تعليقاً على الكاميرا الخفية التونسية "شالوم" ولعبة التطبيع الناعم

تعليقاً على الكاميرا الخفية التونسية "شالوم" ولعبة التطبيع الناعم

لأوّل مرة يتدخل القضاء التونسي بصفة استعجالية لإيقاف بث كاميرا خفية تمهد للتطبيع مع إسرائيل على خلفية شكاية تقدم بها حزب التيار الشعبي التونسي.

أثارت الكاميرا "شالوم" ضجة بالبلاد في مختلف الأوساط، ووصفت منذ بثّ حلقتها الأولى بدسّ السمّ في العسل وبالطبق المسموم على مائدة إفطار التونسي في شهر رمضان.

بقطع النظر عن الأسماء السياسية والفنية والرياضية والدينية التي وقعت في فخ قبول التطبيع أو رفضه في هذه الكاميرا الخفية، فإن توقيت بثّها خلال ذروة المشاهدة التلفزية عند الإفطار، وبحضور كل رموز "الهوية الإسرائيلية" أخرج هذا البرنامج من سياقه الفكاهي وزجّ به في متاهات جديدة تتشابك بين التبييض والتشويه واستحضار إسرائيل بشكل فاضح وإدخاله البيوت بجرأة غير مسبوقة.

هذا الملف كلما فتحته بعض الأطراف لجسّ نبض الشارع التونسي ومعرفة رأيه في التطبيع يثير الجدل ويُغلق في ظل تقديم الاعتذار أو تبرئة الذمّة واعتبار الاتهام بالتطبيع مجرّد هذيان وادّعاءات واتهامات باطلة.

شأنه في ذلك شأن ما حدث منذ سبع سنوات مع جوقة من الفنانين التونسيين تنقلوا للغناء في اسرائيل وهتفوا باسم نتانياهو وفضحتهم شبكات التواصل الاجتماعي، أو الندوة الشهيرة التي أحيتها دار الكتب الوطنية السنة الماضية تحت عنوان "الدولة المخادعة، السلطة و الدعاية النازية" بعد أسبوع فقط من إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل.

ومن بين من أحدثوا الصدمة بغنائهم في إسرائيل الفنان عبد الوهاب الحناشي المعروف بتمسّكه بالأغنية التونسية كلمة ولحنا وتوزيعا، وقاسم كافي أمير الأغنية الشعبية كما يحلو للتونسيين تسميته، والفنان الشعبي نورالدين الكحلاوي، والفنان محسن الشريف وهو من عُرف في الساحة الغنائية في تونس بتمسّكه بالطابع التونسي الأصيل في اللباس التقليدي كالجبّة التونسية والشاشية.

دون أن ننسى الصورة التي ظهر فيها أمير الطرب في تونس ونجمها صابر الرباعي مع جندي اسرائيلي بررها على مواقع التواصل الاجتماعي بأنه لم يكن يعلم هويته وأنه كان مجرد ضابط ربط بين المعابر.

كسر الحاجز النفسي

قال الأستاذ زهير حمدي أمين عام حزب التيار الشعبي التونسي صاحب رفع الدعوة القضائية على "شالوم" بأن هذا العمل الذي تبثه فضائية تونسية هو محاولة لكسر الحاجز النفسي للتطبيع وجس نبض الشارع التونسي، يدخل في سياق مرحلة كاملة في منطقة الصراع العربي الاسرائيلي.

واعتبر "شالوم " أجندا للتنفيذ بالبلاد عبر من باعوا ذممهم من الإعلاميين والمنتجين، وما يحدث في رأيه ليس تطبيعا بل هو خيانة تستوجب المحاكمة بمقتضى القانون الجنائي لأنّ الفريق المساهم في إعدادها من الفكرة إلى البثّ "أخلّوا بمبدأ حماية الأمن القومي التونسي واستهدفوا السيادة الوطنية ". وعبر عن حزنه الشديد لما يحدث مؤكدا بقوله "المسألة لا تفاوض فيها، الموت ولا التطبيع وهذه عقيدة راسخة، وأسباب رفض مشروع قانون التطبيع في تونس أصبح واضحا وهو أن كل حكومة تصادق عليه تنتهي سياسيا فهم يأتمرون بأوامر خارجية لأجل الكراسي".

أقوال جاهزة

شارك غردكلما فتح ملف التطبيع من أطراف سياسية لجسّ نبض الشارع التونسي، تهبّ عاصفة من الجدل ويتم إغلاقه في ظل تقديم الاعتذار أو تبرئة الذمّة

السم في العسل

اعتبرت النائبة بمجلس نواب الشعب عن الجبهة الشعبية الأستاذة مباركة البراهمي البرنامج يندرج في إطار التطبيع مع الصهاينة، وهو عمل وصفته بالمشبوه مستنكرة برمجته "في شهر فضيل من المفروض أن يدعى فيه للمضطهدين في العالم وليس لتمجيد من يسفكون دماء الأبرياء غصباً".

وعبّرت عن رفضها مثل هذه البرامج التي تدسّ السم في الدّسم بقولها "حتى من باب التمثيل والدعابة والدراما الهزلية فإن الفكرة مرفوضة، ففي ذلك إهانة للنضالات الفلسطينية وجرحهم الذي مازال مفتوحا بعد جريمة نقل السفارة الاسرائيلية إلى القدس".

كما عبرت عن استغرابها من تورّط بعض الفضائيات ووسائل الإعلام في التطبيع بدل الضغط على الحكومة ومجلس نواب الشعب لتجريمه. واعتبرت إيقاف بث الحلقات المتبقية بقرار من القضاء التونسي يدخل في إطار لملمة الجرح الفلسطيني النّازف بدل تعميقه واحترام نضالات الشعب التونسي وثورة 14 يناير التي رفع فيها شعارات تحرير فلسطين لا استقبال هؤلاء الحاخامات في البيوت التونسية.

لم تقتصر مهاجمة الكاميرا الخفية على أوساط سياسية أو ثقافية معينة ولا حتى إعلامية، فالشارع التونسي اهتزّ لعلم اسرائيل وصورة الحاخام الاسرائيلي تقتحم بيته في سابقة أولى من نوعها وبات يطرح جملة من الأسئلة الحائرة والغامضة.

وقد تبدّد هذا الغموض بهبّة احتجاج قوية في مختلف الأوساط كانت قوّة ضاغطة على القضاء أدت إلى إيقاف بثّ بقية الحلقات، وتصنيف العمل بالدّاعي للتطبيع والمحرّض على استفزاز مشاعر الفلسطينيين في وقت مازال جرح نقل السّفارة ينزف.

حتى أنّ الممثل التونسي الشاذلي العرفاوي الذي قام بدور الحرس الأمني المرافق في هذه الكاميرا اعتذر وعبّر عن ندمه وتبرّأ من الدّور و أكّد علنا أنه لم يكن يعلم الخلفية الكامنة وراء هذا العمل.

كما صرّح أن ما حدث سيكون بمثابة الدّرس القاسي حتى لا يتسرّع مستقبلا في قبول أيّ دور حتى يدرسه جيدا ويتعرّف على كل الأطراف المشاركة والمساهمة فيه. وعبّر عن استغرابه من اللعب بالمونتاج بعد تصوير الحلقات مع الضيوف، وهو ما يؤكد اتهامات من وقعوا في فخ التطبيع من ممثلين ورياضيين وسياسيين العمل بالفبركة، وعلى رأسهم نجم الكوميديا في تونس رؤوف بن يغلان.

إذ هددّ هذا الأخير باللجوء إلى القضاء لو تم التلاعب بمضمون الحلقة، وقال إن الفريق العامل تعمّد استدراجه وإغرائه بالمال لعرض مسرحيته "إرهابي إلا ربع" في أكثر من بلد عربي وأوروبي في تلك الحلقة مقابل عرضها في اسرائيل لكنه رفض حقيبة المليارات. ليخرج من فيلا التصوير ويفاجأ بتصريح إذاعي لمقدّم الكاميرا يضعه في قائمة "الخونة" الراغبين في التطبيع لأجل الدولار.

وأفادنا بن يغلان أنه يحترم نضالات الشعب الفلسطيني وجرحه والقضية عن اقتناع غير قابلة للمساومة.

تجريم التطبيع في تونس

رئيس الجمعية التونسية لدعم المقاومة العربية ومناهضة التطبيع الأستاذ أحمد كحلاوي انتقد الحكومات التونسية المتعاقبة على امتداد 8 سنوات ورفضها المصادقة على مشروع قانون تجريم التطبيع، إذ مباشرة بعد الثورة عرضت الجمعية على البرلمان مشروع فصل دستوري يجرّم التطبيع نصه الآتي: "من يقيم علاقات مع إسرائيل يرتكب جريمة يعاقب عليها بقانون".

وقد تضمنت أول مسودّة للدستور الجديد أواخر 2013 هذا الفصل لكن رفض في ظل وعود واهية بإعداد قانون خاص يقضي بتجريم التطبيع لكن بعد إعداده رفضت المصادقة عليه.

وبين أن أجندا التطبيع في تونس خرجت إلى العلن من خلال الرموز الظاهرة لإسرائيل في الكاميرا الخفية كالحاخام وعلم إسرائيل والممثل التونسي الذي ظهر في هوية إسرائيلية كاملة في وقت يشعر فيه التونسي بالوجع والإحباط والضغط ويحتاج فيه إلى النكتة والترويح عن النفس.

وذكّر بموقف تونس من القضية الفلسطينية وهي ليست عاطفية في رأيه بل هي مسألة هوية وانتماء إلى أمة واحدة. وحذّر من سقوط المبادئ بسبب الدولار، ودعا إلى التماسك أمام كل المغريات في هذا الظرف الاقتصادي الصعب الذي تمرّ به البلاد. 

