"ما من أحدٍ إلا وتعلّق بها يوماً".. عن علاقة المثقفين وحكاياتهم مع كرة القدم

"ما من أحدٍ إلا وتعلّق بها يوماً".. عن علاقة المثقفين وحكاياتهم مع كرة القدم

"وليمةٌ للعينَين وفرحةٌ للجسد الذي يلعبُها" قال الكاتب إدواردو غاليانو، في كرة القدم التي فُتن بها وحلُم لسنين أن يلعبَها، ولم يكن له ذلك.

فاكتفى بتشجيعها، ثم كتب عنها مؤلَفه "كرة القدم بين الشمس والظل"، سرد فيه تاريخ اللعبة منذ آلاف السنين عندما صنعها الفراعنة من القش وقشور البذور وشكلها الصينيون من الجلد والقنب، وصولاً إلى مباريات كأس العالم وماتخلّلها من قصص وأهداف ومواقف لاتنسى.

غاليانو واحدٌ من مثقفين كُثر، اهتموا بكرة القدم وكتبوا عنها، ليؤكدوا أنها اللعبة الآسرةُ للجميع دون فوارق طبقية أو فكرية، كلُّ الأنفاس معقودةٌ والأعينُ مترقبة بانتظار ماستؤول إليه النهاية التي يرسمها 22 بطلا بأقدام تُرعشُ الأرضَ والنبضَ معا.

عن إنجازاتهم العالمية يتحدث الكاتب الأورغواياني، واصفاً حركة البرازيلي "بيليه" بقوله "قطع خصومه كما السكين الساخنة عبر الزبدة"، ومشبهاً الألماني غيرارد مولر بـ"الذئب المتوحش".

أما ظُلمة كرة القدم، بحسب غاليانو هي تحوُّلها إلى صناعة إعلانية ألغت جمالها كلعبة شعبية وبدلتها "من رياضة لصالح المجمتع إلى ظاهرة عالمية مدفوعة الأجر".

ذات النقطة يتناولها الراحل نجيب محفوظ -المولع باللعبة أيضاً- والذي دهش بتغيّر أحوال اللاعبين في فترة السبعينيات عما كانت عليه في الثلاثينيات والأربعينيات، حيث أصبحوا أكثر ثراء من نجوم السينما، بعدما كان دخل الرياضي ضعيفا ويمارسها على سبيل الهواية، بينما لديه حرفةٌ أخرى يقتات منها، يشير إلى اللاعب علي الحسني الذي لم يجد بعدَ اعتزاله ثمن الدواء، النجم الذي عُرف بقوة بُنيته وطريقة لعبه العنيفة، أَعجبَ محفوظ درجة أن شخصيته تخللت روايته "المرايا".

نجيب محفوظ.. كابتن وعاشق أيضا

حكاية نجيب محفوظ مع كرة القدم تخللت كتاب "المثقفون وكرة القدم" للمؤلف أشرف عبد الشافي، 2010 عن دار صفصافة، وفيه يقول صاحب "الحرافيش": "قد لا يصدق أحد أنني كنتُ في يوم من الأيام كابتن في كرة القدم واستمر عشقي لها حوالي عشر سنوات متصلة، في أثناء دراستي بالمرحلتين الابتدائية والثانوية، ولم يأخذني منها سوى الأدب، ولو كنتُ داومت على ممارستها فربما أصبحتُ من نجومها البارزين".

في كتابه "المثقفون وكرة القدم" حرص عبد الشافي على تقديم نماذج من الشعراء والروائيين كانت الكرة طليعة انفتاحهم على العالم، بدايةً من محفوظ وكامو إلى الزملكاوي عمر طاهر والأهلاوي بلال فضل، يعلل بأن تصوراتٍ قديمةً سعى خلالها المثقف العربي إلى تحقير الكرة والسخرية من مشجعيها، الأمر الذي احتاج تجديدا وطرحا يؤكد رؤية المثقف لهذه اللعبة، يضيف لرصيف22 أن المكتبة العربية بشكل عام تحتاج مؤلفات من هذا النوع بعد أن أصبحت كرة القدم حالة ثقافية وليست مجرد لعبة.

أقوال جاهزة

شارك غردهل تتخيلون نجيب محفوظ كنجم من نجوم كرة القدم؟ هذا ما كان ليكون عليه لو لم يختاره عالم الأدب

شارك غردكيف تحولت كرةٌ من القِنَّب، من القماش، أو من المطاط و"البولي ايثيلين"، إلى ساحة للحب والحرب

ابراهيم أصلان.. الزملكاوي الصميم

الروائي الراحل ابراهيم أصلان أغرم بكرة القدم منذ طفولته وتطايرت من تحت قدميه في أزقة أمبابة، كان زملكاويا صميما، واظب على متابعة تدريبات النادي ومبارياته، درجة أنه وفي ثمانينيات القرن الماضي، كان بيته مساحة لمشاهدة المباريات، على اعتبار أنه الأول في الحي الذي استقبل تلفزيونا ملونا، يحدثنا ابنه الكاتب والصحفي هشام أصلان.


يضيف أن صاحب "عصافير النيل" كان يعيش حالة من المنافسة مع ساكني العمارة الذين ينتمي أغلبهم إلى النادي الأهلي "كانت منافسة بسيطة، حقيقية، وبعيدة أي فوارق فكرية وثقافية بينهم، كل ما يهم من سيغلب في النهاية"، مشيرا أن هذا مايميز اهتمام المثقف المصري بكرة القدم "يشجعها كأي شخص عادي بعيدا عن تأملاته، هناك المشجع المتعصب والآخر الرياضي المرن وغيرهما، لكن جميعهم يهتمون باللعبة كما الناس العاديين، دون أي تكلف أو ترفع".

هشام أصلان لم يهو المساحة الخضراء كوالده، بل اختار تشجيع النادي الأهلي، خلافا له ولأخيه "لستُ مشجعاً كروياً وعلاقتي بكرة القدم ضعيفة، فقط أتابع المباريات المفصلية في البطولات العالمية، لأشاركَ الآخرين لحظاتِ فرح نبحث عنها طوال الوقت ولا نجدها".

هاني نديم.. نَهَمٌ كروي متأخر

"ما من أحد إلا وتعلّق بكرة القدم يوماً ما" تلك العبارة لصديق دراسة قديم التقيته بعد غياب عشرين عاماً، جعلتني حقاً أتساءل، لماذا هذا الجزم بقوله ما من أحد؟! قلت لأنها لعبة الفقراء ربما؟ الأغنياء يحبون الألعاب الفردية كالغولف مثلاً. بنفس اليوم وجدت على مكتبي كتاباً أرسله لي أشرف عبدالشافي عن علاقة المثقفين بالكرة، فقرأته في يوم واحد بحثاً عن إجابة "ما من أحد"، وأعدت شريط حياتي الكروي البائس" يقول الكاتب والشاعر السوري هاني نديم.

أحبَّ صانعُ "نحّات الريح" الملاكمة والمصارعة إلا أنه كان يعلق صور مارادونا لأسباب عصيّة عن الفهم "لم أكن موهوباً أبداً في كرة القدم، وكان أصدقائي يسجلون اسمي بالفريق تحسباً للمعارك التي قد تنشب بعد المباراة فقط، ولأنني صديقهم الذي يبحث عن أي فرصة للخروج من أسوار المدرسة".

يتابع "اليوم وقد تجاوزتُ فكرة الركض وراء الكرة، مَسنّي مسٌ من التعلق الكروي العجيب المتأخر جداً. وصرت أتابع بنهمٍ هائل ما يجري دون تراكم معرفي أو حياتي، ربما أحد أسباب ذلك أنني فهمت اليوم حقيقة جوهر الفرح الشعبي العارم. وأنا باحثٌ مجدّ في فكرة "الشعبي" من آداب وفنون.

أحبُّ البرازيل منذ الأزل وسأظل أحبها دون تردد. أكره الفرق التي لها تبعات شعبية مؤسفة، كفريق انجلترا، هذا أنني رأيت بأمّ عيني ماذا يفعل مشجعوهم أو ما يطلق عليهم بالـ HOOLIGANS ".

"خلال السنوات الأخيرة استحوذت كرة القدم على اهتمام أكبر، وحدثت تطورات كثيرة جعلت مثقفات ومثقفي العالم العربي يكتبون عن الكرة باعتبارها ثقافة أوطان ولغة سلام.. وهذا حسن"، يؤكد الكاتب أشرف عبد الشافي لرصيف22 في نظرة شاملة لحال الكرة وعلاقتها مع المفكرين في السنون التي تلت إصدار كتابه.

نسرين أكرم خوري.. المفتونة قبل أن تولد

عبر يومياتها ونصوصها نسجت الكاتبة والشاعرة السورية نسرين أكرم خوري، علاقة خاصة مع كرة القدم، كاسرة مايتعلق بها من مفاهيم جندرية وتصنيفات مجتمعية حصرت كرة القدم في مضمار الذكورة على مدار سنوات. 

