عندما تأخذنا الموسيقى إلى ما وراء الكون

عندما تأخذنا الموسيقى إلى ما وراء الكون

ليست مجرد حالة طربية، أو رقص وانتشاء في الحفلات، فالموسيقى يمكن أن تأخذنا إلى ما وراء الكون، وتشعرنا بالوحدة مع مخلوقاته، وتحررنا من إحباطات العصر.

نسمع "المهرجانات" في الحفلات وأعياد الميلاد، ونتراقص بصخب، يأخذنا الحنين إلى أجواء الطرب لأم كلثوم واسمهان، نصرخ "الله" بعد كل جملة مُلحّنة، نحضر حفلات موسيقية، نتابع فنانيها على "يوتيوب" و "ساوند كلاود"، ولكن للموسيقى والغناء بُعدًا آخر، وطقوسًا أخرى غريبة تَعِدُنا بأشياء خطرة ومبهجة.

الصوفيون القدماء كانوا "يتواجدون"، يُظهرون حالة عاطفية حادّة يقولون أنّها تؤدّي أحيانًا إلى فقدان العقل "الجذب"، و "تريبات" الأسيد في الخمسينات والستينات خلقت أجواء موسيقية مهلوسة "سايكدليك" يجعلك ترى نغماتها ألوانًا، وتُوحّدك مع الكون.

العازفة باولين أوليفروس أعلنَت نهاية الموسيقى بطريقة تشبه إعلان موت الإله لفريدريك نيتشه، واعتمدَت على الصوت، تأمّل الصوت فقط، كيف يلاعب الفراغ، تحرّر من طريقة سماعك واستمتاعك، تستمع إلى طائرة تُحلّق فيُخيّل إليك أنّها سيارة تسير بسرعة عالية، خرير مياه على الأواني في المطبخ تشبه شلالات الماء في مناطق طبيعية محمية، أن تسكر بالصوت، ويُحرّر الصوت روحك وجسمك من السيطرة اللاوعية للعقل الناجمة عن التقاليد البالية.

كيف؟

هيّا بنا نتعرّف على تلك العوالم.

الوجد: سماع الموسيقى يأخذكم لماوراء الكون

حالة من المشاعر الحادة المبهجة تجتاحك، وتقتلع كيانك، وتأخذ روحك منك، إلى عالم تعجز الكلمات عن وصف روعته، تتوحد فيها مع كل البشر وكل الأحياء وكل الكون، هكذا عبر الصوفيون القدماء عن حالة "الوجد".

تعتبر حالة "الوجد" التي انتابت الصوفيين غريبة عن أذواقنا اليوم، لأنّها تستدعي نسقًا ثقافيًا غائبًا عن الكاتب والمستمعين، ولكنّها تعني الكثير من المعنى والمتعة.

ينظر الصوفيون إلى حالة الطرب والهياج التي تنتابنا ونحن نصغي إلى الألحان الجميلة على أنها هابطة من حركة الأفلاك، يدور القمر حول الأرض، وتطوف الأرض حول الشمس، وترقص الشمس مع النجوم، تلك النغمات الساحرة للموسيقى تشبه حركة الأفلاك.

لذا عادى الصوفيون الأوائل سحر هذه النغمات التي كانت تُسمع مع الخمور وبحضور فتيات عابثات، لأنها تقوّي تعلّق الناس بالدنيا، تتحرك الكواكب في السماء، وأجساد البشر على الأرض طربًا.

أقوال جاهزة

شارك غردأعلنت باولين أوليفروس نهاية الموسيقى بطريقة تشبه إعلان موت الإله لفريدريك نيتشه، واعتمدَت على الصوت، تأمّل الصوت فقط، كيف يلاعب الفراغ، تحرّر من طريقة سماعك واستمتاعك..

شارك غرد"قد أخذنا نغمات الموسيقى هذه من دوران السماء، وما يلحنه الناس بالطنبور والترنيمات التي يطربونها بالصوت فإنما هو صوت دوران السماء" جلال الدين الرومي

وجاء في المثنوي لجلال الدين الرومي عن نغمات الموسيقى "قال الحكماء: قد أخذنا نغمات الموسيقى هذه من دوران السماء، وما يلحنه الناس بالطنبور والترنيمات التي يطربونها بالصوت فإنما هو صوت دوران السماء".

أما الوجد، فيعرفونه بطريقة أشبه بتوق معرفي عبر استثارة المشاعر، ويشترطون فيه الإيمان والجدية.

يقول محيي الدين ابن عربي، الصوفي الملقب بالشيخ الأكبر، في كلامه عن السماع: "أوجهه إلى العرفاء والسالكين، أما المدعون من المريدين فليس لي كلام معهم" وقال أيضًا: "السماع بالنسبة للعرفاء كدّ... وإذا وجدت المريد يتمايل عند السماع فاعلم أنّ جزءًا من الباطل يخالطه".

