تحوّل الرواية من عازف جاز حزين إلى راقصة ستريبتيز تتلوى حول عمود السرد بلا مبالاة

تحوّل الرواية من عازف جاز حزين إلى راقصة ستريبتيز تتلوى حول عمود السرد بلا مبالاة

هل توقفت الرواية عن انتاج المعنى، وبهذا دخلت في هرطقة شكلية ولم تعد تروي بل أصبحت تستعرض، وتحولت من عازف جاز حزين إلى راقصة ستريبتيز تتلوى حول عمود السرد وتعيد نفس العرض في كل العلب الليلية بنفس "الروح".

هل حولها واقعها المعاصر إلى "مومس" تعرض جسدها في الزحام لينتهك من أناس كثيرين مختلفين غير عابئة بطبقاتهم المعرفية والذهنية، مهملة تماماً سؤال الأصالة الابداعية عندهم؟

هل استبدلت الرواية قراءها بجمهور الهوليغانز؟

أو ليس هذا الوضع هو ما جعلها مستهدفة باعتبارها مثيرة للقرف ويتمنى لها النقاد الموت بسرعة لكي لا تحمل عاراً جديداً ويشمت فيها نيكولا بوالو في قبره، ذلك الذي هجاها في كتابه "فن الشعر" منذ نشأتها واعتبرها أمراً مقرفاً لا يمكن أن يرتقي إلى مرتبة الأدب؟

كانت الباحثة الفرنسية إيزابيل هوسير قد تنبأت سنة 2008 بنهاية الرواية مع هذا القرن، واعتبرت أن هذا الجنس الأدبي قد أعلن بداية نهايته من خلال علامات دالة على دخوله في مرحلة احتضار واضحة، وكانت قد حصرت في محاضرة قدمتها بدمشق في نفس السنة تلك العلامات في:

تراجع التخيلي فيها لصالح الواقعي والعقلي وظهور تقليد المقدمات والحواشي والتذييل والهوامش المصاحبة للرواية، وكأن الرواية لم تعد في استطاعتها التعبير عن نفسها بنفسها.

جون ماكسويل كويتزي

واندفع الروائيون أنفسهم إلى التأفف من هذا العمل، ومن انضباطيته وبحثهم الدؤوب عن حبكة وشخصيات وبنية، حتى قال جون ماكسويل كويتزي إنه كان مريض الرواية الجيدة مع حبكتها وشخصياتها وبنيتها.

وكان الأمريكي ليزلي فيدلر قد نبه من سنوات في مقاله" ماذا كان يعني موت الرواية"؟ أن الرواية في خطر كبير فهي لم تعد تكتب لتقرأ كفعل فردي حر والدليل أنها عندما تنشر وتوضع في المكتبات سرعان ما يأتي أصحابها ويحملون صناديقهم الخشبية التي وضعت فيها. ولكن الرواية تعود إلى الساحة من خلال تمظهرات أخرى كإدراجها في المقرر الدراسي وهكذا تصبح قراءتها أمراً إلزامياً أو تحويلها إلى فيلم وتتحول مشاهدته إلى أمر قريب من الإلزامي بفعل سطوة وماكينة السينما، فالروائيون "كأنما يكتبون روايات لكي تدرس وتحلل وتفسر أو لتعبأ وتباع في شباك التذاكر".

أقوال جاهزة

شارك غردلا خوف من الهوليغانز، الرواية ما زالت تحرس شباكها جيداً رغم إصابة حارس المرمى، ذلك الروائي الكلاسيكي الذي يكتب حتى يسقط في نوبة من الصرع كديستوفسكي أو يكتب حتى يشتعل فيرمي نفسه في غدير كما تولستوي.

شارك غردالرواية تتجدد وكلما ماتت خلية من خلاياها تجددها بأخرى مؤكدة بذلك أنها تجددت في منطقة أخرى، فالخلية لا تموت إنما تتجدد.

وهكذا أعلن فيدلر أن الرواية فعلاً ماتت كنوع أدبي ويسخر من روائيي "ما بعد الحداثة" الذين لم يعوا بعد أننا نعيش نهاية "ما بعد الرواية".

تمكنت الرواية الشعبية بتدفقها من القراء وحولتهم إلى جيوش للدفاع عنها، جيوش عنيفة أشبه بجماعات الهوليغنز. يقول ليزلي فيدلر: عندما حاولت عبثاً يوماً ما إقناع طالب معجب برواية "النورس لجوناثان بينينغستون" بابتذال الرواية، أجابني محتجاً "يا رجل، إنها غيرت حياتي". سمعت هذه العبارة كثيراً لكن لم أسمعها، حتى في أكثر ردود الفعل شراسة في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، عن "السفراء" و"الفردوس المفقود" أو رواية بارت "تائه في بيت التسلية".

ليزلي فيدلر

وإذا كان فدلر يؤكد أن الأنواع غير الأدبية مثل أدب الدعارة والخيال العلمي والروايات البوليسية هي التي سيطرت وهيمنت على الأعمال الأدبية وهذا ما يؤذن بنهاية الرواية كفن أدبي راق، فإن ميلان كونديرا يرى عكس ذلك ويعتبر أن الرواية لم تستوف كل طاقاتها وإنها تتطور من خلال الوعي بتاريخها. أي أنها تتجدد وكلما ماتت خلية من خلاياها تجددها بأخرى مؤكدة بذلك أنها تجددت في منطقة أخرى، فالخلية لا تموت إنما تتجدد.

