أحتمي بالسلطة لأهاجم رجالها.. نظرية موليير التي يتبعها عادل إمام منذ "شاهد ما شافش حاجة"

أحتمي بالسلطة لأهاجم رجالها.. نظرية موليير التي يتبعها عادل إمام منذ "شاهد ما شافش حاجة"

وزير فاسد تاريخه زاخر بالمتاجرة في أرواح البشر من خلال الاشتراك في صفقة أدوية مغشوشة، عضو مجلس نواب يقوم بالاتجار في المخدرات، ودار أيتام تتاجر في الأطفال وتشكل عصابة لخطفهم، تلك هي النماذج التي عرضها الفنان عادل إمام حتى الآن في مسلسله الرمضاني الأخير «عوالم خفية» الذي يجسد فيه دور صحفي يكشف تلك الشبكة من الفساد.

ورغم أن بعض قضايا الفساد في المسلسل تعود إلى عام 1996، أي في عصر الرئيس الأسبق «مبارك»، فإن الحلقات أيضًا تشير إلى استمرارها دون أي تغيير، بما يعني أن الفساد مستمر في الوقت الحالي، لكن  ذلك ما يقدمه عادل إمام في عمله الفني الجديد يتعارض مع آرائه في النظام الحالي وما يحدث الآن.

ففي لقائه مع «السيسي» ضمن لقاء الرئيس مع الفنانين 2016، أكد «الزعيم» أن الله يحب المصريين بدليل وجود رجل مثل «السيسي»، وأن البلاد ليست منهارة كما يروج البعض، بل إنها «جميلة» ولا يوجد ما يستدعي القلق، مؤكدًا أيضًا أن القوات المسلحة المصرية كانت دائمًا مهد لتخريج رجال يهتمون بالثقافة والفنون، وأن البلد تعافت من فسادها.

وحديث عادل إمام لم يكن مجرد كلمات بل أكده بأفعال مثل انتخاب الرئيس السيسي في الانتخابات الرئاسية عام 2014 كما أوضح بذلك في تصريحات صحفية، وشارك في انتخابات 2018 التي أجريت قبل شهور.

أقوال جاهزة

شارك غردفي الوقت الذي كان الزعيم ينتقد موكب رئيس الجمهورية ما جعل الرقابة تطلب حذفها من شاهد ما شافش حاجة، يوجه دعوة لأسرة السادات لحضور عرض المسرحية ولم تتكلم الرقابة بعدها.

شارك غردأخرجوا أفلاماً مثل «الإرهاب والكباب - اللعب مع الكبار- طيور الظلام» وهي أفلام بها من الجرعة السياسية ما لم يكن يسمح به نظام «مبارك» ولولا علاقات عادل إمام بالرئيس لما سمحت الرقابة بذلك.

تلك الازدواجية التي لازمت «الزعيم» لم تكن من قبيل الصدفة أو حتى وليدة اللحظة الحالية، بل هي إستراتيجية ينتهجها عادل إمام منذ عصر السادات حتى الآن، هو بنفسه قال ذلك للسيناريست بلال فضل الذي أوضح في حلقاته عن عادل إمام ببرنامج "الموهوبون في الأرض"، أن الزعيم استنسخ تجربة الكاتب المسرحي «موليير» الذي قرر أن يحتمي بالسلطة من أجل مواجهة بعضهم.

القصة باختصار هي «مهاجمة السلطة في الفن وتأييدها في اللقاءات الرسمية وعلاقات قوية مع رموزها»، بهذا يمكن أن يعيش الفنان بعيدًا عن مقص الرقابة وتدخل الأجهزة الأمنية في عمله كما يوضح "فضل".

تلك النظرية بدأت مع عادل إمام كما يوضح الناقد الفني طارق الشناوي لـ«رصيف 22» منذ عرض مسرحية «شاهد ما شافش حاجة» التي تم عرضها وقت الرئيس الراحل أنور السادات، وفي الوقت الذي كان الزعيم ينتقد موكب رئيس الجمهورية ما جعل الرقابة تطلب حذفها، يوجه دعوة لأسرة السادات لحضور عرض المسرحية وبالفعل حضرت الأسرة ولم تتكلم الرقابة بعدها.

