حوار مع بيروت، عن علاقة الإنسان بالمكان

حوار مع بيروت، عن علاقة الإنسان بالمكان

هنا بيروت، المدينة الكوزموبوليتية التي تجمع الأضداد بلا كلل ولا ملل فتتزاوج أو تتصارع فيها.. ينعكس هذا في مجالات عدة، منها العمارة، الوجه الظاهر للعيان، والذي يسمح بقراءات عدة لواقع العاصمة الحضاري وتحولاته واستشراقاته.

هنا تحديداً، "زقاق البلاط" الحي العريق الذي اكتسب تسميته منذ حقبة العثمانيين الذين بلّطوا شوارعه الضيقة. سكنه الأرستقراطيون في البداية، فانتشرت فيه بيوت القرميد الفسيحة والبديعة المُحاطة بالحدائق الغنّاء.

بُنيت بغالبيتها بين نهاية القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين فحملت جماليات هندسة ذلك الزمن الغابر الجميل الكثيرة. لم يسلم الحي من شرور الحرب ولا شررها، ثم من رياح الهدم العشوائية التي عصفت بالبلد بعد السلم، لكنه ظل غنياً بمعالمه السكنية الأثرية التي باتت اليوم إما مهجورة أو مهددة بالزوال.

من هذه المعالم، قصر حنيني الذي يقبع على مدخل من مداخل الزقاق، فيستوقف المارة بعظمة حضوره البهي ويشدهم، بشبابيكه المشرعة كعيون مفتوحة على ظلامه الداخلي، نحو عالم القصص الغامضة إلى حد الارتياب.

يُحكى وتبين الصور المتوافرة أن في الداخل غرفاً وسلالم وقناطر أسطورية جمعت في أرجائها نخب المجتمع حينذاك وعروضاً فنية استثنائية. مع هذا، لم يألف أحد اسم القصر المُهمل إلا منذ فترة بسيطة، بعد إدراجه على قائمة "المرصد العالمي للآثار لعام 2016" بفضل الجهود الحثيثة لجمعية "أنقذوا تراث بيروت" والناشطين فيها من مهندسين ومؤرخين ومواطنين وقيام نشاطات عدة مدنية حوله للمناسبة.

نطرح في هذه المقالة سؤالاً: "ما مدى أهمية عمل الأفراد في الحفاظ على إرث العمارة الجماعي في بيروت؟"

يجيب بدايةً عماد الدين رائف، صحافي وكاتب له مؤلفات عدة حول تاريخ المدينة أصدرها بمبادرة شخصية. عندما نتحدث عن العمارة كجزء من هويتنا وتراثنا، لا نتحدث عن الحجر فقط، بل عن علاقة الإنسان بالمكان. يكفى أن نسير في الأسواق الحديثة لندرك فداحة خسارة أهل بيروت إثر إزالة الذاكرة من جذورها، فلم تسلم من الشوارع سوى الأسماء.

نلحظ أن التوجّه الرسمي اللبناني كان أثره كارثياً. على الرغم من أن عام 1995 شهد تجميد عمليات الهدم بحق 1016 منزلاً تراثياً بناءً على توصيات مدنية، إلا أن كثراً من المالكين سارعوا إلى هدم منازل كان يمكن إنقاذها. أجرى لبنان الرسمي بعد عامين دراستين خفّضتا عدد البيوت التراثية لأسباب تتعلق بالفساد الإداري المعتمد في هذا الملف.

نجا من الهدم نحو 520 منزلاً فقط عام 1997، ثم خفّض إلى نحو 210 في العام التالي! نسكن في المكان ويسكن فينا، ثم يزول! نحتفظ بما نستطيع من صور الذاكرة، لكن ما هو الإطار الوطني الجامع لهذه الذاكرة؟ نسأل: "هل يمكننا، كمجتمع مدني أو كأفراد ناشطين أو عاديين لدينا أشغالنا المتراكمة أن نحافظ على الإرث الثقافي للمكان وأن نعود إليه متى أردنا؟

يبدو البحث شيّقاً، فقد استطاع مهتمون أن يضخوا عدداً كبيراً من الصور وأشرطة الفيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي لبيروتنا خلال فترات زمنية مختلفة، تبدأ مع حوادث عام 1860 وصولًا إلى نكبة الحرب الأهلية (1975-1990) وما تركته.

وجدت تلك الصور الجامدة والمتحركة سبيلها وأحدثت الأثر المطلوب منها في بثّ روح البحث والتنقيب الفردي، إلا أن العمل الجديّ لم يبدأ بعد. ليس المطلوب إعادة بناء ما تهدم وفق ما كان قائماً قبل الحرب، فذلك خارج عن قدرة الجمعيات والأفراد وفق النظام الاقتصادي القائم، بل المطلوب، أظنّ، إحياء المكان في الذاكرة كما كان، وهذا يحتاج إلى تضافر الجهود في عدد من القطاعات. أود الإشارة أخيراً إلى مبادرة فردية جادة شهدتها العاصمة أخيراً وهي عبارة عن جولات تعريفيّة على الإرث الثقافي العمراني على الأقدام، في المدينة".

