى الأهل

شارك غرد76% من المراهقين يرون أنّه ليس من الضرورة أن يترافق الحبّ مع ممارسة الجنس، فيما 24% يقولون بأنّ الحبّ من دون علاقة جنسيّة لا قيمة له

الحبّ .. والجنس

لقد أعطت الدراسة التي قمنا بها فكرة عن نظرة المراهقين إلى الحبّ: فـ76% منهم يرون أنّه ليس من الضرورة أن يترافق مع ممارسة الجنس، فيما 24% يقولون بأنّ الحبّ من دون علاقة جنسيّة لا قيمة له. واللّافت أن هذه النسبة الأخيرة هي 100% من الذكور أي أنّ من يرى أنّ الجنس ضروري في أيّة علاقة بين اثنين هم الذكور. وقد تراوحت أعمارهم بين 17 و18 عاماً.

"من الطبيعي أن يفكّر المراهق بالجنس"، هذا ما أشار إليه باحثون في جامعة ميشيغان الأميركيّة، فقد بيّنت دراسة قاموا بها أنّ المراهقين يتعلّمون الوقوع في الحبّ عندما تتطوّر خلايا محدّدة في أدمغتهم خلال فترة البلوغ، مما يساعدهم على المغازلة وإيجاد الحبيب.

بدورها قالت الباحثة البرازيليّة ماغي همر المختصّة في الشؤون الاجتماعية والأسَريّة إنّ مفهوم الحبّ عند المراهقين يعني بشكل رئيسي الرغبة في ممارسة الجنس، فإذا رغب مراهق في المعاشرة الجنسيّة، فإنّه يعتقد أنّه وقع في حبّ الشخص الذي أثار اهتمامه وإعجابه، مع فارق أنّ الأنثى لا تفكّر في الجنس أولاً، وهو يأتي في المقام الثاني بعد المشاعر الرومانسيّة.

هل يستمر حبّ المراهقة؟

إنّ مشاعر الحبّ تأخذ المراهق إلى الاستفاضة بأحلامه وتمنياته، فيبدأ بالتخطيط لمشاريعه المستقبليّة، ولا يرى أيّ مشروع ينوي القيام به من دون أن يكون الحبيب شريكاً فيه. إنّ هذه الحالات الصادقة والعفويّة التي يتميّز بها المراهق وردت لدى 47% من أفراد عيّنة البحث، حيث يظنّون بأنّ حبّهم سيستمر إلى مرحلة ما بعد المراهقة.

غير أنّ الباحث كارل بيكارد وفي كتابه "المراهقة والوقوع في الحبّ" وبعد سلسلة دراسات أجراها على مراهقين وشباب تخطّوا مرحلة المراهقة وجد أنّ معظم العلاقات العاطفيّة التي يعيشها المراهق في المرحلة الثانوية لا يمكنها البقاء على قيد الحياة؛ فغالبيتهم يقطعون هذه العلاقة أو ينهونها بعد تخرّجهم من المدرسة. 

ويساهم في هذا الأمر تنوع اختصاصاتهم الدراسيّة، ولجوؤهم إلى جامعات مختلفة، وانخراطهم في مجتمعات أوسع، ومصادفتهم لفرص وتحدّيات جديدة.

ويرى بيكارد أنّ فكّ الارتباط العاطفي بعد المدرسة أمر سهل على طرفي العلاقة لأنّ كلّ واحد منهما سيكون منشغلاً بنمط حياته الجديدة بعكس ما قد ينتج عن إنهاء العلاقة في المدرسة الثانويّة، إذ يكون هذا الواقع مؤلماً بشكل خاص بالنسبة للشخص الذي يتعرض للرفض أو الخيانة أو الانكسار.

وهنا لا بدّ لنا من الإشارة إلى أنّ الجنسين يتعرّضان للمشاكل العاطفيّة الشائعة في فترة المراهقة ومنها الولع الشديد، والحب من جانب واحد، والغيرة غير المبرّرة الناجمة عن خيال خصب.

تفهم حبّ المراهقين يحميهم

من الطبيعي أن يعيش المراهق مشاعر مرهفة وأحلاماً وعواطف متأجّجة. فالمشاعر الوجدانيّة عنده فطريّة وساميّة، لكنّها تحتاج إلى توجيه حتى تتوافق مع القيم والمبادئ، وإّلا قد تتسبّب بضغط نفسي وأزمات.

ولذا يحتاج المراهق إلى مساندة أهله ودعمهم، وهذا ممكن إذا قاموا باحترام مشاعره وتقبّلها، والاستماع إلى مشاكله واحتوائها، وتفهّم دوافعه واحتياجاته النفسيّة والعاطفيّة، والتسامح والتغاضي في بعض الأحيان عن الأشياء البسيطة التي ليس منها ضرر، واحترام خصوصياته.

ومن هنا فإنّ علاقة الصداقة بين الأهل والأبناء ضروريّة، فإن لم يجدها المراهق مع أفراد أسرته يبحث عنها فى الخارج، وقد يقع فريسة لقصص حبّ وهميّة وبالتالي يجنح في سلوكه.

غادة عزام

غادة عزام رئيسة تحرير في تلفزيون المستقبل. تحمل بكالوريوس في الإعلام والاتصالات من الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، وشهادة ماجستير في التربية من جامعة القدّيس يوسف في بيروت. حاصلة على شهادة تقدير في اليوم العالمي للمرأة، وجائرة "المرأة تصنع الأخبار" من منظمة اليونسكو

التعليقات

المقال التالي