أعمال عالمية تحكي للدنيا عن مصر القديمة

أعمال عالمية تحكي للدنيا عن مصر القديمة

بالتزامن مع افتتاح قناة السويس في نوفمبر 1869، افتتح الخديوي إسماعيل دار الأوبرا الخديوية بالقاهرة، وكان قد رتب لافتتاحها بعمل موسيقي ضخم يعبر عن مصر، يبهر الضيوف الأجانب الذين وفدوا إلى القاهرة، فكان الاتفاق مع الموسيقار الإيطالي الشهير فيردي لتأليف "أوبرا عايدة".

ولكن فيردي تأخر في تأليف "عايدة"، فتم الافتتاح بـ"أوبرا ريغوليتو"، ثم عرضت "عايدة" بالقاهرة عام 1871، بحسب المتواتر في كل المصادر تقريبا.

البعض قد لا يعلم أن "عايدة"، ليست العمل الموسيقي الكلاسيكي العالمي الوحيد أو الأول، المستلهم من الحضارة المصرية القديمة، وإنما عشرات الأعمال الكلاسيكية لعظماء من أمثال موزارت وهاندل وسترافنيسكي وغيرهم، جمع منهم الباحث نور الدين التميمي 50 عملا في كتابه "الإرث المفقود: كيف أثرت مصر في كلاسيكيات الموسيقى العالمية".

لماذا مصر؟

كانت الحضارة المصرية القديمة دوما ملهمة لشعوب العالم، بما حققته من إنجازات وما توصلت إليه من أفكار وعقائد، وكما يقال: مصر دائما تغزو غازيها؛ فثقافتها وحضارتها وفنونها تتغلغل في ثقافة الغازي وتمصّرها، يقول أستاذ التاريخ العربي والوثائق ووزير الثقافة المصري الأسبق الدكتور عماد أبوغازي.

ويضيف أبوغازي خلال تقديمه لكتاب "التميمي": منذ العصور القديمة غزا الإغريق ومن بعدهم الرومان مصر، وتغلغلت العقائد المصرية في العقائد الدينية للإغريق والرومان، وامتزجت الأساليب الفنية المصرية القديمة بالأساليب الهيلينية، وأنتجت نمطا فنيا جديدا، كما ظهرت الأساطير المصرية في إبداعات الإغريق والرومان الأدبية.

وهناك محاور ومسارات رئيسية للموضوعات التي صنع منها الموسيقيون الأوروبيون وغيرهم أعمالهم، نستطيع حصرها في التاريخ الديني، والعظمة السياسية والعسكرية، وقصص الحب، النيل والبيئة والأساطير، والاتصال المصري بأوروبا عن طريق الإغريق والرومان.

أرض التوحيد والأنبياء

تجمع الكثير من المصادر على أن أول دعوة للتوحيد وعبادة إله واحد - في مصر على الأقل- كانت في عهد إخناتون فرعون مصر أو ملكها (1335 عاما قبل الميلاد)، وذلك قبل رسالتي موسى وعيسى.

وكانت مصر مسرحا لدعوة النبي موسى وصراعه وبني إسرائيل مع فرعون، وكذلك كانت ملاذا للسيد المسيح والسيدة مريم، حين قدما من فلسطين، خوفا من مقتل يسوع، كما يعتقد المسيحيون، وقيل إن النبي إبراهيم أيضاً مر بها، كما شهدت مصر قصة النبي يوسف مع إخوته وأبيه النبي يعقوب.

كل ما سبق كان ملهما لعدد من الموسيقيين لإنتاج أعمال ضخمة تعبر عن تلك القصص وغيرها، نذكر منها:

أوبرا إخناتون

كتب نصها الموسيقي والغنائي الأمريكي فيليب جالاس، وتحكي قصة الفرعون المصري إخناتون (أمنحوتب الرابع)، زوج نيفرتيتي، ووالد الملك توت عنخ آمون، كأول من دعا إلى عبادة إله واحد في مصر القديمة، التي كانت تدين لآلهة متعددة يهيمن عليها الإله آمون.

وفي الأوبرا تظهر شخصيات إخناتون، ونفرتيتي، والملكة "تي" والدة إخناتون، و"حور محب" القائد العسكري الشهير، وكبير كهنة آمون، "آي" والد نفرتيتي ومستشار الفرعون.

كما يظهر معبد آمون (الإله الرئيسي في مصر) الذي يدخله إخناتون بعد تنصيبه ملكا ويدعو لعبادة الإله "آتون" وحده، والذي كانت ترمز إليه الشمس، ثم يؤسس "أخت آتون" كعاصمة جديدة لمصر (تل العمارنة حاليا) بدلا من طيبة (الأقصر)، لتصبح مركزا لعبادة الإله الواحد.

