قصة "مرسوم" محمد علي الذي يثبت بأنّه لم يفرّط بآثار بلاده

قصة "مرسوم" محمد علي الذي يثبت بأنّه لم يفرّط بآثار بلاده

رأس نفرتيتي بألمانيا، حجر رشيد في بريطانيا، تمثال إخناتون بفرنسا، تمثال "عنخ حا أف"، مهندس هرم "خفرع" في أمريكا.

تكاد لا توجد دولة بالعالم إلا وتضم متاحفها عدداً من الآثار المصرية التي تسربت إليها في ظروف عِدة من التراخي بدأ من الدولة نفسها.

ومن حين لآخر تعلو مطالبات هامسة بضرورة عودة هذه القطع التي لا تقدر بثمن لبلدها من جديد، وهو الأمر الذي يبدو لكثير من متابعي هذا الملف أقرب إلى المستحيل، بعد أن صارت أيقونات عرض أساسية لعددٍ من أكبر متاحف العالم.

"يمكننا استرداد كل ذلك بالقانون، لكن الدولة متقاعسة"، قنبلة فجّرها باحث المصريات بسام الشمّاع، الذي كشف عن وجود وثيقة تاريخية إذا استعملتها الحكومة المصرية بـ"حرفية" ستمكنها من استرداد كافة الآثار المنهوبة والمعروضة في أكبر متاحف العالم، وهو أمر صرّح به مراراً في وسائل الإعلام على مدار الأعوام الماضية.

في 15 من أغسطس 1835م استشعر والي مصر محمد علي (1805-1953) خطورة بواكير تدفق الآثار الفرعونية إلى الخارج على يد بعثات الأثريات الأجنبية التي كان الاعتماد عليها بشكل رئيسي في التنقيب عن خفايا الفراعنة المطمورة تحت سابع أرض.

مرسوم محمد علي

فإنه، كما يؤكد كثيرون، قد أصدر مرسوماً حكومياً يحظر خروج أيٍّ منها نهائياً من مصر، وهو ما يعتمد عليه الشمّاع في إثبات أن أي قطعة أثرية غادرت البلاد بعد هذا التاريخ خرجت بشكل غير قانوني ينافي إرادة السُلطات، وبالتالي يحقُّ لمصر استردادها فوراً، فقط إن أظهرنا هذه الوثيقة للعالم، واستغللناها بشكل محترف في المحافل الدولية.

تثبت الوثقيقة خطأ ما يشاع، بأنّ الآثار لم تكن تمثل أهمية لوالي مصر في ذلك الوقت، وبالتالي لم يمانع في حصول القناصل عليها مقابل مساعدة الدبلوماسيين والقناصل في تنفيذ إصلاحات اقتصادية كان يسعى إليها بمساعدة الدول الأوروبية.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه النظرة لا تتوقف عند مصر فحسب، بل تهمة إهمال الآثار تلتصق بعدد من الشعوب العربية، وحكامها، وتأتي في ظل اعتبار الحفاظ على الآثار مهمة بأبعاد أخلاقية وسلطوية، خاصة حصرياً بالغرب، وهي بدورها انطباعات ترسخت بإعتبار حملة نابوليون أول خطوة في الاهتمام بالآثار.

ولكن، كما تبين مقالة "كيف تجاهل الأوروبيون أنساق الآثار الإسلامية، وكيف تعامل المسلمون أنفسهم مع آثارهم"، أثبت الدكتور عكاشة الدالي في كتابه "علم المصريات: الألفية المفقودة، مصر القديمة في كتابات العرب" وجود نسق إسلاميّ غير منقطع للاهتمام بالآثار، إلا أنّه تاريخ لا يلق اهتماماً من قبل الباحثين. 

أقوال جاهزة

شارك غردالأمور الدولية، ومنها استعادة الآثار، لا تستمد قوتها من القانون وإنما من قوة الدولة نفسها، وقُدرتها على فرض إرادتها على مَن حولها

شارك غرديؤكد الموقع الرسمي لوزارة الآثار المصرية وجود مرسوم لمحمد علي يحد من إخراج الآثار المصرية خارج البلاد، هنا قصته

يتحدث أشرف العشماوي المستشار القانوني السابق للمجلس الأعلى للآثار، في كتابه "سرقات مشروعة" عن هذا المرسوم الهام، قائلاً، إنه احتوى على ثلاث مواد فقط، ولكنها جاءت في بلاغة وحسم، الأولى: تصف فنجدها تُعرِّف الآثار برائعة القرون الماضية، والثانية تحمي فتقضي بضرورة تجميعها وما ينتج مستقبلاً من الحفائر في مكان خاص بمدينة القاهرة (مبنى بحديقة الأزبكية استُخدم كدار لحفظ الآثار)، والأخيرة تمنع فتنص على الحظر المطلق لتصدير الآثار في المستقبل.

ويضيف العشماوي: أن هذه القرارات لم تكن كافية لمنع عمليات السرقة، فأصدر محمد على مرسوماً آخر فى عام 1835 لإنشاء متحف للآثار، وأسند مهمة الإشراف عليه إلى رفاعة الطهطاوي، الذي بذل جهوداُ كبيرة لمنع الاتجار فى الآثار المصرية بالخارج، لكن بوفاة محمد على باشا عام 1849 عادت الأمور مرة أخرى إلى المربع صفر، ولم يتوقف نهر التهريب عن الجريان.

وتجدر الإشارة إلى أنّ العشماوي أكّد أنه اطلع على هذا المنشور بدار الوثائق القومية، مؤكداً أن النسخة الموجودة به صورة وليست أصلاً. وأضاف لرصيف22، أن "الحديث عن هذه الوثيقة ورد ذكره في العديد من المراجع الأوروبية وبعض وبعض سجلات المتاحف الكبيرة مثل المتحف البريطاني ومتحف متروبول واللوفر في باريس، كلها استند إليه عند وضعه لهذا الكتاب".

من جانبه، انتقد الشمّاع في تصريحات خاصة لرصيف22 تقاعس الحكومة عن إجراء أي محاولة لاستخراج هذه الوثيقة بالغة الأهمية من بين سجلات دار الكتب، مؤكداً على أنه حاول العثور عليها بشكل فردي لكنه فشل بذلك.

مضيفاً: "المرسوم موجود بدار الكتب والوثائق القومية أو في أرشيف وزارة المالية المصرية، لا يحتاج فقط إلا لمن يستخرجه، ويعتمد عليه كمستند موثوق به في هذا الأمر، لأنه طالما كان هناك قرارٌ حكومي مُعلن فإن أحكامه المادية والمعنوية تسري على الجميع حتى بدول الخارج، التي تصبح بموجبه مُلزمة بتسليمنا كافة آثارنا التي وصلت إليها".

لم تتوقف هذه الدعوة عند خبير المصريات وحده، بل شاركه بها نور عبد الصمد مدير عام المواقع الأثرية الأسبق، والذي أطلق نداء شهيراً بعددٍ من وسائل الإعلام المصرية يؤكد به أننا لو نجحنا في استغلال هذا المرسوم جيداً فستزيّن مسلات كليوباترا ورمسيس الثاني شوارع القاهرة والإسكندرية بدلاً من نيويورك وباريس.

مسلة كليوباترا في ساحة الكونكورد في باريس

الحكومة: المرسوم موجود ولكن

يؤكد الموقع الرسمي لوزارة الآثار المصرية صحة إصدار هذا المرسوم واصفاً إيّاه بأنه "الخطوة الأولى للحد من إخراج الآثار المصرية خارج البلاد"، مستعرضاً تاريخ كرم حكام مصر "غير العقلاني" مع وجهاء أوروبا، ويسترشد بواقعة حدثت عام 1855 حين زار الأرشيدوق النمساوي ماكسميليان قاعة حفظ الآثار الفرعونية، وأبدى لوالي مصر، حينها، عباس باشا إعجابه الشديد بما فيها فأهداه الأخير محتوياتها جميعاً!

أيضًا يُقر وزير الآثار الأسبق زاهي حواس في الجزء الأول من كتابه "آثار وأسرار" بوجود القرار 1835، مستعرضاً ذات المعلومات والظروف التي أدت لصدوره، دون إضافة تُذكر عن الرواية التي لدينا إلا الإشادة بجهود يوسف ضياء أفندي أول رئيس لمصلحة الآثار، جوار ما بذله رفاعة الطهطاوي من أجل "إحياء الضمير الوطني في مصر خلال القرن الـ19 وإعادة إيقاظ الاهتمام بآثار الماضي". كما يمكن اعتبار فترة التنافس السياسي في عشرينات ثلاثينات القرن الماضي، فترة تمسك فيها المصريون بـهويتهم الفرعونية.

