صفحات مدهشة من حياة بن غوريون في الدولة العثمانية

صفحات مدهشة من حياة بن غوريون في الدولة العثمانية

قد يندهش البعض عندما يعرفون أن مؤسس الدولة الإسرائيلية ديفيد بن غوريون قد عاش سنواتٍ مُهمة من حياته في تركيا، بل وفي أكثر مراحل حياته أهمية، وهي مرحلة تكوّن شخصيته وتشكّل هويته والتأسيس الثقافي والتعليمي والفكري والاجتماعي والسياسي له.

تكشف هذه المرحلة من حياته أسراراً مهمة عن شخصيّة ابن غوريون أولاً، كما تكشف أسراراً عن مفهوم الصهيونية في مرحلة من مراحل تاريخ الصهيونية ثانياً، وتحديداً لدى كبار الشخصيات الصهيونية التي شاركت في تأسيس الدولة الاسرائيلية مثل ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لدولة إسرائيل، وصديقه إسحاق بن زيفي الذي أصبح ثاني رئيس وزراء للدولة الإسرائيلية بعد بن غوريون.

ولعل اكتشاف مفهوم الصهيونية عند ابن غوريون وبن زيفي، من أكبر مؤسسي إسرائيل، وهما في الدولة العثمانية أكثر غرابة، فطموحات بن غوريون وبن زيفي كانت حمل التبعية العثمانية، والانتماء للمجتمع العثماني ومحبته والدفاع عنه، مثل أي مواطن عثماني بغض النظر عن انتمائه الديني أو القومي أو الاثني أو غيره.

ديفيد بن غوريون (يسار) وإسحاق بن زيفي (يمين)

هذا الكشف قد لا يكون من الممكن البناء عليه سياسياً الآن فقد تجاوز زمنه، ولكنه كان مُهمًّا في زمنه وعصره في بداية القرن العشرين، فالأرجح أن المشروع الصهيوني في ذلك الوقت لم يكن يخطط لإقامة دولة سياسية منفصلة ومستقلة عن الدول العثمانية، وإنما وطناً اجتماعياً، أو ملجأً أو مخيّماً خاصاً لليهود كملاذ آمن من اضطهاد الدول الأوروبية الشرقية والغربية معاً.

والأهم أن يكون اليهود فيه مواطنين يحملون التابعية العثمانية، وليس الجنسية الروسية ولا غيرها، فإذا صحّ ذلك فإن مسار الحركة الصهيونية كان يمكن له أن يتغير لو تم احتواء المفهوم الصهيوني لدى ابن غوريون وأمثاله من قبل الدولة العثمانية، حيث كان هؤلاء يفضلون التعاون مع الدولة العثمانية أكثر من تعاونهم مع الإنجليز والفرنسيين في ذلك الوقت.

أقوال جاهزة

شارك غردهل كان لمسار الحركة الصهيونية أن يتغير لو تم احتواء المفهوم الصهيوني لدى ابن غوريون وأمثاله من قبل الدولة العثمانية؟

شارك غردلم تكن هجرة اليهود إلى الدولة العثمانية حدثًا طارئاً بل كانت مستمرة منذ تأسيس الدولة العثمانية، وبالأخص بعد الاضطهاد الذي عاناه مسلمو ويهود الأندلس

ولد ديفيد بن غوريون في مقاطعة بلونسك في بولونيا في 16 تشرين أول عام 1886، التي كانت تابعةً للإمبراطورية الروسية في ذلك الوقت، وهاجر إلى الدولة العثمانية في عام 1906، وفي نفس العام هاجر إلى فلسطين أيضاً، ولكنه عاد إلى سيلانيك بتاريخ 7 تشرين الأول عام 1911، التي كانت تابعة للدولة العثمانية، ويقطنها مسلمون يوصفون بــ"الدونمة" كانوا يهوداً في السابق، ومعهم يهود بقوا على دينهم أيضاً.

ولا يوجد تفاصيل عن حياة ابن غوريون في الدولة العثمانية في السنوات الأولى، ولكن الأرجح أن من أهم أسباب هجرته هو الاضطهاد الذي كان يواجهه اليهود في بولندا وروسيا وشرق أوروبا كما كان الحال في غربها أيضاً.

وكذلك التأثير التربوي له، حيث كان والده جرينز يعمل كمحامٍ ورئيسًا لحركة "محبي صهيون" في بلونسك، إضافة إلى طموح ابن غوريون أن يجد بلداً يتمتّع فيها بالحرية الشخصية والحرية الدينية، حيث كانت السُّلطات الروسية قد اعتقلته مرتين وهو طالب في جامعة وأرسو عام 1905 بسبب نشاطه الصهيوني الماركسي منذ عام 1904، فكان لجوؤُهُ إلى الدولة العثمانية أشبه باللجوء السياسي للدولة العثمانية، حيث يشهد لها بن غوريون بالمحبة والتسامح والحرية الدينية لغير المسلمين.

ولذا سعى إلى حمل التابعية العثمانية، كما كان يدعو أصدقاءه اليهود إلى ذلك آنذاك، والأكثر دهشة من ذلك هو تقدمه في سنواتٍ لاحقة للتطوع في الجيش العثماني بوصفه مواطناً عثمانياً، ويسعى للتطوع في الحامية العثمانية العسكرية التي تدافع عن القدس ضدّ الاحتلال البريطاني إبّان الحرب العالمية الأولى، كما جاء في بعض المصادر التاريخية الإسرائيلية، مثل كتاب (ذكريات اسراي آفانت إسرائيل).

لم تكن هجرة اليهود إلى الدولة العثمانية حدثًا طارئاً بل كانت مستمرة منذ تأسيس الدولة العثمانية، وبالأخص بعد الاضطهاد الذي عاناه المسلمون واليهود بعد سقوط الأندلس، وقُدّرت العائلات اليهودية زمن السلطان الفاتح نحو ألفي عائلة يهودية في المنطقة التي أصبحت توصف حديثاً بالشرق الأوسط، حيث كانت تجد فيها الأمان والتسامح والحرية الدينية بين المسلمين.

ومنذ وصول بن غوريون إلى سيلانيك أخذ بدراسة اللغة التركية على يد معلّم يهودي، كما أخذ يعمل في الصحافة، ويرسل مقالاته إلى الصحف التي تناصر الصهيونية في فلسطين، ودخل جامعة اسطنبول عام 1912 لدراسة القانون، وحصل بعد عامين على درجة جامعية في القانون، وأخذ بالتّنقل بين تركيا وفلسطين حتى استقر في نيويورك عام 1915 وتزوج فيها وأصبح له أولاده الثلاثة.

وبعد صدور وعد بلفور عام 1917 التحق بن غوريون بالجيش البريطاني عام 1918 بالكتيبة 38 من الفيلق اليهودي في فلسطين، وفي فلسطين أسس عصابات صهيونية مسلحة لمقاتلة الفلسطينيين، وكان هو من أعلن بيان استقلال إسرائيل بتاريخ 15 آيار 1948، وكان أول رئيس للوزراء ووزير الحرب الإسرائيلي في الحكومة الإسرائيلية الأولى، وبقي في السلطة السياسية لعقد ونصف تقريباً حتى عام 1963، وتوفي في الأول من ديسمبر 1973.

في السنوات التي درس فيها بن غوريون في جامعة اسطنبول سكن في شارع توبجكنلار Topçekenler في منطقة بي أغلو قرب تقسيم في اسطنبول، وقد سكن فيه مع صديقه إسحاق بن زيفي، وقد تم العثور على عنوان السكن هذا من بطاقته الجامعية في اسطنبول، حيث كان يأخذ ابن غوريون إذن الاقامة وإذن الدراسة الجامعية من حكومة اسطنبول، ولا شك أن تلك المرحلة قد شهدت أحداثًا مهمة من تاريخ الدولة العثمانية أولاً، وما مثلته من مرحلة تأسيس لإعلان الجمهورية التركية بعد انتهاء الدولة العثمانية بتاريخ 30/10/1923 ثانياً.

وقد جاء قيد بن غوريون في دار الفنون "جامعة اسطنبول" البيانات التالية:

رقم السِجِل: 1244

الاسم والشهرة: دافيد غرين أفندي

اسم وشهرة الأب: آفغدور أفندي (Avigdor Efendi)

محل وتاريخ الولادة: (Plonsk (1887

العرق والجنسية: يهودي من روسيا

وكان من الأحداث المهمة التي وجد الباحثون أنها قد جذبت اهتمام بن غوريون أثناء وجوده في اسطنبول إعلان المشروطة الثانية عام 1908، وقد رأى ابن غوريون في تلك المرحلة أن اليهود الموجودين في مجلس النواب العثماني لم يكونوا ممثلين حقيقين على أتم وجه، ولذا قام بتعلم اللغة التركية من أجل المشاركة في انتخابات مجلس النواب، وكذلك وجد في بداية ذهابه إلى سيلانيك ما يفاجئه حيث وجد أن معظم الطلاب الذين يدرسون الحقوق متواجدين في مجالات الصناعة ويعملون في الميناء كبحّارة.

وقال في مذكراته: "لم أرَ يهودياً يعمل أعمالاً جسدية، فبدأت بتعلم اللغة التركية من يهودي في سيلانيك".

وأنهى هذه المهمة خلال أشهر قليلة ودعاه معلمه إلى الصهيونية فقبل، ودخل مجال السياسة دون أن يضيع الوقت، وبدأ بمتابعة الصحف العثمانية بما تعلمه من اللغة التركية وبدأ بكتابة وإرسال مقالات إلى مراكز الطباعة والنشر الصهيونية الموجودة في فلسطين.

وبعد أن قضى سنة كاملة في سلانيك قرّر الذهاب إلى قلب السياسة العثمانية إسطنبول مع صديقه إسحاق بن زيفي الذي أصبح رئيس وزراء إسرائيل لاحقاً، وفي تلك الحقبة كانت شروط الدخول إلى جامعة إسطنبول هي اجتياز امتحان باللغة العثمانية والأدب العثماني والجغرافيا والتاريخ ومادة المدخل إلى الحقوق.

كان مدير المدرسة هو الذي ينظم الدخول إلى هذه الامتحانات ولكنه لم يصدق بأنَّ دافيد بن غوريون قد تعلم اللغة التركية بثمانية أشهر، وبارك له بهذا الاجتهاد، كما أنه استطاع اجتياز هذه الامتحانات بنجاح، وكانت هناك صعوبات أخرى تنتظره وهي أن الحكومة التركية كانت تفرض على طلاب الجامعة أن يدخلوا العسكرية أولاً وبعدها يدخلوا إلى الجامعة، إلا أنه استطاع حل هذه المشكلة، ثم واجهته مشكلتان أخيرتان وهما: إذن التعلّم وإذن الإقامة واستطاع أيضاً حل هاتين المشكلتين عن طريق محامٍ محلي.

وفي تلك المرحلة كان العالم على موعد مع أخبار الحرب العالمية الأولى، وقد لفت نظر بن غوريون أن الجنود العثمانيين رغم انهماكهم بالحرب إلا أنهم لا يصبون جام غضبهم على الشعب في اسطنبول كما هو الحال عند الجنود الروس، وتأكد أن الأخبار التي كان يسمعها وهو في روسيا عن الأتراك كانت كاذبه، فقام بالرَّد على تلك الادعاءات الكاذبة المنتشرة حول الأتراك بقوله:

"عندما قرأنا الصحف الروسية تفاجئنا كثيراً حين كانت تقول: أن الأتراك يظلمون المسيح في إسطنبول حتى أنهم لا يستطيعون الخروج إلى الشوارع، وفي الحقيقة فإنَّ السكون والأمان يعمُّ جميع أرجاء المدينة بالرغم من مرور آلاف الجنود من خلالها ذاهبين إلى الجبهات، ولم أرَ هذا المشهد في روسيا حيث يمرُّ الجنود في إسطنبول إلى الأسواق من دون أن تسبِّب بأي ضرر ولكن الحال مختلفٌ جداً في روسيا إذ أن الجنود يقومون بتفريغ غضبهم على الناس أثناء مرورهم من الأسواق، وتُراق دماء هؤلاء الجنود الروس الذين تصفهم الصحف الروسية بأنهم أشداء ووحشيين في الجبهات". 

وعندما رأى دافيد بن غوريون أن طُلاب كلية الطّب يتم إرسالهم إلى الجبهات لمداواة الجرحى والمهندسون لبناء الجسور وسكك الحديد سأل نفسه: "ماذا يستطيع طلاب الحقوق والمحامون أن يقدّموا من أجل الحرب؟" وعندما كثر عدد الجرحى من الطلاب الجامعيين بدأ دافيد بن غوريون بالتّوتر والقلق من عدم استطاعته إكمال دراسته في إسطنبول فذهب إلى فلسطين لفترة ثم عاد الى إسطنبول في أذار 1915م منطلقاً من حيفا مارّاً ببيروت، واستمرت الحرب بسرعة فائقة في كل أرجاء العالم.
ويصف دافيد بن غوريون حال تركيا في تلك السنوات بالكلمات التالية:

"استمر الأتراك بشرب القهوة من فناجينهم، وكأن شيئاً لم يكن وإلى هذه الفترة، الجامعة مغلقة، وتكتظ الصفوف بالجرحى، ويبحث رئيس الجامعة على أبنية بديلة مؤقتة ريثما تجهز الجامعة للبدء من جديد، ولكننا نشك في استطاعته إيجاد هذه الأبنية".

وفي تلك الأحداث أرسل بن غوريون إلى أبيه مكتوباً قال فيه: "كل شيء في تركيا يسري بسكينة وهدوء، كما يعمّ التشاؤم على الصحافة والإعلام، وبدأت المخاوف بعد أن تأكد الناس بأنَّ الولايات الرومانية قد خسرت، وازدادت هذه المخاوف عند خسارة الولايات العربية خوفاً من ظهور خلافة جديدة في تلك المناطق".

وفي نيسان سنة 1913م بدأت الجامعات بالتعليم في البيوت الخاصة واضطر بن غوريون للحصول على وثيقة صحيّة تُثبت بأنه سليمٌ، ووثيقة تثبت أنه أخذ اللقاح من الحكومة في إسطنبول من أجل قبوله لدفع أقساط الجامعة، هذا وقد مرض في تلك الأيام بسبب أحوال الطقس في إسطنبول.

وقبل الامتحانات التي ستقام في شهر تموز شارك بن غوريون في المؤتمر الذي أقيم في فيينا حول الصهيونية.

وأما في الامتحانات فقد حصل على درجة 10 من 10 في امتحان الحقوق المدني والقانون الجزائي والقانون الإداري ودروس السياسة والاقتصاد والمالية، وحصل على درجة 9.5 في القانون الدولي، ودرجة 8 في القانون الدستوري.

هذا التفوق في الدراسة لابن غوريون جعل أستاذ مادة القانون الجزائي يقوم بدعوة الطلاب اليهود من روسيا إلى التعلم والدراسة في إسطنبول، وذلك بعدما رأى من نجاحات دافيد بن غوريون، وفي شهر تشرين الثاني بدأت المحاضرات من جديد، ووصل خبر إقامة إصلاحات في كلية الحقوق إلى بن غوريون عن طريق الصحف، وكان في الفصل الدراسي الجديد مادة القانون الروماني وفلسفة القانون والقانون المقارن والطب العدلي، كما يوجد هذا العام من بين المدرسين مدرّسٌ يهودي، ولكنه عندما بدأت الدروس تفاجأ بن غوريون بوجود مادتين جديدتين وهما الميراث والحقوق العامة.

وعندما أدرك أنه ليس بإمكانه تعلّم القانون الروماني بدون تعلم اللغة الرومانية، والذي يعتبر أساساً في القانون الحديث طلب من أبيه أن يرسل إليه (قاموس روسي لاتيني) وكتاب (قواعد اللغة اللاتينية) ومكتوب يشرح باللغة الروسية وكتاب قراءة لاتيني.

ولأنه يثق جيداً بأنه يتقن اللغة الفرنسية احتاج لأسابيع لتعلم اللغة اللاتينية، كما تفوّق في امتحانات سنة 1914م بأخذه الدرجة الكاملة في مادة الحقوق الإسلامية، وبعد أن تعب من الامتحانات ومرض مرات من طقس إسطنبول ذهب إلى فلسطين لقضاء عطلته هناك مع صديقه إسحاق بن زيفي ولكنهم لم يكونوا على دراية بما سيحدث هناك من حروب وتهجير.

لم تكن مغادرة بن غوريون لتركيا عام 1915 اختيارية، بل إن الأرجح أنه أضطر إلى ذلك بعد التهم التي وُجِّهت له بالمشاركة بنشاطات الحركة الصهيونية في فلسطين، والتي كانت الدولة العثمانية تنظر لها بالريبة والمعارضة والمقاومة.

لم تسمح ظُروف الدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة وبالأخص أثناء الحرب العالمية الأولى (1914_1919) وما قبلها بسنوات أن تفتح أعينها على خطورة الهجرات اليهودية إلى فلسطين عبر الأراضي التركية، أو عبر أي منفذ تابعٍ للدولة العثمانية براً أو بحراً.

وعلى فرض معرفتها بتلك الهجرات فإنها لم تكن تدرك مخاطرها على مستقبل فلسطين، حيث أن الدولة العثمانية كانت تنظر إلى فلسطين كجزء من أراضيها أولاً، ومما يحق لمواطنيها التنقل عبر أراضيها وداخلها دون قيود، فقد كان انتقال يهود الأناضول إلى فلسطين وعودتهم إلى تركيا حدثاً طبيعياً، وبالرغم مما له من معانٍ دينية لدى اليهود أو المسحيين أو المسلمين أيضاً، ولكن تزايد مخاطر الحركة الصهيونية كانت موضع حساسية وشعور بآثارها السلبية.

لقد كان الطلاب اليهود يذهبون إلى يافا بسفينة روسية فيها تخفيض للطلاب، وفي طريقهم وصلهم خبرُ إعلان الحرب بين النمسا والمجر في 28 حزيران من عام 1914، وجاءهم خبرٌ آخر وهو مقتل جيم جورس، وفي اليوم التالي أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا بمشاركة الإمبراطورية العثمانية في تشرين الأول 1914 وهذا الحال يجعل اليهود في فلسطين في موقف صعب؛ لأن أكثر هؤلاء اليهود هم من المواطنون الروس ويخافون من خطر التهجير.

وعقب ذلك اتخذ دافيد بن غوريون وإسحاق بن زيفي إثر ما أصاب اليهود الروس قراراً بأن يطالبوا بالجنسية العثمانية، ويؤسسوا وحدةً عسكرية يهودية للدفاع عن مدينة القدس في حال محاصرتها، وأن تبدأ هذه الوحدة العسكرية في التّدريب في الحديقة في أحد الكنائس الروسية، وبعد أن وصل هذا الخبر إلى جمال باشا قام بتفكيك هذه الوحدة العسكرية وأتى إلى القدس.

قام أحد قادة اليهود بإجراء مقابلة مع جمال باشا باللغة الفرنسية فقام جمال باشا بإعطاء وثيقة لليهودي مكتوبة باللغة التركية كي يوصلها إلى دافيد بن غوريون، وبحسب اعتقاد دافيد بن غوريون فإن حامل الرسالة لم يفهم ما بداخلها كونه لا يعرف اللغة التركية، واندهش بن غوريون مما كُتب في هذه الوثيقة كونها تبدأ بمدح اليهود ومدى تعامل الأتراك معهم بشكل جيد، وتؤكد هذه الوثيقة على أن اليهود الموجودين في فلسطين هم صهاينة، والصهاينة هم أعداء للدولة، وتقول الوثيقة أيضاً بأنه سيتم إعدام كل من توجد عنده وثيقةٌ وصحيفةٌ أو أي منشور صهيوني، وعمد جمال باشا على عدم التّوضيح والإفصاح عن محتوى الوثيقة أثناء الاجتماع، ولكنه طلب بعد الاجتماع أن تنشر هذه الوثيقة باللغة العبرية في القدس.

ولكن ديفيد بن غوريون أعطى قراراً بعدم طبع الخبر ونشره في الصحيفة، وبعد أن سمع جمال باشا بما فعله بن غوريون قام بنشرها بنفسه في الصحف وأدّى هذا الحال إلى ذعرٍ كبير بين اليهود لأن جمال باشا كان شديداً في معاقبة من يخالف أوامر الدولة، أو ثبت عليه خيانتها، فالوالي جمال باشا علّق المشانق في بيروت ودمشق لكل المخالفين لأوامر الدولة أو لمن اتهموا بالتعاون مع أعدائها من الدّول الأخرى، ويخاف اليهود بأن يفعل نفس الشيء ضد الصهيونية.

وبعد بضعة أيام تم اعتقال بن غوريون وإسحاق بن زيفي، وقام الأستاذ حسين بتهديد بن غوريون وسحبه للتحقيق باستخدام العنف، وبالرغم من ذلك لم يكن الاعتقال والحبس مشكلة كبيرة، فبالنسبة لهم يتم إعطاء الإذن للمسجونين في الأبنية الرسمية بالخروج إلى الحدائق ومقابلة الزائرين لهم، إضافة إلى هذا يمتلك الاثنان حصانة واحتراماً لأنهم طُلّابٌ من جامعة إسطنبول، ووقع جمال باشا على أمر نفيهم من الأراضي العثمانية بشرط عدم الرجوع إليها إلى الأبد.

وجاء في قرار مدير دار الفنون بحق بن غوريون: "عندما بات واضحاً بأن بقاء بن غوريون داخل حدود الدولة العثمانية سيعطي ضررا للمصالح العامة للإمبراطورية، تم اتخاذ قرارٍ بطرده من داخل حدود الدولة، وإلغاء قيده الدراسي، وتم إرسال هذا القرار من قبل الجهات العليا في المديرية الرابعة للجيش إلى المركز الإداري العسكري في القدس الشريف بتاريخ 12 صفر 1330، وتم إلغاء قيديه الدراسي في 5 اذار 1331".

وهذا يعني أن بن غوريون واسحاق بن زيفي قد تمت إدانتهما من قبل الدولة العثمانية، وأن الوالي العثماني جمال باشا تابع تطبيق ذلك القرار، ولم يعد أمامها إلا مغادرة الدولة جبراً، ولكنهما لم يستسلما أمام هذا القرار وحاولا ما يمكن تسميته بالاستئناف؛ فكتب دافيد بن غوريون وإسحاق بن زيفي عريضة إلى والي العسكر في القدس كي يوصلها إلى جمال باشا من أجل إلغاء هذا الأمر، وجاء في لائحة الاستئناف ما يلي:

"إلى حضرة الباشا ضابط الجيش الرابع ورئيس البحرية: تمّ إعلامُنا بأنه سيتم نفينا من الأراضي العثمانية بتهمة انتسابنا لعصابة سرية تعمل ضد منافع الدولة العثمانية، وقد حُرمنا من إكمال الدراسة في جامعة إسطنبول، كما أن الفعاليات التي قمنا بها والمبادئ التي دافعنا عنها كافية لإسقاط هذه التهمة في حقِّنا، فلم نكن ضمن أي منظمةٍ خارجة عن القانون إلا أننا كنا أعضاء في مجموعة صهيونية (بول زيون) وهذه المجموعة كغيرها من سائر المجموعات اليهودية كونها:

ـ ليست خارجة عن القانون.

ـ وتقوم بفعالياتها علناً.

ـ وليست بالشيء المؤذي لمنافع الدولة.

ـ أما صحيفتنا التي تعبر عن أفكارنا منذ خمس سنوات من قبل المفوضين يتم تسليم كل أسبوع نسخة للمفوضين.

أعضاء غرفة التحرير في الصحيفة

ـ أما فعالياتنا وأفكارنا وآمالنا تهدف إلى رفاهية اليهود المتواجدين في فلسطين، وهذا يعني أن هذا يخدم منافع الدولة العثمانية.

ـ وأن هؤلاء اليهود قد تركوا روسيا منذ ثمان سنوات، وقد ظُلموا هناك كثيراً واشتهروا بقصصهم الحزينة.

ـ وأتينا إلى هذه الدولة كي نكون تبعاً لها.

ـ ونحبها منذ طفولتنا، لأن التعامل الذي وجده اليهود فيها تعامل جيد، ويعتبر مثالاً للتعامل الحسن.

ـ ونحن لسنا مرتبطين في فلسطين فقط لأننا نحبها ولنا فيها روابط دينية، بل مرتبطين في الدولة العثمانية التي فتحت أبوابها لجميع اليهود.

ـ ولقد جئنا إلى إسطنبول من أجل إتمام دراستنا فتعلمنا اللغة التركية ودرسنا في كلية الحقوق.

ـ وبعبارة أخرى نحن قد ربطنا حياتنا ومستقبلنا بالدولة التركية والقانون العثماني.

ـ وقبل أن تنتهي امتحاناتنا بسبعة أشهر يعني وقت اندلاع الحرب تطوعنا مع الجيش التركي عند والي العساكر في القدس من أجل الاشتراك في الدفاع عن إخواننا العثمانيين، ولكن مع الأسف جُوبهنا بالرفض.

ـ ويمكنكم أن تتأكدوا من أنّ أفكارنا وتصرفاتنا كانت من أجل منافع الدولة العثمانية عن طريق متابعة صحيفتنا.

ـ وإن كنتم لا تزالون تعتبرونا مجموعة سرية مخالفة للدولة العثمانية فسبب هذا هو سوء فهمكم لنا.

ـ نحن نشعر دائماً بأننا مظلومون ومحتقرون بسبب تهديدنا بالنَّفي، ومن خلال هذه المعادلة تبين لنا بأن العثمانيين يعتبروننا غرباء.

ـ كما لدينا قناعة بأنّ لدينا الحق أن نكون من الأتباع العثمانيين.

ـ وإن كنتم تعتبرون أن ما فعلناه ذنباً وخطأً فنرجو منكم أن تعاقبونا كعثمانيين، ونحن جاهزون لأي عقاب ترونه مناسباً مهما كان ثقيلاً".

هذه الرسالة من بن غوريون وبن زيفي هي وثيقة تاريخيّة هامة تحتاج إلى دراسات معمقة، بكل مضامينها ومطالبها ومدى مصداقيتها ومدى مصداقية بن غوريون وبن زيفي أيضاً، فهل يمكن أن تكون صادقة في مضامينها؟ أم أنها مخادعة، أو حيلة زمنية فقط؟

وفي حالة كونها صادقةً وأن بن غوريون لم يكن يجد تعارضاً بين الانتماء للحركة الصهيونية وتشجيعها في فلسطين، والانتماء للتابعية العثمانية في نفس الوقت، فإن ذلك مؤشر على فهم خاص لابن غوريون وابن زيفي للحركة الصهيونية في ذلك الوقت.

هذه الأفكار تحتاج إلى مراجعة تاريخية معمقة ووثائقية، وقد أحال بن غوريون وبن زيفي الدولة العثمانية عبر الرسالة الموجهة للوالي جمال باشا النظر في الصحيفة التي كان يصدرها بن غوريون طوال خمس سنوات في الدولة العثمانية، والتي كان يسلم نسخًا منها للمفوضين العثمانيين المسؤولين عن ذلك، ففي رأي بن غوريون وبن زيفي أن فيها أدلة على مصداقية أقوالهما وادعاءاتهما، وأنهما يريدان حمل الجنسية العثمانية، ويريدان الدفاع عن الدولة العثمانية وغيرها من البنود كما سبق ذكره.

ولكن الذي حصل تاريخيًّا أن والي عساكر القدس لم يجرؤ على تسليم هذا المكتوب باليد إلى جمال باشا فأرسله عن طريق البريد، وبعد مرور فترة على مجيء الجواب ذهب إسحاق بن زيفي إلى المعاون الأول لجمال باشا والتقى معه فقال له: "أخبرني المعاون الأول لجمال باشا بأنه قد مزق رسالتك ورماها"، تعبيراً عن أن أمر النفي مازال نافذًا، كما تمّ حبسهم في يافا ريثما تأتي السفينة، وبعدها اعتقلت الجهات بن غوريون وإسحاق بن زيفي وهم في طريقهم إلى الإسكندرية في السفينة لأنهم اعتبروهم من التبعية العثمانية المعادية لهم، وانتهى حقّ الدراسة لابن غوريون في كلية القانون عندما انتهت الدولة العثمانية، كما جاء في الوثيقة السابقة.

إن المسؤولية التاريخية تستوجب قراءة موقف بن غوريون من الدولة العثمانية، ودراسة وثائقه وصحيفته، ولا بد أن في الأرشيف العثماني معلومات وافرة عن ذلك، وقد يكون فيها ما يفنّد الأفكار المذكورة في رسالة بن غوريون وبن زيفي للوالي جمال باشا، كما ينبغي دراسة الرسائل التي كان بن غوريون يرسلها لليهود في العالم، ومنها رسالة نشرها بن غوريون في جريدة تبنى إصدارها بعد نفيه من قبل جمال باش، يقول بن غوريون فيها:

"يا أبناء بلدي الأعزاء، أيها اليهود الأعزاء لا تنخدعوا بالإنجليز والفرنسيين، يتحدثون عن الديمقراطية والمساواة في بلادهم، إنهم صادقون فيما يقولون لكن ذلك في حقِّهم فقط، لم يمنحوا أية مساواة في مستعمراتهم، هناك استثناءٌ واحد، إنها الإمبراطورية العثمانية، جميع الأقليات التي تعيش فيها تحظى بحقوق متساوية دون النّظر إلى دينها وانتمائها، فلا تنخدعوا بدعايات الإنجليز والفرنسيين، وتسلَّحُوا وأسِّسوا قواتكم المسلحة، والتحقوا بالجيش العثماني، ودافعوا عن فلسطين ضد هؤلاء الغزاة!!"

وختاماً، وفي مقالة نشرت في جريدة شلوم الأسبوعية التركية حديثٌ عن القانون في دولة إسرائيل، وكيف أنها استمدت بعض مضامينها من مجلة الأحكام العدلية العثمانية، الأمر الذي يفتح تساؤلًا مفاده: كم ساهم بن غوريون وبن زيفي الحقوقيان على الطريقة العثمانية في بناء الهيكلية القانونية لدولة إسرائيل؟

كاتب وباحث تركي رئيس مركز شرقيات للبحوث.

التعليقات

المقال التالي