وفي العمل ينقل جالاس نصوصا وأناشيدا دينية من على جدران المعابد المصرية ويلحنها، كما يصور حالة الرخاء التي كان فيها إخناتون والأسرة الحاكمة، رغم الدسائس التي كانت تدبر لهم من كهنة آمون الذين فقدوا نفوذهم، وتنتهي حالة الرخاء بمقتل إخناتون وكل العائلة المالكة، ما عدا الابن توت الذي يعتلي العرش ويعيد عبادة آمون كما كانت.

أقوال جاهزة

شارك غرد"مصر دائما تغزو غازيها"؛ مقولة تشير إلى تغلغل ثقافة مصر وحضارتها وفنونها في ثقافات العالم التي انفتحت عليها

شارك غرد"أوبريت محكمة الفرعون" من الأعمال الفنية التي استوحت قصتها من مصر القديمة، وبالتحديد من قصة النبي يوسف وزوجة فرعون زليخة

يوسف: بين زليخة ولقاء يعقوب

ظهرت قصة النبي يوسف في مصر، خلال أكثر من عمل، منها، "أوبريت محكمة الفرعون" الذي كتب نصه الموسيقي فيسينتي ليو، وكتب النص الغنائي جواليرمو بين وميجيل دي بالسيوس، وهو أوبريت مستوحى من قصة النبي يوسف في الكتاب المقدس.

الأوبريت يحكي عن علاقة النبي يوسف بزوجة الفرعون "زليخة" والتي أدت إلى محاكمته، فيثبت براءته من التهمة المنسوبة إليه، ليعيد الفرعون الثقة به مرة أخرى.

وفي الأوبريت يظهر انتصار الفرعون على شعوب الشمال (الهكسوس)، ويبدو نفوذ يوسف وتحكمه في خزائن مصر، فقد كان بمثابة وزير المالية، وكذلك يبدو تسببه في دخول العبرانيين إلى مصر، بصفتهم أهله.

وفن الأوبريت هو نوع من المسرح الغنائي، يختلف عن "الأوبرا" في احتوائه على حوار كلامي بدلاً من الحوار الغنائي، وعلى أغانٍ بدلاً من الموسيقى البحتة، بالإضافة إلى اختلافات أخرى.

وعن يوسف أيضا ألف الفرنسي إيتيان ميول "أوبرا يوسف في مصر"، ووضع نصها الغنائي والدرامي ألكساندر دوفال، وقدمت لأول مرة في باريس عام 1807، والتي تحكي عن لقاء يوسف بإخوته وأبيه من جديد في مصر، بعد أن حاولوا التخلص منه وهو صغير.

موسى ومواجهة الفرعون وبني إسرائيل

حول النبي موسى دار أكثر من عمل، كأوبرا "موسى في مصر" لجواكينو روسيني، والتي عرضت لأول مرة على مسرح سان كارلوس في نابولي عام 1818، ونظرا لنجاحها أضاف لها مؤلفها فصولا إضافية، وأعيد عرضها عام 1827 تحت اسم "موسى والفرعون" أو "عبور البحر الأحمر".

الشخصيات الرئيسية في الأوبرا ضمت النبي موسى، فرعون العظيم، زوجة الفرعون "أمالتيا"، ابن الفرعون "أمينوفيس"، آرون "هارون" أخو موسى، أمينوفي "أخت موسى"، أوفيد "كاهن"، أوزوريس "كبير الكهنة".

تدور أحداث الأوبرا حول خروج موسى وبني إسرائيل من مصر، واضطهاد فرعون لهم وملاحقتهم حتى البحر الأحمر، وانشقاق البحر لعبور موسى ومن معه، وغرق فرعون الذي آمن بنبوة موسى في هذه اللحظة.

المسيح في مصر

رحلة العائلة المسيحية المقدسة إلى مصر، من الأمور التي تحظى بأهمية كبيرة في التاريخ المسيحي، وألف لها هيكتور برليوز مقطوعة موسيقية بعنوان "طفولة المسيح- L'enfance du Christ" وذلك عام 1850.

وكانت السيدة مريم ومعها يوسف النجار والطفل يسوع قد قدموا من فلسطين إلى مصر، هربا من اضطهاد الملك الروماني هيرود، بحسب المعتقد المسيحي.