"لطالما تخيّلت أن المرء يولد وعلمٌ صغيرٌ للبرازيل مخبّأٌ داخل لفافته، يُخرجه كلّ أربع سنوات كي يلوّح به للمنتخب. كبرت ولم تتغيّر فكرتي كثيرًا، حسنًا: المرء يولد مشجّعًا للبرازيل ثمّ يقوم الزمن بتغييره، معي لم يحصل ذلك" تقول نسرين.

"قبل أيام عثرتُ على صورةٍ من عيد ميلادي عام 98 أحمل فيها علمًا كبيرًا للبرازيل، أصبت بالهلع حين تنبّهت إلى أن عمر الصورة 20 سنة، لو سألني أحد الشبّان بسخرية متوقّعة أو بجدّية طارئة "متى بدأت علاقتكِ بكرة القدم؟" سأجيبه بكلّ ثقة "من قبل أن تولد" ولن يكون مجازاً.

كيف سأفهمه أنني أستطيع استعادة المرارة التي سرَت في حلقي حين طُرد مارادونا من مونديال 94؟

لم أفهم حينها لماذا تعدّ المنشّطات أمراً ممنوعاً، لم تكن فكرتي عن الغشّ تتعدّى التلصّص على ورقة زميلك في الامتحان".صاحبة "وادي قنديل" تعرف أن في هذه الحياة أحد عشر لاعباً يلبسون الأصفر والأزرق أمّا سواهم فيوجد بطلان فقط: الكابتن ماجد ومارادونا "في ذلك المونديال ظهر من سيطفئ كلّ الأبطال ويبقى حتّى اليوم الأول والوحيد، إنه رونالدو البرازيلي، إن كانت هنالك غايةٌ من وجودنا على هذه الأرض فلا بدّ من أن هذا الرجل خُلق كي يُمتع وفقط يمتع، لا الأمر لم يتوقّف عند المتعة الخالصة فحسب، ثمّة كراتٌ تهزّالشباك والقلوب معًا".

اصمتي أو كوني مجرّد جميلةٍ على المدرّج تلتقطك الكاميرا

تتابع كاتبة "بجرة حرب واحدة" "الشّاب نفسه صاحب سؤال "متى بدأت علاقتك بكرة القدم؟" من المرجّح أن استخفافه بي سيظلّ حاضرًا، سيقول سرّاً أو مجاهرةً "تشجّعين البرازيل وتحزنين لخروج مارادونا الأرجنتيني؟"

الأهداف المستحقة التي نسجّلها نحن النساء في عالم كرة القدم هي القدرة على القبض على الجمال الخالص والاحتفاء به حتى لو كان أو بصورةٍ خاصّة إن كان لدى الخصم".

الجمال ينهزم

تعود بنا نسرين إلى جيل كروي لا يزال حيا في الذاكرة "منتخب البرازيل 82 الّذي يكبرني سنًّا ظلّ يروح ويجيء في خيالي ولاحقًا نصوصي كأنصع مثال على هزيمة الجمال، ثمّ تكاثرت الأمثلة وأشدّها عملًا في نفسي بدأ يظهر على شكل إصاباتٍ في جسده انتهت باعتزاله عام 2011 وبذرفي الدموع. طبعا أقصد رونالدو.

أتجنّب وصفه بالظاهرة فهو يبدو لي بالقرب دائماً.

ربما لهذا نحن -مشجعي كرة القدم- لا يخبو شغفنا باللعبة وأبطالها، نملك ذلك الشعور بقدرتنا على تبادل القمصان وتربيتات الودّ معهم متى شئنا. في الكتابة أيضًا ظهر القميص رقم 9 يلبسه شابٌّ وقعتْ بطلة روايتي في غرامه، أنا وهي لم نعلم بعد: هل أحبّت الشاب فعلاً أم الرقم9؟"

تضيف "إحدى الأغنيات الكثيرة التي ألّفها جمهور ليفربول في حبّ محمد صلاح تقول "يستطيع الطيران، هذه ليست كذبة". انهزم الجمال مجدّداً قبل أن يبدأ المونديال الحالي، على شكل كسرٍ في جناح هذا الشاب الّذي خرج من بيت الجيران كي يسدّد الأهداف في الملاعب البعيدة".

كرةٌ من القِنَّب، من القماش، أو من المطاط و"البولي ايثيلين"، أيّا كانت ماهيتها، فهي تتجاوز كونها لعبة شعبية، لتصبح ساحةً للحرب والحب، لغةً للشعر والنثر، حياةً كاملةً تنبضُ بالحب والفرح والجنون.

التعليقات

المقال التالي