كباريت في حيفا: طلب البيرا بالعربيّة هو مقولة سياسيّة

كباريت في حيفا: طلب البيرا بالعربيّة هو مقولة سياسيّة

غالباً، عليك أن تسأل أحداً يعرف المكان كي تصل إليه لأوّل مرة، على الرغم من أنه يقع بالقرب من أحد الشوارع الرئيسية لحيفا.

في البلد التحتى، وبالقرب من شارع يافا، هنالك شارع فرعي، نقول له "زاروب"، ومنه مدخل إلى طريق قصير كأنه مهجور، في آخره مدخل إلى باحة صغيرة، فيها شجرة، تشبه باحات البيوت القديمة، على الجدران الكثير من الجرافيتي بالعربيّة، رسومات وجمل من أغانٍ متنوعة.

من الباحة، نرى باباً كبيراً، ندخله وننزل بعض الأدراج إلى الفضاء الرئيسي لـ "كباريت"، أوّل نادي ليلي فلسطيني في حيفا، والذي تأسّس عام 2015 في بيت عربي، فيه عواميد كبيرة في منتصف المكان، بلاط قديم، آثاث متنوّع، منصة عروض موسيقيّة، صور بالأبيض والأسود والألوان الباهتة لفنانين وفنانات عرب، من موسيقيّين/ات وممثلين/ات سينمائيّين/ات؛ محمود ياسين، نجلاء فتحي، عبد الحليم حافظ، فيروز، وغيرهم/ن.

وبإضاءة خفيفة، يستقبل "كباريت" زواره بوتيرة يوميّة، ما عدا يوم إجازة واحد، لعروض موسيقيّة لموسيقيّين/ات ومُسَطوِنين فلسطينيّين، حيث يشكّل "كباريت" أوّل المساحات الفلسطينيّة في حيفا الحاضنة للموسيقى الإلكترونيّة.

 

في ذكري لكلمة "مُسَطوِن"، وهي كلمة يستخدمها فلسطينيّون في المشهد الموسيقي في حيفا خاصّة، كانوا قد ابتكروها من "أسطوانة"، ككلمة عربيّة بديلة عن استخدام كلمة "دي جي". وهذه فرصة، لاستخدامها ضمن قصّة كباريت، الذي كان تأسيسه امتدادًا أيضًا للحالة الموسيقيّة الإلكترونيّة التي خلقها فريق "جزر" من المُسَطوِنين الفلسطينيّين، حيث يشكّل الفريق جزءًا أساسيًا من فضاء "كباريت"، ويعمل بالتعاون معه على استضافة موسيقيّين ومُسَطوِنين عالميّين.

مساحات عشوائيّة للحركة

 

في حديث مع عايد فضل، من فريق جزر وكباريت، عن السبب من وراء تأسيس المكان، قال: "كنا بحاجة إلى مكان لقضاء وقتنا في المدينة، على أن لا يكون مقهى أو مطعم، بلا منظومة الطاولات والجلوس في موقع واحد لوقت طويل، هدفنا كان بمنح مساحة للناس بأن تأتي للاختلاط والتعارف. أي، لا من نادل يصل إلى الطاولة ويسألك عن طلبك، وبالتالي، على الناس أن تذهب إلى البار وتطلب مشروبها وأكلها، مما يجعل الطاولات مساحة عشوائيّة للحركة.

التدخين ممنوع في الداخل، ولذلك على الناس أن تتحرك إلى الخارج، تدخن سيجارتها وتتعرف على مجموعة أخرى من الناس، وهكذا.. فالحركة بين الناس هي جزء أساسي من روح المكان".

وفقًا لعايد، وبالنسبة لطاقم كباريت، فالمساحة تهدف إلى إعطاء حيز للفنانين/ات الفلسطينيّين/ات في حيفا، في غياب منصات عروض مستقلّة يقدمون من خلالها فنّهم/ن بحريّة وبلا محدوديات وأي إملاءات من أحد، خاصّة في السياق السياسي للأراضي الـ48.

أكثر الأيام اكتظاظاً بالناس في "كباريت" هو يوم الخميس، لأنّه يوم السهر في حيفا ما قبل إجازة نهاية الأسبوع، يضم أحيانًا فرقًا موسيقيّة و/أو مُسَطوِنين/ات، مع منح والتأكيد على مساحة للرقص. البيرا والرقص والموسيقى، بمثابة ثلاثية مهمّة في "كباريت".

"نعم، نريد أن نرقص ونكون سعداء وبصوت عالٍ... بالعربية"

عن هذا يقول عايد: "يهدف كباريت أيضاً إلى منح مساحة للناس كي ترقص وتطلب بيرا باللغة العربيّة وبصوتٍ عالٍ، بحريّة وراحة تامّة. نعم، نريد أن نرقص ونكون سعداء وبصوت عالٍ.. مساحة لأن أرقص وأحكي مع صديقتي بالعربيّة، وهذه المساحة لم تُعطى لنا، نحن خلقناها لحاجاتنا إليها.. أن نرقص حتى الرابعة صباحًا بكل الحرية، أن تكون مساحة آمنة للمثليّين والمثليّات، أن تقبّل الشابة حبيبها براحة وحريّة، أن يحضن حبيبٌ حبيبه بلا خوف من الأحكام، هذا ضمن فضاء غير موسميّ، بل فيزيائي، موجود في المدينة ويستقبل الناس دائماً".

أقوال جاهزة

شارك غرد"كباريت" مساحة مستقلة للإبداع والحرية والموسيقى في حيفا، بلا محدوديات أو أي إملاءات من أحد، خاصّة في السياق السياسي للأراضي الـ48

شارك غردالجام هو نشاط موسيقي ارتجالي، يعتمد على لقاء موسيقيّين/ات، سواء محترفين/ات أم لا، لخلق موسيقى بشكل جماعي

فضاءٌ آمن للارتجال

يوميًا، هنالك برنامج موسيقي مختلف؛ يوم الأربعاء مخصص للجام الموسيقي، والجام هو نشاط موسيقي ارتجالي، يعتمد على لقاء موسيقيّين/ات، سواء محترفين/ات أو لا، لخلق موسيقى بشكل جماعي. عن الجام، يقول عايد فضل: "كان الجام من أوّل برامج كباريت. يأتي الناس برفقة آلاتهم وأصواتهم، يصعدون إلى منصة مفتوحة للغناء والعزف بشكل جماعي. فالجام هو مساحة للخلق المشترك، للتعارف بين الموسيقيّين/ات، والذي في كثير من الأحيان ينتج عنه مشاريع موسيقيّة مستمرة".

 

في حديث مع الموسيقيّة هيا زعاترة، إحدى منظمات الجام الموسيقي في "كباريت"، قالت أن "أهمية كباريت لا تقتصر على حيفا فقط، إنما هو فضاء مهمّ للفلسطينيّين والفلسطينيّات عامّة، كمساحة ثقافيّة وفنيّة ترفيهيّة فلسطينيّة مستقلّة"، وتتابع: "مما لا شكّ فيه، أن كباريت يمنح هامش حرية مختلف عن أماكن أخرى، لكنه ليس الوحيد.

أعتقد أن في حيفا خلال السنوات الأخيرة هنالك ظاهرة فيها تنوّع كبير تضمّ هذه الأماكن، الذي يمنح كلّ منه مساحة لأنواع حريات مختلفة، لجمهور هدف مختلف وأحيانًا مشترك، هذا التنوّع مهمّ جدًا لأنه يفتح المجال لإمكانيات اختيار حسب عوامل معيّنة متعلّقة بالفرد أو المجموعة. المساحة التي يمنحها كباريت من ناحيتي هي مساحة آمنة، قدر المستطاع، ومتقبّلة جدًا لجميع الهويّات بشتّى أنواعها".

مشاهد غير اعتياديّة

بالإضافة إلى الموسيقى الحيّة، يرتكز كباريت بأساسه على كونه فضاءً فلسطينيًا تحضر فيه الموسيقى الإلكترونيّة، حيث يرى عايد فضل بأنه لم يكن من قبل كباريت مساحة فلسطينية للموسيقى الإلكترونيّة تعبّر عن ذاتها.

ويضيف: "خاصّة بوجود منتجين موسيقيّين/ات ومُسَطوِنين/ات عرب يصنعون هذا النوع من الموسيقى، فجاء كباريت بجرأة وأسس نفسه، في ظلّ تخوّف اجتماعي من هذا النوع من الموسيقى في الفضاءات العربيّة، لكونها غير مقبولة على بعض فئات المجتمع.

بحضورها، يحمل كباريت مقولة التواصل مع مشاهد الأندرغراوند في العالم، التي لها علاقة مباشرة بالموسيقى الإلكترونيّة، كما حفلات الـ "rave" لساعات طويلة، حيث يأتي الفرد لوحده ويرقص لساعات من خلال حركات جسديّة غير اعتياديّة كنمط الرقص بين الأزواج، سواء امرأة ورجل أو رجل ورجل أو امرأة وامرأة، وبالتالي تتيح الموسيقى الإلكترونيّة هذه الإمكانيّة، وتوفّر مساحة فرديّة للرقص وتفريغ القلق والهموم".

 

فيما يتعلّق بالحضور الموسيقي في كباريت، الحيّ والإلكترونيّ، تقول هيا زعاترة: "شخصيًا، أستطيع أن أتحدث عن الموسيقى الحيّة أكثر من الإلكترونيّة، على الرغم من احتكاك واختلاط العالمين في السنوات الأخيرة. لكن بشكل عامّ، هنالك أهمية لأي حيّز قادر على احتواء موسيقى وموسيقيّين، وكباريت هو هذا المكان. كموسيقيّة، أستطيع أن أقول بأننا متعطشين لمثل هذا المكان وهذه المنصة، وكباريت يمنحنا إياها بتنوّع كبير وتجدّد دائم.

وحسب رأيي، هذا عامل مهمّ لضمان استمراريّة الثقافة والهويّة الفلسطينيّة وتواصلها مع العالم لإحضار فنانين عالميّين لها"، وتواصل: "كباريت هو حيّز ومنصة وكحول وطعام لذيذ، أتاح المكان لمواهب كثيرة بأن تظهر وتستمر بالإنتاج، سواء في حيفا أو خارجها. كباريت هو بيت بالنسبة لي، وبنفس الوقت، يهمني أن أكون حذرة بمشاعري تجاهه، لأنه من المهمّ أن نبقى واعين للظاهرة التي تحدث في حيفا، ورغم سهولة الوقوع في حبّها، يجب أن نراجعها دائمًا لضمان استمراريّتها". 

جسر بين حيفا والعالم

من فكرة الأولى لخلق مساحة للتعارف بين الناس في حيفا وخارجها، إلى منح منصة للعرض والتجريب الموسيقي، كان من المهم لكباريت أن يتواصل أيضًا مع الفلسطينيّين في أراضي الـ 67، كما وإلى استضافة موسيقيّين ومُسَطوِنين من العالم. فقد أسّس "مهرجاز"، وهو المهرجان الفلسطيني الأوّل لموسيقى الجاز، كما واستضاف كباريت المُسَطوِنين المعروفين نيكولاس جار ومحمت أصلان وفريق "آسيد آراب" ومجموعة من فرق الجاز وغيرهم.

عن هذا يقول عايد فضل: "التواصل العالمي الذي نجح كباريت بفعله، وضعنا كفلسطينيّين في حيفا على الخارطة، خاصة في ظلّ حملنا لجواز سفر إسرائيلي والصعوبات التي نواجهها. نحضر اليوم على مستويات ثقافيّة عربيّة وعالميّة عديدة، وذلك مبادراتنا وإرادتنا بأن نكون، أن نعيد وجود حيفا على الخارطة يمتد من حضورها الثقافي الذي كان ما قبل النكبة، نحن نواصل هذه المسيرة، الفلسطينيّون في حيفا يعيدون إحيائها ثقافيًا وإلى بناء الجسر بين حيفا والعالم الخارجي، من خلال طرق عديدة، منها خلق حيّز فلسطيني مستقلّ يمارس ثقافته بحريّة وبلا حدود ويستقبل الناس من العالم التي ترغب بأن تكون معنا وبيننا".

في حديث مع الموسيقي عدي مصري من رام الله، عن أهمية كباريت بالنسبة له كفلسطيني ومُسَطوِن، قال: "كفلسطيني وحامل لهويّة فلسطينيّة، أعتبر كباريت بيتي الثاني في الأراضي المحتلّة، وهو بمثابة حبّ التمسك بالوطن، لأنه يعطي مساحة لكل فنان فلسطيني بإحياء المشهد الموسيقيّ.

يمنح كباريت مساحة حرية غير موجودة في أي مكان بفلسطين، بما أنّه أوّل مساحة فلسطينية من هذا النوع، خاصّة في ظل رفض الكثير من الموسيقيّين أن يعرضوا في مساحات إسرائيليّة، لذلك أعطى كباريت المساحة لكثير من الموسيقيّين/ات بالاختلاط والتعارف، وأنا أحدهم، على الرغم من أني بالمشهد الموسيقي منذ العام 2006، لكن لم أكن لأتعرّف على الكثير من الناس والموسيقيّين لولا كباريت".

شجاعة كباريت وجمهوره

 

منح كباريت لمنصة موسيقيّة، هو أيضًا منح مغامرة التجريب، سواء للموسيقيّين/ات أنفسهم أو للجمهور الذي يصل المكان، من خلال اكتشاف أنواع موسيقيّة متنوعة، وتجريب مساحة حياة تحمل مقولات عديدة؛ سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة وجنسانيّة جريئة وواضحة وبلا تأتأة.

بعودة إلى التجريب الموسيقي، وفي حديث مع الموسيقي جورج قندلفت عن كباريت، قال: "كان من الصعب إحضار فكري الموسيقي الجديد إلى مجتمعنا العربي، الذي يضمّ العود الإلكتروني مع معدات معاصرة، ويُكسّر شكل العود الكلاسيكي التي تشبه رجلًا يلبس طربوشًا مع شنب طويل، لأن من الصعب على المجتمع تقبّل شكل العود الجديد مع الصوت الذي يمنحه. وكنت قد حاولت في الماضي أن أقدم موسيقاي مع العود الإلكتروني، وتعرّضت إلى نقد لاذع على شكل: شو هاد اللي عمّ تعمله بالعود؟!".

بعد أن تعرّف جورج على طاقم كباريت، قدّم عرضه الأول في المكان ضمن سلسلة عروض تحمل الاسم "كلاسلكي"، عن هذا يقول: "كنت متوترًا ومتشوقًا لتقديم هذه التجربة إلى مجتمعي، اكتظ كباريت بالجمهور المتنوّع، خلال وبعد العرض، تقبّل الجمهور التجربة ومنحني مساحة لأنطلق في تفكيري وعدم التقوقع في الصندوق، من خلال ربط كلاسيكيتي مع أسلاكي.

وفي لقائي مع هذا الجمهور، فهمت أن من لا يتقبّل فكري الموسيقي الجديد هو المحدود، والتشجيع الذي حظيت به، كان مهمًا لانطلاقي والتعبير عن مشاعري التي تستدعي الأصوات الإلكترونيّة الصاخبة. يرتاح الإنسان حين يجد شخصًا يستمع إلى صخب مشاعره. جمهور كباريت هو أوّل من احتوى مشاعري في البلاد لأخرج من هناك مطمئنًا".

 

رشا حلوة

صحافيّة فلسطينيّة متخصّصة في الصحافة الثّقافيّة، علم الاجتماع وعلوم الإنسان. وتعمل في مجال الإدارة الثّقافيّة ومدرّبة في مجال الإعلام الرقميّ.

التعليقات

المقال التالي