كما ألف ماكس بروش عملا أوركستراليا غنائيا بعنوان "الرحلة إلى مصر" عام 1870 تناول فيه نفس الأمر، معتمدا على رواية رحلة السيد المسيح وأمه إلى مصر.

أول إمبراطورية في التاريخ

بجانب أن مصر هي أقدم دولة مركزية، ترجح كثير من المصادر أيضا أنها أول دولة تتوسع خارج حدودها وتكوّن امبراطورية، وكان ذلك على يد فراعنة (ملوك) عظام، خلد التاريخ أسماء الكثيرين منهم.

ومن الأعمال التي عبرت عن ذلك ما ألّفه لفولفغانغ أماديوس موزارت، أحد أشهر وأهم الموسيقيين الكلاسيكيين في التاريخ.

كُتب عمله عام 1773 وعرض لأول مرة في فيينا عام 1774، و تدور أحداثه حول فرعون مصر تحتمس الثالث (1425 ق.م) وكبير الكهنة، وصراع حول العرش والحب، مع عرض بانورامي لمصر في هذا العهد على 5 فصول.

هذا العهد الذي بلغت فيه الإمبراطورية المصرية ذروة مجدها، فقد اتسعت حدودها من أعالي نهر الفرات شمالا، مرورا بالشام كله، وحتى منابع النيل جنوبا، وسيطرت على الكثير من جزر البحر المتوسط، حتى لقب تحتمس بـ"نابليون الشرق"، و"أول امبراطور في التاريخ".

من الأعمال التي عبرت عن قوة الإمبراطورية المصرية "المارش الجنائزي للملك رمسيس العظيم" لسيريل سكوت الأديب والمؤلف الموسيقي الإنجليزي، الذي ألف العديد من الأعمال الموسيقية عن مصر الفرعونية، ومنها "في معبد ممفيس، برفقة مياه نهر النيل، أغنية القارب المصري، أرواح نهر النيل، والمارش الجنائزي للملك "رمسيس العظيم".

والمارش هو موسيقى عسكرية لا تتخللها كلمات في الأغلب الأعم.

كان رمسيس الثاني (1303 ق.م) من الملوك الذين شهدت مصر على أيديهم نهضة شاملة، وامتدت حملاته العسكرية إلى أقاصي الشام شمالا، وحتى جنوب النوبة (شمال السودان)، وتشهد المعابد والآثار العمرانية الباقية منذ عهده على نهضة علمية كبيرة شهدتها مصر في زمنه، ومن أبرزها معبد أبوسمبل الذي يحوي تمثالا له، تتعامد عليه الشمس مرتين كل عام، مرة في ذكرى ميلاد رمسيس وأخرى في ذكرى تتويجه ملكا على مصر، ما يدل على ما وصل إليه المصريون في هذا العهد من تقدم كبير في علم الفلك والهندسة.

انبهر سكوت برمسيس الثاني فألف مارش باسمه على آلة البيانو.

موسيقى لقصص حب خالدة

حفلت الحضارة المصرية القديمة بالعديد من قصص الحب الشهيرة، خلال دول وعصور مختلفة، ومنها قصص حب كليوباترا ملكة مصر مع يوليوس قيصر ومارك أنطونيو وغيرهما، وألف فريدريك هاندل "أوبرا يوليوس قيصر في مصر"، وتدور حول القصة التي جمعت القائد الروماني يوليوس بكليوباترا، وبها تصوير للحياة المصرية في العصر الروماني.

وترصد الأوبرا وصول قوات يوليوس قيصر من روما إلى ضفاف نهر النيل، وملابسات ما يصوّر على أنّه "إغواء" من قبل كليوباترا له، ثم الحب الذي جمعهما، وكذلك ترصد الحرب التي دارت بين جيشي كليوباترا وبطليموس الإغريقي، وهزيمة كليوباترا، ثم انتصارها على يد يوليوس قيصر.

وتنتهي الأوبرا في مشهد مهيب يرصد دخول كليوباترا وقيصر إلى الإسكندرية، وسط حشود بشرية غفيرة، وتتويج كليوباترا ملكة على مصر، وإعلان يوليوس قيصر حبه لها وتعهده بحمايتها وحماية مصر.

كانت مصر في هذا العهد جزءا من الدولة الرومانية، ولكنها كانت تحظى بحكم ذاتي.

وبعنوان "كليوباترا" ألف جول ماسيني أوبرا قدمت لأول مرة على مسرح مونت كارلو في فبراير 1914، وتدور حول الحب المشؤوم بين القائد الروماني مارك أنطونيو وكليوباترا، والتي انتهت بمقتله وانتحارها.