ولكن قبل البداية يوضح «فضل» أن عادل إمام تعرض لتجربة مؤلمة في بداية بزوغ نجمه الفني منتصف السبعينيات حين اختلف مع إبراهيم سعدة رئيس مجلس إدارة جريدة أخبار اليوم واسعة الانتشار وقتذاك، بسبب رغبة الأخير أن يقوم «الزعيم» بتمثيل قصة من تأليفه، فرفض عادل إمام وقال إنها لا تعجبه، فشنت حملة صحفية وصلت إلى حظر اسم عادل إمام من أي عمل في الوقت التي كانت الصحافة فيه هي المنبر الأساسي للانتشار، ومن هنا أدرك «عادل» قيمة علاقته مع السلطة.

عرف عادل إمام اللعبة جيدًا، واستمرت في عصر «مبارك»، فيقول الناقد الفني محمود قاسم لـ«رصيف22» أن الزعيم اختار منذ بداية عصر «مبارك» الاقتراب منه وحضور لقاءات الفنانين والتعبير عن تأييد كثير من قراراته، وكان عادل إمام يكسب من ذلك كثيرًا، وتحديدًا في الفترة التي تعاون فيها مع وحيد حامد وأخرجوا أفلاماً مثل «الإرهاب والكباب - اللعب مع الكبار- طيور الظلام» وهي أفلام بها من الجرعة السياسية ما لم يكن يسمح به نظام «مبارك» ولولا علاقات عادل إمام بالرئيس لما سمحت الرقابة بذلك.

كان الاختبار الحقيقي لمعادلة عادل إمام في فيلم عريس من جهة أمنية 2004، وقتذاك كان المعترض على عرض الفيلم هو وزير الداخلية حبيب العادلي، وكان صاحب أقوى سلطة فعلية في البلاد، ولم يكن من عادل إمام سوى اللجوء مباشرة لـ«مبارك» الذي أجاز الفيلم، وكان انتصارًا كبيرًا لـ«الزعيم» كما يوضح قاسم.

وكما أوضح بلال فضل أن التضييق الأمني من جانب حبيب العادلي لعادل إمام دفع الأخير إلى تقديم عربون محبة للنظام من خلال مهاجمة حركة «كفاية» التي ظهرت عام 2005 لإنهاء حكم «مبارك»، وبحسب «فضل» لم يطلب أحد من «عادل» أن يهاجم، لكنه فعل ذلك للحصول على حرية أكبر إذ كان يصور وقتذاك فيلم السفارة في العمارة الذي لاقى تضييقًا أمنيًا، لكن نظرًا لمواقف الزعيم والتي كان أبرزها تأييده لترشيح جمال مبارك رئيسًا لمصر قبل ثورة يناير، تم منحه حرية العمل.

لم يقتصر الأمر على السلطة فقط، ففي الوقت الذي هاجم فيه عادل إمام جماعة الإخوان في فيلمه الشهير «الإرهابي» عام 1994، وافق على زواج ابنته من أحمد نبيل مقبل نجل قيادي إخواني، وحضر حفل الزفاف المرشد الراحل لجماعة الإخوان محمد مهدي عاكف.

استمرت نظرية عادل إمام أو «موليير»، لكن الناقد طارق الشناوي يرى أن للأمر أبعادًا أخرى، فتلك الطريقة التي تعامل بها «الزعيم» كانت في النهاية في مصلحة المواطن الذي شاهد أعمالًا فنية قوية تنتقد الواقع بجرأة سياسية غير موجودة في وقتها، السلطة أيضًا تعاملت من ذلك المنطلق فـ«مبارك» استفاد من أفلام عادل إمام كدليل على الحرية، وإنه لا يوجد أي مصادرة للآراء.

من ناحية «البيزنس» النظرية مفيدة أيضًا، يشير «الشناوي» أن أي عمل فني لا بد أن يرصد الواقع دون أي تجميل حتى ينجح، وعادل إمام نجم شباك من الدرجة الأولى كان يُدرك ذلك، فلو أنتج عملًا يتحدث عن الإنجازات وأن البلد بلا مشاكل لن ينجح، وبالتالي هو حافظ على فنه وإقبال المنتجين عليه، وعلاقته بالسلطة بطريقة ذكية. وفي النهاية فإن العمل الفني هو ما سيبقى والآراء ستختفي والدليل أنه برغم كل ذلك لا يزال الناس يحبون عادل إمام سواء معارضين لأفكاره السياسية أو مؤيدين، والأمر إجبار، فلو هناك حرية لما كان هناك لجوء لمثل تلك الطرق.

عبدالرحمن عباس

صحفي وكاتب مصري

التعليقات

المقال التالي