فبركة مقصودة؟

أحد السياسيين الذين وقعوا في فخّ هذه الكاميرا الأستاذ عبد الرؤوف العيادي قال إنه وقع استدراجه قصداً لتشويه نضالاته ضد الأنظمة السّابقة كمعارض. واعتبرها من الأعمال المأجورة للتشويه القصدي. مؤكدا أنّه رفض حقيبة المال أثناء التصوير وغادر الفيلا الفخمة لكن تم ارجاعه بالسّلاح من الباب الخارجي ومُنع من استعمال هاتفه لطلب النّجدة.

فوجد نفسه في ورطة الاغتيال ورفض حتى تناول الماء الذي قدموه خلال اللقاء مخافة أن يحتوي على مخدّر فهو كما حدّثنا بين "يدي العدو"، وقال "موقفي لا يتغير لكن التهديد والهرْسلة، كنت في وضع نفسي صعب فهم أقنعوني أنني في مقر سري لسفارة اسرائيلية، وشددوا على ضرورة موافقتي بالتعامل معهم ووجدتني مع عدو يحيط بي من كل جانب".

واتهم البرنامج بالفبركة إذ عمد إلى إخفاء كل هذه التفاصيل عند بثّ الحلقة لتأليب الرأي العام ضدّه. وأكد أن التمويل المشبوه يقف وراء كاميرا "شالوم" الخفية لتمرير مشروع التطبيع علناً بالبلاد بعدما كان يدار في الظلام.

وتساءل: من أين لهم كل هذه الأموال الضخمة لتسويغ فيلا فخمة بـ3 آلاف دينار تونسي في اليوم الواحد لتصوير الحلقات وكراء أسطول السيارات الفاخرة؟

واعتبر من شاركوا في هذه الكاميرا "جنود تطبيع" في إطار خطة استخباراتية. وأفاد أنه رفع ضد الفريق العامل والفضائية الخاصة قضية قانونية لتبرئته من حملة التخوين التي استهدفته حسب تعبيره.

في ردّها على كل هذه الاتهامات التي لم تعد مجرّد زوبعة في فنجان بعد قرار القضاء إيقاف بثّها، قالت المنتجة ألفة العبيدي بأن منطلق الفكرة في هذا العمل الرمضاني الدرامي جاءت بعد تصوير كاميرا خفية بعنوان الصدمة في رمضان الماضي لقناة "mbc".

وكان من ضمن المواضيع موضوع التطبيع مع سلع اسرائيلية وقد تبين أن التونسي كان رافضا لشرائها.

وأضافت إنه بعد إعلان ترامب خبر نقل السفارة الإسرائيلية إلى القدس تقرر التصوير مع السياسيين والفنانين والرياضيين لإيصال موقف مشرف للسياسيين من باب الاقتناع بأنهم يرفضون التطبيع قطعا بعدما رفضه المواطن. وذلك بالاعتماد على ممثلين يقومون بدور شخصيات من الكيان الصهيوني مع ممثل يتولّى دور العميل الاسرائيلي يعرض مبالغ مالية كبيرة على شخصيات سياسية وثقافية ورياضية وإعلامية تونسية، لافتكاك موقف منها تجاه إسرائيل واختبار مدى وطنيتهم خاصة منهم من عرفوا بمواقفهم المعادية.

لكن هذه الكاميرا كما قالت عرّتهم وفضحتهم فعكسوا الهجوم وتراجعوا عن مواقفهم. إذ حصل ما لم يكن في الحسبان حسب تعبيرها مما مثّل صدمة كبيرة، فمن توقعوا رفضهم للتطبيع مثل نائب مجلس نواب الشعب عمار عمْروسية الذي اشتهر بتمزيقه علم اسرائيل في المجلس والسياسي رؤوف العيادي وافقا على التعامل مع اسرائيل في حين تمسك آخرون بموقف مشرّف. إذ قال الأوّل في ردّه على استعداده للتعامل مع اسرائيل "أستشير الجبهة الشعبية "(الحزب الذي ينتمي إليه وهو حزب يساري معارض) وردّ الثاني أي العيادي بقوله "ليست لنا مشكلة مع إسرائيل".

وأفادت المنتجة "أنا في حالة اكتئاب نتيجة صدمة المناضلين الزائفين كنت أتصور أنهم سيرفعون رؤوسنا بالرفض بكل قوّة لكنهم نكسونا وعلينا أن نقبل العزاء فيهم. ومن يتعلل بالضغط عليه ورفع السلاح في وجهه نردّ بأن المواقف الصحيحة لا تتغير ولو كانت الرقبة تحت حدّ السكين".

أما عن تمويل هذا العمل فقد أجابت بأنه ذاتي نصفه بصكوك بنكية.

ولكن، بعيداً عن أسباب فريق العمل، هل وظيفة البرامج التلفزيونية "فضح" السياسيين؟ وهل يحقّ لها إقحام المشاهدين بقضايا إشكالية لمجرد أنهم اختاروا محطة معينة على التلفاز لترفه عنهم في ليلة رمضانية هادئة؟

التعليقات

المقال التالي