من القصص الشهيرة أيضا، التي تناولتها الأعمال الموسيقية، حكاية "تاهيس والراهب أثانايل"، والتي جسدها جول ماسيني في أوبرا "تاهيس". 

وقدمت الأوبرا لأول مرة في باريس عام 1894، وتدور أحداثها حول "تاهيس" الفتاة السكندرية اللعوب والراهب أثانايل، خلال حكم البيزنطيين لمصر، حيث تعمل "تاهيس" مومس تبيع جسدها لمن يريده، ويحاول الراهب أن يهديها إلى المسيحية.

تهتدي تاهيس إلى المسيحية وتسكن في دير بالإسكندرية، وحين كانت على وشك الموت، ووقتها أحس الراهب بحبه لها كأنثى -رغم أنه راهب- فقال لها إن كل ما علمه لها من قيم دينية مجرد أشياء ثانوية، وإن الحقيقة الوحيدة الباقية هي الحب الصادق، فترد عليه تاهيس وهي تحتضر: "أنا أرى السماء مفتوحة لي والملائكة يرحبون بقدومي إليهم"، وتموت تاهيس، وتنتهي الأوبرا.

سحر النيل والأرض والمعابد

الطبيعة المصرية وخاصة النيل، الذي أقيمت على ضفافه المعابد، كانت ملهمة للكثيرين، ومن أشهر ما كتب في هذا الأمر "باليه طقوس الربيع" لإيجور سترافنيسكي، والذي يروي قصة حول عشق الأرض والتضحية في سبيل قدوم فصل الربيع، وهو عبارة عن مجموعة طقوس روحية تؤديها مجموعات، تنتهي باختيار أضحية من بين الفتيات، وعلى الفتاة المختارة أن تضحي بنفسها في سبيل قدوم الربيع، وذلك بأن ترقص حتى الموت.

وهناك إجماع بين النقاد والمؤرخين أن سترافنيسكي استوحى الباليه من قصة عيد وفاء النيل في مصر، والطقوس التي كان يؤديها الفراعنة، حيث لم توجد حضارة تمارس مثل تلك الطقوس لقدوم الربيع في التاريخ سوى مصر، بحسب التميمي.

ويقول التميمي إن سترافنيسكي زار مصر عام 1913، وكان في حفل بقصر المانسترلي باشا بجزيرة منيل الروضة في قلب النيل، وبعد نهاية الحفل جلس أمام النيل في الظلام، وبعدها سافر إلى باريس وألف "طقوس الربيع" في نفس العام.

كذلك ألف الفرنسي كاميلي سان صا كونشيرتو "مصري"، وذلك بعد زيارته لمعبد الأقصر عام 1896، حيث انبهر بما رآه في زيارته.

والكونشيرتو هو مقطوعة موسيقية تؤدي البطولة فيها آلة واحدة أو اثنين أو ثلاثة فقط، وفي الخلفية قد يدعمها باقي الأوركسترا، ولكن تظل البطولة لآلة واحدة أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر.

الأساطير وشكل الحياة المصرية القديمة

بجانب الأعمال المذكورة السابقة والمستقاة من أحداث تاريخية حقيقية، هناك أيضا أعمال أسطورية امتزجت فيها الخرافة بالبيئة المصرية القديمة، ومنها "أوبرا الناي السحري" لموزارت، التي تحكي عن النزاع بين الخير والشر، بين الشياطين والحكماء، بين الرومانسية والقوة الخارقة، وذلك من خلال قصة الأمير المصري تامينو الذي أحب الفتاة بامينا، والذي انتصر على "ملكة الليل" الشريرة بدعم من "ساراستارو" حارس هيكل الحكمة، من أجل الزواج من حبيبته.

وكذلك أوبرا "العيد والحب والآلهة المصرية" لجون فيليب ريمو، والتي تتخللها مجموعة رقصات، وضمنها يتم تناول عملية التحنيط لجثث الموتى، بجانب أشياء أخرى، والتي قدمت لأول مرة في 15 مارس 1747 في فرساي بفرنسا، كما قدمت في حفل زواج وريث فرنسا بأميرة ساكسونيا ماريا جوزيف عام 1776.

ويبقى من أهم المحاور التي لا بدّ من ذكرها في هذا السياق، "الهوس بالحضارة المصرية القديمة ومظاهرها" أو ما يعرف بالـ"Egyptomania"، الذي بدأ عقب الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م، ووصل الولع إلى أوجه في أواخر القرن الـ19، وبداية القرن الـ20.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي