حبّ الرجال: قصة فن ورغبة وشغف في نظرة امرأة إلى أجساد الرجال

حبّ الرجال: قصة فن ورغبة وشغف في نظرة امرأة إلى أجساد الرجال

يظل مفهوم الجسد على شاشة السينما إشكالية، ودائمًا مثَار الجدل، رغم أن المجتمع العربي يعرف بوضوح حقيقة نظرة الرجل للمرأة، المليئة بالرغبات الجنسية والشهوانية، ولكن فيلم "حب الرجال " للمخرج مهدي بن عطية، يأتي ليكسر القاعدة على هذا الشريط الجريء جدًا، حيث يلامس منطقة محظورة بصراحة فائقة، ويقدم تيمة غير معهودة في السينما التونسية والعربية عموماً.

"حُب الرجال" فيلم تونسي يُعرض حاليًا تجاريًا في فرنسا وتونس، ويشارك في مهرجان San Sebastian International Film Festival بدورته الـ66 بإسبانيا في 21 سبتمبر المقبل، وأيضًا ينتظر المشاركة في مهرجان Istanbul Film Festival بدورته 37 في نوفمبر 2018، ثم مهرجان مونتريال للسينما.

"L'Amour des Hommes' " أو حُب الرجال، يُظهر لأول مرة ثنائية الفن والرغبة والجنس لدى امرأة ويمنحها قوة وسلطة ناعمة عبر كاميرا التصوير، لتنظر لشأن حميمي شائك في أجساد الرجال بعيون نسوية.

ويروي الفيلم قصة مصورة فوتوغرافية تحمل الكاميرا وتجول في أحياء تونس القديمة لتقتحم عالم الرجال وتعري عدستها أجسادهم بطريقة فنية تخفي وراءها أبعاداً شهوانية.

حفصية حرزي بطلة الفيلم وتلعب دور أمال، توفي زوجها نبيل، فتوقفت عن التصوير إلا أنها وجدت مساندة من والد زوجها الممثل التونسي الشهير "رؤوف بن عمر" الذي دفعها لمواصلة مشوارها الفني والقيام بمعرضها، ولم يعارض تصوير الرجال باعتبارها فكرة فنية جديدة ومختلفة عن السائد.

والتقت بطلة الفيلم بالعديد من الرجال، وتنقلب الموازين وتسيطر الأنثى على جسد الرجل، فهي التي تجعل منه "موديل" تقوم بتصويره بشكل حميم وعارٍ وبأشكال ووضعيات مختلفة تحرض الإثارة الجنسية لديهم، وتتلصص كاميرا هذه المرأة الشابة على "فحولة" هؤلاء الرجال الذين تجيء بهم من الشارع.

"حُب الرجال " هو ثالث فيلم روائي للمؤلف والمخرج مهدي بن عطية، بعد فيلمي "The String" عام 2009، Je ne suis pas mort"" عام 2012.

أجرينا حوارًا مع مخرج "حب الرجال" عن تلك النظرة لجسد الرجل العاري في السينما التونسية والعربية.

مفهوم "الجسد في السينما" يظل إشكالية دائمة للمرأة، فما بالنا بقصة فيلم تدور حول أجساد الرجال. حدثنا عن تجربتك، وكيف وصلت لفكرة "حُب الرجال"؟

أعلم، هو من أفلام التابوهات، موضوعه شائك وجريء، أردت أن تنعكس الأدوار، حيث كرست السينما دائمًا لصورة واحدة فقط في إطار مفهوم الجسد على الشاشة، هي أن المرأة مفعول به والرجل هو الفاعل فقط. لذا قررت السير عكس اتجاه الحدوتة التقليدية، وأن نقدم في "حب الرجال" هذه المرأة الفنانة المصورة الجسورة والتي تتبادل الأدوار مع الرجال وتُعريهم لتصويرهم بكل جرأة، مثلما تعودوا تعرية النساء لتصويرهن. فيلمي يرصد بعمق نظرة المرأة الفنانة للرجال ويتوازى معها رغبة فنية وحسية مثلما يحدث مع الرجال في نظرتهم للنساء.

أقوال جاهزة

شارك غردتجعل من الرجل "موديل" تقوم بتصويره بشكل حميم وعارٍ وبوضعيات مختلفة تحرض الإثارة الجنسية لديهم، وتتلصص كاميرا هذه المرأة الشابة على "فحولة" هؤلاء الرجال الذين تجيء بهم من الشارع.

شارك غردنحكي دائمًا عن رغبة الرجل وليس رغبة المرأة، وهو يعود لنظرتنا الذكورية في المجتمعات المحافظة لوضعية المرأة وطبيعة الأدوار التي تلعبها، لذا تُصبح المرأة موصومة بالإباحية عندما تُعبر عن رغبتها الجسدية.

ألم تتخوف من جرأة الموضوع وصدامه مع المجتمع العربي المحافظ؟

لا، ولكن الفيلم كان بمثابة تحدٍ كبير، المجتمع العربي يُعاني من الازدواجية. أندهش أنه لا يمتعض من نظرة الرجل إلى الموديل السيدة العارية، وأن تتم مشاهدة هذا الطرح سينمائياً مئات المرات، ويلقى ترحيباً كبيرًا في كل مرة، ولكن كل هذا لم يكن شيِقًا بالنسبة لي، أن اقوم بتقديم أفكار مبتذلة مثل السائد.

وكنت حريصًا على تقديم " حب الرجال" بما يحمله من أفكار جريئة فى بلد عربي مسلم مثل تونس، ليحكي قصة إنسانية فنية عن رغبة سيدة مصورة في تصوير أجساد الرجال عارية، واستكشاف الجسد المثالي لمعرضها الفني، وتقديم نظرة مغايرة لتلك التي تؤمن فقط بأن الراجل هو الفاعل دائماً، وأن فكرة السيدة المسيطرة هي فكرة غربية وليست فكرة عربية، لذا كان هناك تحدٍ لنفسي ولهذه العادات التي لا يوافق بالضرورة عليها كل المجتمع.

ماذا قصدت من اقتحام " آمال" المصورة لعالم الرجال، وما الذي كانت تبحث عنه بصفة خاصة في تصوير أجسادهم؟

ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال، آمال فقدت زوجها، ربما إذا لم يمُت، لما كانت بدأت بحثها عن عالم الرجال، أو بدأت مشروعها في التصوير. هي لم تكن فقط تُصور الموديل الرجال الذين كانت تجلبهم من الشارع، بل كانت تقوم ببحث أكبر للإجابة عن تساؤلات بداخلها؛ حول كيف يُفكر الرجال، ومن هم الرجال، ربما كانت تبحث عن ذاتها أيضًا أثناء رحلة بحثها في الاقتراب من عالمهم.

قابلت آمال أكثر من رجل، رابح ثم قيس ثم سامي (الممثل رشدي بلقاسمي) الذي وجدت فيه ضالتها. لماذا سامي بالتحديد؟

لأن الآخرين لم يفهموا مغزى بحثها، قيس كان يتعامل معها بعدائية ويرفض هذه السيطرة التي تصنعها وضعية قيام امرأة بتصوير جسد رجل عارٍ، بينما (سامي) كان الرجل وليس الموديل الذي تبحث عنه آمال، واعتقدت أنها وجدته. "آمال" كانت تسير نحو مشروعها في التصوير، وليس البحث عن رجل واحد، ولكن كانت ترغب في أن تُثقف نفسها عن الرجال، وأن تصبح قادرة على التواصل معهم.

ولكن في مسار شغفها الفني بالبحث عن جسد مثالي، نجد رغبات جنسية تتعلق بنظرتها كأنثى لجسد الرجال، فهل كانت تبحث عن الحب أم الجنس؟

كانت تبحث عن الفن. هي فنانة مصورة، لم يكن بحثها الأساسي الجنس أو الحب، ولكن لا ننكر إنها كانت تنظر إلى أجساد الرجال من منطلق رغبة حقيقية موجودة بداخلها، ربما تكون الرغبة لها علاقة بالجنس، ولكن هذا ليس هو الأساس في رحلتها. فعلًا هي منجذبة للرجال، ولكنها لا تبحث بالضرورة عن الجنس أو زوج أو عشيق، ولكن على الأرجح كانت تعمل بحث ما، ولا يهم ما الذي كانت تبحث عنه، المهم أنها كانت تبحث. فالإجابة صعبة، هي مجرد مغامرة.