قسّم  الشيخ الصوفي أبو حامد الغزالي حركات "الوجد"، تلك المشاعر المستثارة بسبب سماع الغناء، إلى قسمين: إمّا مكاشفات ومشاهدات صوفية، واعتبرها شكلًا من أشكال "العلوم والتنبيهات"، أو مجرّد تغييرات طارئة على القلب "كالشوق والحزن والقلق والسرور والأسف والندم والبسط والقبض"، وهي "أحوال يهيجها السماع ويقومها".

أما محيي الدين بن عربي فيفرق بين السماع الطبيعي والسماع الإلهي، والسماع الطبيعي بالنسبة له حركة، والحركة دائرية مثل الحركة الدورانية للأفلاك، ولكن ما يعتبرها الروح "اللطيفة الإنسانية" ظهرت قبل الفلك، وهي مختلفة عنه، لذا ليس للروح حركة دائرية ولا حركة "عالية سافلة في البدن".

لذا السماع الإلهي والروحاني ينتهي به الحال إلى السكون الكامل، والغاية القصوى إذا تعرض صاحب السماع الإلهي للواردات القوية هو "وقوع البدن على قفاه في الأرض"، وهذا ما يسمونه الوجد، وتحدث الغزالي في "إحياء علوم الدين" عن أن الإنسان قد يفقد عقله أو يموت بسبب الوجد.

ولكن ماذا لو لم تكونوا مؤمنين بالله على الطريقة الصوفية؟ هل يمكن أن نشعر بالوجد؟ هل ثمة طريق آخر؟

الأسيد موسيقى الهلوسة والتوحد مع الكون

يصرّ نيك ساند الكيمائي الأمريكي وأحد أشهر مروجي عقار الأسيد المستخلص من نبات المشروم على مقاربة صوفية لحالة الهلوسة "التريباية" الناجمة عن تناول العقار، ويشرح حالات الهلوسة بمفردات روحانية، ويتحدث متعاطو الأسيد عن حالات مختلفة عندما يسمعون الموسيقى وهم تحت تأثير العقار.

كنتُ أستمع إلى أغنية "أتساءل" لرود ريجيز، يغير الأسيد إحساسك بالزمن، تمر الثواني وكأنها دقائق طويلة وممتعة وبطيئة، يهتزّ كل ما تراه مع رود ريجيز، شعرتُ بأنه أنثى، ورأيت موسيقى "أي لون تحب" لبينك فلويد، يخرج اللون الأخضر والأصفر، تتحرك الموسيقى في أذنك، وترى الصراع بين الألوان القوس قزحية، وينتهي في النهاية بانتصار اللون الأخضر.

هل هذا حقيقي؟

يقول حساب "1a521" على موقع التواصل "ريديت" أنه عندما يستمع إلى الموسيقى وهو تحت تأثير الأسيد يشعر أنه قادر على الشعور بالموسيقى داخله، ممّا يمنحه تدفقًا طبيعيًا من النشوة والراحة، تنحرف الأشياء المحيطة به إلى الموسيقى بحركات جميلة، يصعب شرحها، ولكن يمكنك حرفيًا أن ترى وتشعر بالموسيقى.

ويخلص في النهاية إلى أن تأثير الأسيد على الموسيقى قوي، "مزيج من الكمال".

يقول حساب "SynapticInsight"على "ريديت" أنّ الموسيقى مع الأسيد تختلف مقارنة بأنواع المخدرات الأخرى، إنها أكثر "تكثيفًا، وحياة" بشكل لا يصدق، كل نغمة لها معنى وعاطفة ولون، كلّ كلمة تشعر بعمقها، إنها تجربة رائعة.

أمّا حساب "slink7" فيعتبر الاستماع إلى الموسيقى أثناء تريبات الأسيد هو وجه الحياة المناقض لمحرقة الهولوكوست، "يمكن أن تستمع إلى فريقك المفضل، ولكنك ستكتشف أنك تسمعه للمرة الأولى، الأسيد يُمكّنك من تقدير كامل لكلّ طبقة من طبقات الموسيقى، وكأنها فصل في قصة، والموسيقى تأخذك إلى رحلة مُكثّفة، إنّها سحرية، بالنسبة لي تريباتة الأسيد غير كاملة إذا لم تستقطع ولو وقت قليل للاستماع إلى الموسيقى".

تشير دراسة استعرضها موقع "بيزنس إنسايدر" أن الذين يدخلون في تريباية أسيد يتعاملون مع العالم البصري بشكل مختلف، حيث يخلق العقار نمطًا من النشاط في المخ مختلفًا عن النمط العادي، ويُحرّض خلايا عصبية على علاقات لم تكن موجودة، ويغير نظام النشاط العقلي، ويُنشئ ممرات معلوماتية مختلفة، هي المسؤولة عن رؤية الأصوات، وسماع الألوان.

لا شيء حقيقي، عندما غُشي عليّ من تريباية الأسيد، كنت أستمع لموسيقى بينك فلويد، بينما أرى نفسي كوكبًا يتدحرج في السماء، ببطء، وهنالك نجوم لامعة في كلّ مكان، هل رأيت فعلًا حركة الأفلاك التي تحدث عنها ابن عربي والمتصوفة، والتي اُقتبسَت منها انفعالات الموسيقى؟ هل الأمر مجرد خواطر وهواجس وهلاوس؟

يقول المتصوفة: "من ذاق عرف"، يظلّ الاختبار الذاتي هو المعيار، بدون التجربة لن تعرف وجد التصوف، ولا كمال الموسيقى في حضرة الأسيد.

ولكن إذا كان وجد التصوف يتطلب الإيمان بشكله الصوفي المنضبط، وتريبات الأسيد تتطلب عقارًا لايزال محظورًا، يُعرّضك للمساءلة القانونية، ويُشاع أنه قد يؤدي إلى الوفاة أو الجنون، فإنّ تجربة باولين أوليفروس العازفة الأمريكية لا تطلب منك فقط سوى الثورة على نفسك، وطريقة استمتاعك بالموسيقى، والهدوء، والاسترخاء.

باولين أوليفروس: استمعوا إلى الأصوات

تأثرت العازفة باولين أوليفروس بالمستجدات المأسوية في عصرها، شاهدت اغتيال روبرت كيندي على التلفاز، احتجاجات فيتنام بسبب فظائع إخوتها الأمريكان هناك، قام طالب في جامعة كاليفورنيا بصبّ كيروسين على جسمه وأحرق نفسه حتى الموت، شعرَت بمزاج العصر، أحسّت بخوفٍ بالغ.

وتحدثت أوليفروس، بحسب "نيويوركر" المجلة الأمريكية، عن عزوفها عن العزف في الحفلات الموسيقية، واختلت إلى نفسها، تعزف نغمات مطولة على الأكورديون، عام كامل لم تخرج منه سوى بنوتة موسيقية واحدة، ولكنّها، مصادفة، اكتشفَت موسيقاها التي تواجه بهدوئها هذا العالم الصادم.

مثل الصوفيين والمتربين تحدثت أوليفروس في السبعينات عن أغراض موسيقاها الإنسانية والعلاجية عن طريق "توسيع الوعي"، وفي 1999 أصرت على طريقها الذي بدأته "الاستماع يشفي".

نحن مرضى الخوف والقلق والاضطرابات والشعور بالعجز حيال القبح والقتل المستشري فينا وحولنا، لله ماذا تفعل الموسيقى حيال ذلك سوى أن تحفر لك جحرًا تختبئ فيه للحظات هربًا من نفسك ومن حياتك ومن العالم القبيح والمضطرب.

بحسب أوليفروس الاستماع إلى الأصوات يحررك ويجعلك مقاومًا لكل هذه الملوثات.

ولكن كيف؟

في عام 1965 قدمت أوليفروس أغنية "وداعًا للفراشة" وفيها تشويه صوتي لـ"أوبرا توشيني"، ونجد فيها صراعًا بين الأصوات الالكترونية المرتجلة، والتي تتقاطع مع صوت بطلة الأوبرا الكلاسيكية، لقد انتهت تلك الموسيقى، لم يعد لها مكان في زماننا.

تقول أوليفروس عن تلك الموسيقى إنّها "محاولات وداع" ليس لتلك الموسيقى فقط، ولكن لـ"النظام الأخلاقي" لذلك العصر والاضطهاد المؤسسي الذي مورس على النساء.

كلشيء ثوري بالنسبة إلى أوليفروس، لا تتعامل مع الجمهور كمستمعين ولكن كفضاء محتمل، مساحة صامتة تريد استكشافها، طلبَت مرة من الجمهور أن يقرعوا الكؤوس، وينصتوا إلى هذا النمط الصوتي من التكرار في الصدى، وتطلب من العازفين الارتجال، في قاعة تحتضن أصواتهم وترجعها لآذانهم صدى، وطلبت منهم أن يتأملوا الصدى.

هل فهمت الأصوات كما تفهمها باولين أوليفروس، إذا شعرت باضطراب وتشوش، اخرج من منزلك، وتَمشَّ ليلًا في مناطق هادئة، طويلًا، واستمع، اترك نفسك لأذنك، وبتعبير أوليفروس "حتى تصبح قاع قدمك آذانًا".

هل أنا مفتون حقًا بالأصوات؟، أذهبُ إلى المطبح، أكتشفُ خرير الماء على الكؤوس والأطباق، ألعب بالملاعق بعضًا من الوقت، وأسكت فجأة لأكتشف: ضحكة طفلة جيران ذات ثلاث سنوات، خطوات متأنية على السلم، أبواق السيارات صادحة من الشارع،  كل هذا الزخم الصوتي حولي.

أمشي في الشوارع المزدحمة، أمشي آذانًا تسمع، صخب الكلاكسات، انفعالات نجمية وشمسية تخرج من إخوتي الكائنات الخائفة والمحبطة والعدائية، تقاطعها زقزقات العصافير كخلفية موسيقية مبهجة لسيمفونية غضبانة ومضطربة، أستمع أكثر، أضيع فيما أسمع، وأنسى نفسي، أستمع عمقًا، تتصدر الموسيقى الصامتة المبهجة هذا الصخب والغضب والاضطراب.

أهلا بكم في عالم باولين أوليفروس.

التعليقات

المقال التالي