في تونس، عودة الحكواتي والحكواتية إلى الحياة

في تونس، عودة الحكواتي والحكواتية إلى الحياة

حكايات تخرج من صناديق الأجداد تضيء الساحة الثقافية وتحتل خشبات المسرح في أكبر التظاهرات داخل تونس وخارجها...

في استفاقة ملفتة للانتباه عادت من جديد لتصنع لها نجوما وجمهورا وتسلّط المجهر على فنّ قديم سجّل عودته إلى الحياة بقوّة: إنّه فنّ الخرافة والحكاية الذي ضخ الاكسيجين من جديد في التراث الشفوي العربي وبالخصوص التونسي.

تتعدد التسميات من الحكواتي في سوريا ولبنان، القوّال في مصر، الحَجّاي في السودان، الحَلاَيقي في الجزائر والمغرب، الفداوي والخرّاف في تونس لكنّها تجتمع على ملمح وحيد يصبّ في مجال الفرجة عند العرب.

هي مثلما عرّفها الفدّاي العروسي الزبيدي مروية نسجها الخيال الشعبي، وتداولها الناس جيلاً بعد جيل مضيفين لها ومحوّرين فيها كل حسب بيئته وعرفه وتقاليده ودينه، مرويات بطولات مليئة بالمبالغات والخوارق، أبطالها من البشر والجن اعتمدها الإنسان وسيلة للمعرفة والموعظة والتثقيف والتسلية، ينقلها بشغف، ويتوارثها ويحافظ عليها.

وهي من أشكال التعبير القولي تدخل في خانة الأدب الشعبي من الأساطير إلى النوادر ... زاخرة بالعجائب، ممعنة في الخيال، تبعث الحِس والشعور في الحيوان والنبات والأدوات الجامدة، تُلغَى فيها أبعاد الزمان والمكان، لتنتهي بانتصار الخير دائما.

تصنّف في نظره إلى ثلاثة أنواع هي الأساطير وقصص الخوارق والحكايات الشعبية.

بين الخيال والإبهار

يعتبر التراث العربي، من أغنى المصادر الأدبية بهذه الحكايات المشحونة بالعجائبية ومن أشهرها "ألف ليلة وليلة، حي بن يقظان، مقامات بديع الزمان الهمذاني، وكليلة ودمنة"، وقد مهّدت تلك الحكايات العربية لبروز أدب الرّحلات، ثم أصبحت مفتوحة على الإضافة والتوليد، تجتمع في مجملها على سعة الخيال والإبهار مما جعلها تحظى بجاذبية لدى أطفال هذا الزمن الالكتروني بنفس متعة ما كان يرويه الأجداد منذ آلاف السنين.

وإن كانت المسألة لا علاقة لها بالتوريث في رأي الحكاي العروسي الزبيدي، إلا أنّ التأثّر بالبيئة الأولى ساهم في خلق مهارات كثيرة في هذا المجال، إذ كان والده رحمه الله من مشايخ الصوفية في بلاد الجريد تحديدا توزر- نفطة، وكان مداحا، شاعرا، ومتحدثا بارعا.

كما تربّى على حكايات جدته وأمه وعوالمها الغريبة والعجيبة، تحكى برفقة أغان من التراث التونسي. ثمّ تربّى على سحر حكايات أشهر الحكائيين في تونس عبد العزيز العروي التي عوضت في فترة ما مجالس الحلقات والفداوي. وهو صحفي تونسي اشتهر برواية القصص الشعبية باللهجة المحلية التونسية ، توفي سنة 1971 مخلّفا أهمّ رصيد من الخرافات التي تبثّ إلى اليوم بالإذاعات والتلفزيون.

انطلقت رحلته في 2005 بحكاية "خوخة " استلهمها من تراث الجريد، صحبة الفنان ياسين العبدلي اشتغل على الدراما توجيا والإخراج.

بعدما التحق بالمسرح المدرسي ،ثمّ مسرح الهواة ،والتحق بمدرسة دروب المسرح بالمسرح الوطني التونسي على يد محمد ادريس، ليسافر بعد ذلك إلى بلجيكا أين تحصل على ديبلوم المسرح الاحتفالي. ومن بعدها عاد إلى المركز الوطني للفنون الدرامية و الركحية بالكاف مع الأستاذ لسعد بن عبد الله ومنه انطلق في بعث شركة في هذا الاختصاص.

وقد عرف الزبيدي بتقديم خرافاته في عروض فرجوية تجمع بين الأداء التمثيلي، الرقص والغناء والعزف. كما اشتهر بكتابة حكاياته نثرا وشعرا وحقق شهرة داخل تونس وفي كثير من الدول العربية مثل الإمارات، والمغرب، والجزائر، وليبيا، وموريتانيا، ومصر إلى جانب فرنسا.

يموت الراوي...والحكاية لا تموت

بعد عبد العزيز العروي، تربع الممثل المسرحي رشيد قارة على عرش الحكي الموجه للأطفال حتى توفي سنة 2010. كما جذب هذا الفن بمغناطيسه مشاهير التمثيل مثل دليلة مفتاحي، ووحيدة الدريدي، وأسماء أخرى برزت بين الهواية والاحتراف.

حتى تتطور هذا الفنّ خلال سنة 2017 بتنظيم الملتقى الوطني الأول للحكواتيين التونسيين تحت إشراف جمعية دنيا الحكاية ومركز الفنون الدرامية بمحافظة صفاقس، تُوّج بتأسيس الرابطة التونسية للحكواتيين لتجمع أبرز الأسماء الشهيرة في عالم الخرافة.

من هؤلاء ناجي مناعي الذي اختار هذا الفن لعشقه اللامتناهي للموروث الشعبي الشفوي وهو نتاج تجربة حياة مر بها الأجداد والأبناء لما يختزنه من حكم وعبر.

لذلك اهتم بتجميع هذا الأدب الشعبي النوعي وتوثيقه لتوريثه للأجيال القادمة وحفظه. وهو حكواتي عصامي التكوين كون نفسه بنفسه وسعى إلى بناء شخصية فنية معنوية مختلفة عن البقية، فهو مثلما قال "لا تستهويني مسارح العلبة أو كما يصطلح على تسميته بالمسارح المغلقة بالقدر الذي أعشق فيه الساحات العامة والفضاءات المفتوحة واعتبرها الإطار المكاني المناسب لتقديم العروض المسرحية".

والمسْرحة كل ما يرتبط بالسينوغرافيا وبناء شخصيات الحكاية وهو ما استدعى ما يسمى "المُنودراما" أي فن الحكاية بممثل واحد ينطلق من الحكاية كنص للمسرحية ويجسد أحداثها مستعينا بوسائل تعبيرية أخرى وقد اختار أن تكون الدمى المتحركة.

يقول محدّثنا "يموت الراوي ولا تموت الحكاية لأنها تنْبت مع كل جيل وتمثل الذاكرة الشعبية التي تجد من يحافظ عليها في كل جيل".

لذلك يشتغل هؤلاء في تونس على تجميعها وقد سبقهم إلى ذلك الإذاعي التونسي الشهير عبد العزيز العروي كان يروي قصصه وعبره. مصورة في شكل مسلسلات بالأبيض والأسود. في حين لجأت الأجيال الجديدة إلى مسرحة ما يسمى فن الحكاية لتناسب جمهور العصر وشدّ انتباهه.

أقوال جاهزة

شارك غرديستثمر فن الحكواتية اليوم في مؤثرات فنية جديدة كمسرحة الحركات والتلاعب بالصوت وتجسيد الشخصية والموسيقى وحتى أحياناً الغناء

كما يستعمل الحكواتي عدة وسائل فنية لتبليغ حكايته مثل الآلات الموسيقية وأحيانا يستغلّ موهبة الغناء لشد المتفرج.

وتروي أغلب الحكايات الشعبية قصصا عن شخصيات أسطورية وملاحم تاريخية مثل الأميرة ذات الهمة وسيرة بني هلال وهي قبائل زحفت إلى تونس في القرن الحادي عشر قادمة من صعيد مصر رويت حولها الكثير من الحكايات والأساطير.

غير أن الحكاي ناجي مناعي استعان بآليات مسرحية لاختلاق قصص من خياله يخالها المستمع أنها من الموروث التونس الشفوي وهو ما وصفه بالتجديد في الكتابة الصحفية. فقد كان يعتمد في بداياته على موروث الجنوب التونسي مسقط رأسه لتنضج تجربته وتدخل مجال الكتابة الذاتية وله في ذلك عديد النصوص.

الخرافة تطرق أبواب الجامعة

الحكّاء هشام درويش بدوره أضاف عديد التعبيرات الجديدة "لأدب الخرافة" وأدخل عليها المرافقة الموسيقية والحوار المباشر مع الأطفال خلال حلقة الحكي لشدّ انتباههم وجعلهم من بين المؤثرات التفاعلية التي تضفي على ما يسرده من حكايات عنصر المتعة والتشويق. مع فتح باب النقاش نهاية كل عرض لاستخلاص العبر.

كانت أولى تجاربه مع المسرح كممثل ومخرج، ثمّ خاض تجربة إذاعية من خلال برنامج "قال وقلنا" على طريقة عبد العزيز العروي نال استحسان المستمع مما ولد فكرة "عرض الحكواتي" لجمهور الأطفال بصبغة تفاعلية تنشيطية لشدّ انتباههم.

يقول هشام درويش "أحرص على خلق مناخ تأثيري لما أسرده يعتمد على مختلف التعبيرات والمؤثرات الصوتية والموسيقية، مع الظهور للأطفال باللباس التونسي الأصيل. وتكون الحكايات قصيرة لكن معانيها كبيرة ترشد وتوجّه وتربي الطفل على القيم والمبادئ الانسانية النبيلة مثل نبذ الطمع والأنانية والكراهية والدعوة الى احترام الطبيعة وحب الآخر حتى تكون الرسائل الموجهة إليهم إيجابية تساعدهم في تهذيب سلوكهم وتكوين شخصيتهم".


لذلك يتطلب الحكي المهارات والتمكّن من فنون التواصل بعدما سيطرت وسائل التواصل الالكترونية على الأطفال.

غير أنّ هؤلاء كلما التقاهم هشام درويش في حلقاته كشفوا عن تعطّش كبير للسرديات الشفوية ،حتى كبار السن أيضا يبدون اهتماما وشغفا. وهو ما دفعه إلى الاقتباس من الحكايات العالمية والتونسية لاستلهام النصوص القادرة على إرواء عطش هؤلاء بتبسيط اللغة المحلية التونسية.

وقد حدّثنا عن نجاح تجربته التي ستطرق قريبا باب الجامعة التونسية من خلال تأمين ورشات تكوين لطلبة المعهد العالي للطفولة بتونس المختص في تكوين إطارات ومختصين في تربية الطفل ومرافقته بمحاضن وفضاءات التنشئة قصد استغلال الحكاية في تنشئة الطفولة المبكرة . وهو يستعد للمشاركة في مهرجان "الحِجّاية" في المغرب خلال شهر يوليو المقبل.

تونسيات يدخلن عالم الحكاية

فنّ القصص المروية لم يؤثر على الرجال فقط من مسرحيين وإعلاميين وكتاب، بل أشعّ سحره ليخطف انتباه النّاس أيضا في تونس. من ذلك نجد رائدة القرماسي صاحبة شركة الإنتاج الفن الثامن بمحافظة صفاقس، أستاذة فرنسية خاضت التجربة من 13 سنة ولها برامج إذاعية في هذا المجال. 

عملت على تشريكه ابنها الذي يحضر معها في كل عرض داخل البلاد أو خارجها بأزياء ملفتة للانتباه. وهذا الطفل الصغير يعتبر من العناصر المؤثرة والفاعلة من خلال إصدار الأصوات والقيام بحركات بهلوانية والرقص بما يغري الأطفال ويجلب اهتمامهم.

ورائدة التي قالت إن نشاطها لاقى الاستحسان في عديد الدول العربية ومهرجانات الأطفال تشتغل على قصص مكتوبة تطوعها بأسلوب مثير وتقربها من الطفل بلغة تونسية جذّابة. وهي تحرص رفقة زوجها أيضا مخرج عروضها على تأمين الجانب الفرجوي من اللباس إلى الديكور لتكتمل عناصر الدّهشة في العيون الصغيرة.

كما خاضت الشابّة ابتهال بهْرام هذه التجربة بدار الثقافة محمود المسعدي بمنطقة تازركة بإحدى محافظات الوطن القبلي. وسعت إلى بعث نادي "الخرافة والمحافظة على التراث اللامادي".

فقد حدّثتنا عن ولعها بالخرافة التي تربّت عليها وما كان يرافقها من أغان كانت تحرّض على انفلات قهقهات الأطفال من الفرح.

إذ تزخر ذاكرة الطفولة بحكايات الجدّات من الجازية الهلالية، وابنة السلطان إلى حكاية الغول. ونشأت على حب تلك القصص التي كانت تثير خيالهم. ومع تدرّجها في السنّ أغرمت بحكايات العروي "أب الخرافة" في تونس الذي ظل الملهم الأول حتى بعد وفاته بـ47 سنة.

ومنذ خمس سنوات لاحظت إقبال الأطفال على دار الثقافة التي تعمل فيها بما ترويه من قصص فقررت تأسيس هذا النادي الذي تعتبره من أنجح النوادي والأكثر إقبالاً.

ومن ثمّة أعدّت عرض "المحبة تصفي القلوب" مقتبسة من حكاية المرحوم العروي "نعيم نعيمة" أدخلت عليه عديد الأغاني من التراث التونسي، مع التعريف باللباس التقليدي التونس كتراث لا مادي.


واعتبرت ابتهال أنّ الراوي أو القصّاص كان يحْشد من حوله الناس قديما في المنازل والطرقات والمقاهي وقد دخل اليوم فضاءات التربية والتنشئة مثل دور الثقافة ومهرجانات الأطفال ورياض ومحاضن الأطفال وشاشات التلفزيون.

وقد تجاوز سرد الحكاية إلى إضافة مؤثرات عديدة مثل مسرحة الحركات والتلاعب بالصوت وتجسيد الشخصية، وفي رأيها يعتبر ذلك من العناصر المهمة لجلب اهتمام الطفل بعدما استحوذت عليه وسائل الاتصال الحديثة وعزف عن المطالعة وحتى مشاهدة الصور المتحرّكة.

التعليقات

المقال التالي