لم تتطرق أعمال كثيرة إن كانت أدبية أم سينمائية لنظرة المرأة لجسد الرجل، وظل هذا الفعل ذكوريًا مقترنًا بالرجال فقط،  لماذا عندما يفعل الرجل ذلك يكون مقبولًا وعندما تقوم به المرأة يُصبح إباحياً؟

لأننا نعاني من مشكلة حقيقية مع الرغبة وثقافة الجسد ليس في تونس فقط ولكن في المجتمع العربي بصفة عامة. نحن نحكي دائمًا عن رغبة الرجل وليس رغبة المرأة، وهو يعود لنظرتنا الذكورية في المجتمعات المحافظة لوضعية المراة وطبيعة الأدوار التي تلعبها، لذا تُصبح المرأة موصومة بالإباحية عندما تُعبر عن رغبتها الجسدية أو الجنسية مع شريكها.

ومن ثم هي إشكالية تعود للسيطرة، فالرجال ما زالوا يتمتعون في مجتمعاتنا الشرقية بسيطرة على النساء في أمور كثيرة، ومن ثم لو كن النساء يَحظيَن بمساواة حقيقية مع الرجال، لأصبحت لهن السلطة بأن ينظرن إلى أجساد الرجال مثلما يمتلك الرجال هذه السلطة.

تنجح "آمال" أثناء تصويرها للرجال في تعريتهم جسديًا ونفسيًا؟ لماذا قصدت أن تُبيِن هشاشتهم النفسية؟

لم أقصد تصوير هذه الهشاشة، بقدر توضيح الخفي الحقيقي، والتقرب من شخصياتهم وفِهمها بشكل أفضل، من خلال أجسادهم بواسطة عدسة تصوير كاميرا (آمال)، فالمرأة عندما تكشف نفسها للرجل، تقبل أن يُسيَطر عليها، وكذلك يَحدث الأمر نفسه للرجال، عندما تَعرى "سامي" من ملابسه لتصوره " آمال "، لِذا لم أتعمد إطلاقًا، إظهار الرجال ضِعافًا، ولكن حاولت أن أجد شيئًا جميًلا وحقيقيًا عنهم .

لماذا كانت البطلة تصور نفسها في موديلات مختلفة، بالحجاب تارة ومن دونه أحيانًا، ماذا قصدت؟

هي كانت تحُاول أن تتخيل نفسها في مواقف مؤثرة جدًا، وكأنها تسأل نفسها عن أي نوع من النساء هي أو ترغب أن تكون. كانت في رحلة بحث عن ذاتها، ثم توقفت بعد موت زوجها عن النظر لنفسها، وبدأت رحلة بحثها عن الآخرين، ووجهت عدسة كاميرتها تجاه الآخر، وخاصة الرجل، وظلت تُحافظ على استفهامها عن هويتها، وأيضاً هوية الرجال الذين تُقابلهم .

لو كن النساء يَحظيَن بمساواة حقيقية مع الرجال، لأصبحت لهن السلطة بأن ينظرن إلى أجساد الرجال مثلما يمتلك الرجال هذه السلطة.

هل تعتقد أن موجة التطرف هي التي تُسبب هذه الإزدواجية في التعاطي مع أجسادنا؟

من المؤكد أن بعض المسلمين المتطرفين يقفون بقوة تِجاه عملية التحرر، لدينا ثقافة في مجتمعنا العربي تميل للحفاظ على المعايير المزدوجة باستمرار، ولكني مؤمن أن الأشياء تميل للتغيير في ظل العولمة، رغم مقاومة المتطرفين والمحافظين لذلك.

واجه الفيلم اتهامات بالترويج للإباحية، بل وصلت التهديدات للقتل، لظهور رشدي بلقاسمي عاريًا تمامًا في الفيلم. حدثنا عن ذلك؟

لم نقدم فيلما إباحيًا أو pornography، وكل الجدل المُثار يعود لصحفية كانت تبحث عن فضيحة ولم تشاهد الفيلم أصلًا، وكتبت هذه المانشيت الذي لا يمت للفيلم بصلة، وكل من شاهد الفيلم فهم فكرته بوضوح.

أما عن التهديدات، فقد تلقاها الممثل رشدي بلقاسمي، على أيدي بعض الجماعات المتشددة، ولكني لم أتعرض لتهديد حتى الآن، إذ أحرص على إبقاء الأمور هادئة وتسير على ما يرام، وهي انتقادات كاذبة، والدليل أن الفيلم معروض بدور العرض السينمائية بتونس، ويحقق إيرادات جيدة جداً، وما زال يعرض أيضاً في باريس، وأتمنى عرضه قريباً عبر شركة توزيع في مصر ولبنان والمغرب.

ولكن هناك انتقادات بأن الفيلم يشوه صورة المرأة التونسية وأن وزارة الثقافة التونسية أهدرت تمويلها لدعم فيلمك، وخرج بلا رسالة سوى تقديم مشاهد جنسية وعارية في ظل غياب الرقابة. ما رأيك؟

من ينتقد الفيلم ويتهمه بأنه يقدم صورة سيئة عن تونس، لم يرَ الفيلم. وحتى لو الصورة التي قدمتها سيئة أو تشوه نساء تونس كما يزعم البعض، ليس مشكلة، دوري كمخرج "أن أحكي حاجة حقيقية عن شخصيات فيلمي وأبطال قصتي". وطبيعي أن أرفض الرقابة، لا بد أن تكون حرية الفكر والإبداع مكفولة لكل فنان.

ولكن ألا ترى أن المخرجين التونسيين في الفترة الأخيرة، يغازلون الغرب في أفلامهم التي دائماً ما تحمل المشاهد الجنسية الصريحة والتعري للتغريد فقط خارج السرب، وهو ما نشاهده في "حب الرجال" أيضًا؟

لا أصنع فيلمًا حتى يقبلني الغرب، لأنني لست مهتمًا بذلك، والدليل أن الغرب لا يريد صورة للعالم العربي مختلفة عن تلك التقليدية التي رسخت في أذهانهم ، حتى أن أبرز التعليقات التى تصلني يوميًا في أثناء عرض الفيلم بباريس، هي أنهم لم يصدقوا أن هناك امرأة عربية تصور الرجال وأجسادهم العارية، وأن الفيلم من مخيلتي وليس حقيقيًا.

وكل ما أردت تقديمه في الفيلم هو أن يرى الناس في بلادي تونس، أننا لسنا مُحاصرين دائمًا في نفس الصور التي نُقدم بها، وأننا قادرون على الوصول لمرحلة من الحرية والتحرر، وتقديم الأفكار الجديدة .

كيف تقبل الممثلون والممثلات فكرة الفيلم الجرئية، وكيف تفاعلوا بأريحية أثناء التصوير؟

لم أُرغِم ممثلًا على تصوير مشهد لا يرغبه، كل الممثلين كانوا متفهمين جدًا لرؤيتي، ومتحمسين لفكرة الفيلم، وعندما رفضت "حفصية حرزي" تمثيل مشاهد جنسية حميمية، احترمت رغبتها جدًا، وهي كانت ممثلة رائعة، وأزعم أن سبب نجاحها في أداء شخصية (آمال)، لأنه دور مطابق لها كشخص في الحقيقة، فهي امرأة لديها شغف وقدرة على تأمل وملاحظة الناس.

أما الممثلون الرجال لم يكن لديهم مشكلة نهائيًا، في تصوير مشاهد كتجرد مثلًا (رشدي بلقاسمي) من ملابسه والتصوير عارياً، بل استمتع الجميع بالتصوير، وساعدهم على ذلك تخلصهم من وضع أنفسهم في هذه الخانة الذكورية بأن الرجل يجب أن يكون مسيطرًا وليس المرأة، وهو ما جعل الجميع يشعر بالارتياح أثناء التصوير .

إلى أي مدى " حب الرجال" يُشبه تونس، المعروفة بالتنوع بين أِناس محافظة ومتدينة وأخرى متحررة. نجده في شخصية رؤوف بن عمر والد الزوج المتوفي، يُشجع (آمال) على مشروع تصويرها، بينما تنهرها الأم وتطردها؟

يُشبهها إلى حد كبير بالفعل، لم أسعَ لتقديم فيلم عن إمراة تُصور أجساد الرجال العارية في دولة عربية إسلامية مثل تونس وأن تظهر بالصورة التقليدية المتوقعة؛ إنها إمراة وحيدة والعالم ينبذها في هذا المجتمع المحافظ، ولكنها فضلت أن يكون هناك دعم من بعض أعضاء هذا المجتمع، وطبيعي أن يكون هناك آخرون ليسوا أصدقاء للفن والحرية، وهذه هى تونس على أرض الواقع، فيها من يرفض الفن وآخرون يجربون أشياء صعبة ومختلفة بل وجريئة جدًا. هذا هو التنوع الذي يجب أن نتمسك به.

كلمات مفتاحية
أفلام العري سينما

التعليقات

المقال التالي