ومن جانبه أكد شعبان عبد الجواد، مدير الإدارة العامة للآثار المستردة بوزارة الآثار المصرية، أن هذا المرسوم لا يمكن الاعتماد عليه أبداً في التفاوض مع الخارج، لأنه توجد آثار كثيرة خرجت من بعد إصداره تحت رعاية الحكومة المصرية.

فمثلاً كان هناك قانون صدر عام 1911 يسمح للبعثات الأجنبية باقتسام ملكية كل ما تجده من آثار مع الحكومة المصرية، كما أن تجارة الآثار لم تكن مجرمة بمصر حتى عام 1983، وقبلها كانت المحلات تبيع القطع الأصلية للسياح.

ويضيف عبدالجواد لرصيف22، أن محمد علي نفسه، صاحب المرسوم، أهدى محتويات متحف كاملة لفرنسا، بالإضافة لمنحه بريطانيا مسلة تحتمس الثاني الشهيرة التي خرجت من مصر 1831 ولا تزال حتى الآن معروضة في لندن، وغيرها من القطع التي خرجت بعِلم الحاكم وبشكل شرعي تماماً، ولا يجوز أن نطالب باستردادها الآن.

داخل المتحف المصري

فرمان الوالي؛ واتفاقية اليونسكو

ينفي الكتور محمد حمزة عميد كلية الآثار جامعة القاهرة، أن يعطي هذا المرسوم أي أفضلية لمصر في ملف استرداد الآثار، لأنها شأن أي دولة بالعالم يسري عليها أحكام القانون الدولي، ومن ضمنها توصية اليونسكو التي صدرت 1970، ولم تعطِ للقاهرة، أو غيرها، هذا الحق.

وفي الـ14 من نوفمبر عام 1970، وفي مؤتمرها السادس عشر أقرت "يونسكو" أول اتفاقية دولية مخصصة لمكافحة تجارة الممتلكات الثقافية، التي من بينها الآثار، وحددت الاتفاقية إجراءات لمواجهة حظر استيراد وتصدير، ونقل ملكية تلك الآثار بالطرق غير الشرعية، والتي لم تعطِ للدول التي خرجت منها أي آثار قبل توقيعها الحق في المطالبة بها، بمعنى آخر مصر لا تستطيع مطالبة أي دولة تعرض آثارها في متاحفها باستعادتها طالما خرج هذا الأثر من حدود أرض النيل قبل العام 1970. 

ويؤكد حمزة لرصيف22، أنه يتعيّن على الحكومة قبل إرجاع أي أثر أن تُثبت بما لايدع مجالاً للشك أنه خرج بشكل غير مشروع، وهو أمر في حُكم المستحيل نظراً لأن 3/4 القطع الأثرية غير مسجلة حتى الآن، الأمر الذي يجعل إثبات ملكيتها صعباً، ويتبع، أن هذه الأمور الدولية لا تستمد قوتها من القانون وإنما من قوة الدولة نفسها، وقُدرتها على فرض إرادتها على مَن حولها، "إسرائيل لغاية دلوقت مرجّعتش آثار سينا اللي أخدتها وقت احتلالها".

أين المرسوم؟

يمنحنا عميد الآثار مفاجأة كُبرى، حين أكد أن المرسوم ليس مخفياً عن الأنظار كما يزعم "الشمّاع"، وإنما محفوظ بمكان مُعلن هو قصر عابدين، ضمن أرشيف وثائقه تحت الرقم 316.

فيما يقول عبد الجواد، إننا حتى الآن لا نملك أصلاً لهذا القرار، وإنما مجرد صورة منه تتحدث عن بنوده وهو أمر يعوق الاعتماد عليه في التفاوض، و"احنا كوزارة منعرفش مكان المرسوم فين، وأنا بنفسي دورت كتير جداً لغاية دلوقت وملقتوش"، وعن حقيقة وجوده ضمن أرشيف قصر عابدين، أجاب: "معرفش، هنبعت جواب رسمي ونسألهم".

عند مراسلة متحف عابدين، نفى المسؤولون عن وثائقه معلومة السيد عميد كلية الآثار، مؤكدين لرصيف22 بشكل قاطع أن هذه الوثيقة غير موجودة في الأرشيف.

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي