الرحباني وقعبور والساقط الأكبر

الرحباني وقعبور والساقط الأكبر

انشغل الرأي العام اللبناني والعربي بمقابلة الفنان زياد الرحباني الأخيرة عبر قناة المنار التابعة لحزب الله مع الإعلامي عماد مرمل والتي أكّد فيها الرحباني بأن الموهبة الموسيقية والأخلاق الحميدة هما صفتان غير متلازمتين في الفنان على وجه الخصوص.

ظهر زياد الرحباني للمتابعين كرجل غير سوي نفسياً، يتكلم مع نفسه في أغلب الأحيان ويروّج لنظريات المؤامرة ويمجّد زمناً متخيلاً ونظريات بائدة ويهلّل لطغاة على رأسهم الرئيس السوري بشار الأسد والذي بحسب زياد هو " الصامد الأكبر".

المقابلة لم تكشف أي شي جديد بل على العكس كرّست زياد الرحباني كأحد المدافعين عن نظام الأسد وشيخ شيوخ فناني البراميل المتفجرة. أما شخصياً، تأتي مقابلات وتصريحات الرحباني النادرة لتذكرني لماذا أقلعت عن تعاطي هذا الصنف من الشعبوية المقيتة واتجهت إلى احترام وتقدير شخصيات طيبة ومحترمة كشخص الفنان والموسيقي أحمد قعبور.

في إحدى مقابلات الرحباني عبر إذاعة صوت الشعب سنة 1997، أقدم قعبور على مداخلة هاتفية للتعليق على بعض العبارات والتعليقات التي صدرت من زياد بحقه. وخلال تلك المداخلة، قام الرحباني بالسخرية من مسيرة قعبور متهماً إيّاه بالمروجيين لمشروع الشهيد رفيق الحريري أو الحريرية الرأسمالية.

آنذاك وبكل أسف، كنت من الأشخاص الذين دعمت صفّ الرحباني واقتنعت بأن صاحب أغنية أناديكم قد خان القضية والثورة وما إلى ذلك من شعارات خشبية، كان أولاد جيلي متمسكين بها عن حق أو غير حق.

أقوال جاهزة

شارك غردمآل "القضية" و"الثورة" وما إلى ذلك من شعارات خشبية تمسك بها أولاد جيل الثمانينات في العالم العربي

شارك غردعالم أحمد قعبور عالم إنساني، وهو نقيض العالم العبثي والبعثي الذي يناشد به زياد الرحباني

في إحدى المرات، علمت من صديق بأنه على علاقة وثيقة بالرحباني فطلبت منه تعريفي على زياد الذي كنت ككل المعجبين به، ختمت كل مسرحياته وبرامجه الإذاعية وأدخلتها في قاموسي اليومي. أتى جواب صديقي صاعقاً "وممهداً" لرحلة علاجي من الرحبانية: "إذا بدك تضّل تحب زياد، ما تتعرف عليه شخصياً... بتصير تكره ربّوا".

لم أصل لدرجة الكره للرحباني لكون الكره عمل يستثمر به الإنسان مشاعره تجاه مسألة تستحق العناء. مراجعتي لستالينية وشعبوية الرحباني جعلتني أقدّر أشخاصاً مثل الفنان أحمد قعبور وسامي حواط وسميح شقير وآخرين لم تجعل منهم عبقريتهم أو موهبتهم أعداء للبشرية وأصدقاء للطغاة.

أحمد قعبور غنّى للرئيس الحريري "لعيونك" ولكن مشروع الحريري بالرغم من مشاكله العديدة لا يروج للعنف ولا يتبنى الخطاب القومجي والممانعجي، بل غنّى لبيروت ورصيف بحرها ومدن زالت في جوفها وفلسطين والضفة والأهم ووقف أمام الطاغي وأنشد سوريا عم تنبض:

"ما حدا ينطر، قوموا نغني، للأرض اللي قلبا كبير،

شارع شارع،

حارة حارة،

سوريا قلبا كبير،

هالأرض بتضحك للريح بترسم للحب مراجيح... سوريا عم بتنبض"

قعبور رفض أن يغنّي أو يبرّر كما يفعل زياد لجرائم تجار العروبة والمقاومة شركاء المجازر. صوت قعبور العذب والحالم هو نقيض العالم العبثي والبعثي الذي يناشد به العاشق الأكبر للصامد الأكبر، فعالم أحمد قعبور هو عالم إنساني لا يتعرض اللاجىء السوري والفلسطيني فيه إلى عنصرية حلفاء بشار اللبنانيين، علماً أن بعضهم هم سبب تهجير قسم منهم من سوريا. 

والأهم أحمد قعبور الفنان لم يقم قط بالتقليل من احترام جمهوره ومريديه في الحفلات الموسيقية كما يفعل زياد الرحباني الذي ينسحب أو حتى يلغي ظهوره في اللحظة الأخيرة متذرعاً بالمرض أو بسبب طفولي آخر.

مفاضلتي لقبعور ليست شخصية بل موضوعية كوني لم أتعرف شخصياً عليه، بل أعتقد بأنه يكفي أن تلتقي قعبور في شارع الحمراء أو في أي مقهى بيروتي وأن تنظر إلى ابتسامته الخجولة وبريق عينيه خلف نظارته لتعي بأن أحمد قعبور، بشجاعته وأخلاقه، هو الصامد الأكبر في زمن كثر فيه المراوغون وعلى رأسهم زياد الرحباني "الساقط الأكبر".

محاضر في كلية التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت، صاحب كتاب A Campus at War: Student Politics at the American University of Beirut, 1967–1975".

التعليقات

المقال التالي