الخيامية: "القصاقيص" البالية التي صنع منها المصريون فناً أصيلاً

الخيامية: "القصاقيص" البالية التي صنع منها المصريون فناً أصيلاً

قد لا يخطر ببال المأسورين بعروض التنورة في العالم شرقا وغربا أن تلك الأزياء بديعة الألوان وراءها سر وحكاية تكشف عن أصل فن مصري الهوية صنع من قصاصات الأقمشة البالية حتى دار العالم بأسره.

"الخيامية".. ذلك الفن المصري الأصيل، الذي يعتقد شعبياً بأنه ظهر في العصر الفاطمي مع انتشار التجار العرب الوافدين إلى مصر ممن يُبلي الزمن خيامهم، فتتدخل الأيدي المهرة لحياكتها وتطريزها بالقصاصات الملونة ثم تنطلق إلى آفاق أكثر رحابة برسم لوحات زخرفية بالقماش تحمل الزخارف من النقوش الإسلامية والكلمات العربية، ورسوم النباتات والرسوم الفرعونية.

السير في سوق الخيامية بمنطقة "تحت الربع" أحد أشهر أسواق القاهرة المسقوفة، كأنه نزهة في إحدى صفحات التاريخ الإسلامي فطراز المكان تزينه الأسقف الخشبية المرصعة بالنقوش الإسلامية والدكاكين لا تزال تحافظ على أبوابها الخشبية وجدرانها المصفوفة من حجارة تعود بتاريخها لمئات السنين.

ولا تستطيع أن توقف ناظريك عن بهجة الألوان التي ترسم لوحات القماش المعروض على جانبي الطريق، ولا تستطيع أن تمنع نفسك من دخول تلك المحلات لزينتها بمعروضها وعبق بنيانها.

أقوال جاهزة

شارك غردشارع الخيامية في منطقة "تحت الربع" أحد أشهر أسواق القاهرة المسقوفة، ومقصد لمحبي فن "الخيامية" المصري البديع

شارك غردفن "الخيامية" الذي تتحول به القصاصات البالية إلى لوحات قماشية بزخارف هندسية، ونقوش إسلامية وكلمات عربية ورسوم فرعونية

"بدأت من الرقعة حتى أصبحت تأخد شكلاً زخرفياً ومع تطور الزمن بدأت تأخذ شكل رسومات إسلامية.. زهرة اللوتس والخط العربي بجميع أنواعه"، بتلك الكلمات استهل أشرف هاشم، 56 عاماً، أحد أقدم صانعي المهنة، ويملك محال صغيرة بسوق الخيامية، حديثه عن الفن الفريد.

تابع أن الحكاية، في المخيلة الشعبية، تعود إلى العصر الفاطمي عندما حط التجار على مصر للترويج لبضاعتهم، وكانوا يخيمون لشهور، ما يجعل خيمهم تبلى، وهنا يأتي دور الصانع المصري، الذي بدأ معالجتها بالترقيع، أي حياكة قماش على القماش لإخفاء عيب أو قطع به، ثم طوره إلى فن بديع نسجته قطع القماش "القصاقيص" بخيوط من ألوان زاهية، فتطور ليروي حكايات ويتناول عصور قديمة كالعصر الفرعوني القديم.

جمعت الخيامية صناعها ف مهنة تطالبهم بأكثر من 10 ساعات يومياً، من تنسيق ألوان القماش وحياكتها بغرزات دقيقة ومتناغمة.

يروي "هاشم" أنه منذ بلوغه ستة أعوام سحرته ألوان الخيامية ورغم تلقيه تعليم جيد يغنيه عن ممارستها، إلا أنه اختارها كمهنة، وعزم على استكمال طريق حياته في صناعتها، "ورثت هذه المهنة عن عائلتي قبل 50 عاماً، ومنذ طفولتي بدأت أنبهر بها وبصانعيها وألوانها، وقمت بتقليدهم. فمرت سنوات وأصبحت أحد صانعيها".

"سر المهنة حبها" هذا ملخص الإبداع بالخيامية عند هاشم، واتفق معه عبدالله فتحي، 40 عاماً، الذي يعمل بالخيامية منذ 15 عقداً، حيث قال: "الشغلانة دي ألي ميحبهاش ميطلعش فيها حاجة"، مبرراً ذلك بأن عدد الساعات التي قد يستغرقها الصانع لإنتاج تابلوه "لوحة" واحدة تبلغ نحو أكثر من 10 ساعات، كما أنها تتطلب أن يتمتع صاحبها بالفن وإبداع الأفكار التي يجب أن تتجدد دائماً لتواكب تطور الزمن.

طوال سنوات تم الاستعانة بصناع الخيامية لينسجو بخيوط الذهب كسوة الكعبة لتنطلق من القاهرة إلى بلاد الحجاز في رحلة "المحمل" ليزينوا بيت الله الحرام بالآيات القرآنية كل عام، حتى توقفت تلك العادة ولكن ظل الصناع يغذون ورثتهم بتلك الذكرى ليستمروا في صناعة ليست مربحة كغيرها من الصناعات.

"الخيامية مش متشافة كويس"، تلك رؤية أجمع عليها عدد كبير من صناع الفن الأصيل.

أعرب فتحي عن استيائه لإكتشاف السياح للسوق -حيث صناعتهم- بالصدفة، مؤكداً على ضرورة أن يعمل القائمين على السياحة في مصر لإدراج السوق ضمن المزارات السياحية التي يضعها مرشدي السياحة في برنامجهم، لتعطي للسوق فرصة لأن "ينتعش ويكسب صناعه من فنهم". 

سعى صناع الخيامية طوال سنوات للمشاركة في معارض عالمية أملاً في الترويج لصناعتهم الفريدة، التي يري فتحي أنها "مهنة تتميز بها مصر عن أي دولة أخرى في العالم رغم محاولات فشلت لتقليدها".

بسبب شعبيتها، ظهرت محاولات لمنافسة إنتاج صناعة الخيامية اليدوية، بإنتاج ما يشبهها بماكينات حديثة، ولكنها لم تستطع مضاهاة الفن اليدوي المصري.

مؤخرًا ظهرت فنون الخيامية في ديكورات المنزل المصري من خلال النقش على المفروشات وغطاء الوسائد ومقاعد الاستقبال، إلا أن ذلك لم يؤثر على الإقبال على لوحات الخيامية التي تكسب قلب الزبون المصري والأجنبي معاً.

الفيديو في المقالة من إعداد الكاتبة. 

التعليقات

المقال التالي