غير أن ما يهدد الرواية هو ظاهرة الباست سيلر، التي لا تحركها قيمة الرواية بل ماكينة الدعاية وتجارة الكتب مما يجعل أغلب هذه النصوص المطروحة في السوق بصفتها باست سيلر هي الأضعف فنياً، فعبارة الباست سيلر كما يصفها الروائي الليبي ابراهيم الكوني "شهادات زور" والأخطر أنها لم تعد مدعومة من ماكينات السوق بل من ماكينات أيديولوجية دينية يمينية أو سياسية.

ولكن هل هذه ظاهرة جديدة؟ ألم تكن روايات الكارثة اليهودية والمنشغلة بكتابة الهولوكوست الأكثر مبيعاً منذ الحرب العالمية الثانية؟ ألم يمثل بعض الأدب الفلسطيني الأكثر رواجاً في فترة من الفترات بسبب تعلقه بالقضية الفلسطينية ويحميه ذلك الانتماء من النقد حتى صاح محمود درويش: "أرحمونا من هذا الحب القاسي"؟

محمود درويش

إن واقع ما بعد الحداثة الذي يفرض استهلاك الصورة بدل القيمة مما أنتج واقعاً جديداً فرض الممثل رونالد ريغن ليكون رئيساً لأمريكا وأرنولد شوارزنيغر مرشحاً لولاية كاليفورنا كما رأى ذلك  بيتر بروك في كتابه "الحداثة وما بعد الحداثة"، هو نفسه الواقع الذي يهدد الرواية وأجناس أدبية أخرى من وجوه الإعلام والفن الذين لا يفقهون شيئاً من هذا الفن ممارسة ولا معرفة لتاريخه.

فاندفعت وجوه الراب والسينما والمسابقات والأغاني لتقديم كتب تحمل علامة رواية فتغرق معارض الكتب بجمهور غريب عن الكتاب، جاء لأخذ توقيع من لاعب كرة القدم أو مغني الراب الذي تحول بقدرة قادر إلى روائي كما حدث مع  مغني الراب المصري "زاب ثروت" صاحب الكتاب البسيط "حبيبتي"، الذي قدم على أنه رواية وتقبل الإعلام ذلك وروج له على أنه حدث.

إن ما حدث يومها على عرضيته يمثل خطراً كبيراً لأن الناشر الذي باع من الكتاب الآلاف لن يتردد في نشر المزيد من تلك الهرطقات  ومن أناس خارجين عن الأدب وتلك الجماهير التي جاءت لأخذ توقيع من المغني ستتحول إلى كتلة صلبة تقف في وجه أي نقد لهذا المطرب أو غيره ممن ينتهكون الساحة الأدبية.

"ينبغي للإنسان ألا يكتب إلا إذا ترك بضعة من لحمه في الدواة كلما غمس فيها القلم" تولستوي

إن هذه الانحرافات الأدبية تؤسس بسرعة لجماهير خالية الذهن من أي مرجعيات جمالية تحمل عنف بعض جماهير كرة القدم وفجاجة جماهير الراب يخرجون مباشرة نحو معارض الكتاب. وسيجدون في استقبالهم مرتزقة الشو وسينظرون لهم ويجدون لهم أباء عنوة وسيكون بوب ديلان أيقونتهم المقبلة على بعده الكبير عما يرتكبون، وسيتمسكون فقط بالشبه بينهم وبينه في انتسابه لعالم الغناء.

وسيبحث أكثر نقادهم اطلاعاً على تاريخ ديفيد فوستر والاس ليذكر بالتاريخ الرياضي والفني للكاتب الأمريكي الكبير باعتباره كان لاعب تنس ومهتماً بالراب. كل ذلك يجعل الرواية في مأزق. كيف يمكن أن تصمد في وجه هذا كله؟ كيف يمكن أن تصمد جماهير الرواية الصغيرة في معاقلها في وجه هوليغانز الرواية المزيفة؟

هل عدم احتكام الرواية إلى مفهوم واضح سيتحول من مظهر قوة لها إلى مظهر من مظاهر ضعف لأنه سيكون نقطة ضعفها الذي سيجعلها مخترقة ومناعتها ضعيفة؟

إن قدرة الرواية على الاستيعاب هي التي تجعل بعض الروائيين يصمدون في قتالهم ضد هذا الاختراق بتوظيف نفس سلاح المخترقين أسوة بتاريخ الرواية نفسه ووصفة سيرفانتس باستغلال رواية الفروسية للاجهاز عليها واستغلال ارنستو ساباتو في روايته "النفق" الرواية البوليسية للسخرية منها وكتابة العمق الإنساني والفني وكذلك فعل أمبرتو ايكو في روايته "اسم الوردة" وبوكوفسكي في روايته "أدب رخيص".

لا خوف من الهوليغانز، الرواية ما زالت تحرس شباكها جيداً رغم إصابة حارس المرمى، ذلك الروائي الكلاسيكي الذي يكتب حتى يسقط في نوبة من الصرع كديستوفسكي أو يكتب حتى يشتعل فيرمي نفسه في غدير كما تولستوي ذلك الذي قال:"ينبغي للإنسان ألا يكتب إلا إذا ترك بضعة من لحمه في الدواة كلما غمس فيها القلم".

روائي وناقد - إعلامي تونسي. مدرب ورشات الكتابة الابداعية. kamelriahi.wordpress.com

كلمات مفتاحية
الثقافة الرواية

التعليقات

المقال التالي