أقوال جاهزة

شارك غردللدولة اللبنانية دور أساسي في تشكيل بيروت وهي الآن تسمح بتدمير إرثها العمراني، وتتعمد تهجير الناس، بخاصة الأكثر فقراً

شارك غردهل يمكننا، كمجتمع مدني أو كأفراد ناشطين أو عاديين لدينا أشغالنا المتراكمة، أن نحافظ على الإرث الثقافي للمكان وأن نعود إليه متى أردنا؟ هل يمكننا إحياء المكان في الذاكرة كما كان؟

بالفعل، لقد نظم "نادي الروّاد" حتى اليوم 6 جولات في أحياء بيروت الأكثر أصالة (البسطة التحتا، الخندق الغميق، الجميزة، ساحة الشهداء وغيرها) تحت عنوان "المدينة ورأس المال". طلاب وصحافيون وباحثون ومهتمون آخرون يمشون معاً في الأزقة لساعات طويلة من أجل التعرف إلى تاريخ المدينة ومحاولة الكشف متى وكيف تدخل رأس المال في توجيه نموها. يهدف هذا النشاط الشهري للنادي العريق والمعاد إحياؤه منذ فترة قصيرة، إلى فتح نقاشات بين المشاركين حول إعادة الإعمار وأسعار البيوت.

يبدو النفس اليساري واضحاً إذاً، أكان في عنوان الجولات أو بجعلها مجانية، أي مفتوحة أمام الجميع، في حين تنظم جهات مختلفة جولاتها أيضاً داخل العاصمة لكنها مدفوعة، يبلغ متوسط رسم المشاركة فيها 20$ وهي تهتم بالعمارات الحديثة والعملاقة فقط.

كان لرصيف22 حديث مع جنى نخّال، مخططة المساحات والأنثروبولوجية، الشابة التي تدير الجولات في "نادي الرواد"، فقالت: "يطاول عملنا مجمل الإرث الثقافي في المدينة ومنه العمراني. فكرتنا المحورية هي أن للدولة دوراً أساسياً في تشكيل بيروت والسماح بتدمير إرثها العمراني أو عدمه.

لا شك في أن السلطة الآن تسمح بتدميره، لا بل أكثر، هي تتعمد تهجير الناس، بخاصة الأكثر فقراً، إلى الخارج. في رأينا، لا ينبغي أبداً غض النظر عن الدور السلبي للدولة في هذا الأمر وإناطة المسؤولية كاملة بالأفراد. ما نقوم به سياسي بالدرجة الأولى وليس فقط مبادرة مباشرة. نحن نعمل من أجل الوعي للتحرك ضد انحياز الدولة لرأس المال الذي يطيح هوية بيروت الحقيقية وروحها من أجل السعر الأعلى".

يكبر د. سهيل منيمنة جنى بعقود، وهو ينتمي إلى زمن تلك البيوت الحالمة، الأخّاذة الآيلة للزوال. هو مسؤول عن صفحة ومجموعة "تراث بيروت" اللتين توثقان للاجتماع والأدب والفن والمعمار في بيروت، عبر مشاركات المواطنين ممن لديهم في أرشيفاتهم الخاصة، أو بكل بساطة، عبر صور يلتقطونها بهواتفهم الذكية من الشارع.

في صفحة "تراث بيروت" وحدها ما يفوق 280 ألف معجب وعدد مواز من المتتبعين. يلاحظ المعجب بالصفحة أن سيل التحميلات هنا لا يكاد يهدأ، تليه دائماً تعليقات محملة بالأسف والحنين من قبل أهل بيروت وسكانها.

لما لا نحوّل المباني الأثرية الباقية في بيروت "مدارس ومتاحف وأماكن عمل وتجارة أيضاً"؟

يتفق الرجل الكبير مع الصبية من حيث إن المال والسياسة متآمران بشراسة على تشويه المدينة قلباً وقالباً. يرى أن تجار سوق العقارات الكبار معرفون، عددهم لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، إلا أن مصالحهم تتقاطع مع مصالح الحكّام في شبكة معقدة تغدق عليهم إفادة لا تنتهي.

يملكون الثروات الطائلة، صحيح، لكنهم يفتقرون إلى الثقافة، ثقافة بيروت - الناس بالتحديد: الأسواق الشعبية، والدكاكين المتفرقة، والبسطات، والباعة المتجولين؛ وليس لديهم أي جذر يربطهم بها، بالتالي إلى نوستالجيتهم معها أو انتمائهم إلى هويتها، وإلا لكانوا استطاعوا استثمار المباني الأثرية الباقية بطرائق فعّالة عوضاً عن تحويلها أكواماً من حطام وإنشاء الأبراج مكانها، كذلك المراكز التجارية الضخمة التي تضيق بها مدينة بحجم بيروت وتعدادها.

يقترح د. منيمنة ترميم هذه المبناني وتفعيلها عبر تحويلها مدارس ومتاحف وأماكن عمل وتجارة أيضاً، أو في الأقل الإبقاء على الواجهات القديمة وجعلها جزءاً من المشاريع الجديدة، كما في أماكن عدة في العالم.

يفتقر تجار سوق العقارات في بيروت إلى علاقة حقيقية بثقافة المدينة؛ بالأسواق الشعبية، والدكاكين المتفرقة، والبسطات، والباعة المتجولين

يستشهد أيضاً بتجربة نبيل دبس وزوجته زيا اللذين حولا منزلاً عتيقاً في الجميزة نادٍ للفنون وهما يعملان لجعله ضمن سلسلة بعد شرائهما آخر في مار مخايل. لكن الأمر كله يبقى مجرّد أحلام مع عدم وجود قانون قوي يحمي وينظم، حيث إن المتوافر سيئ للغاية وفيه ثغرات كبيرة بشهادة معماريين ومحامين. 

محاولة فردية للحفاظ على إرثنا الجماعي

في إطار الصورة نفسها، وإنما على مستوى مهني هذه المرة، وقّع مايك عوّاد كتابه المصوّر "بيروت بالقِلب" أو "... بالقَلب" في مارس الفائت، في بيت بيروت - السوديكو، بدعم من مبادرة "روح بيروت" للمحافظة على روح المدينة وإنعاشها.

يشعر مايك بالغصة عندما يتكلم عن المشهد البيروتي المسيطر اليوم. فلقد كونت الأشرفية التي يقطنها منذ ولادته، مع البسطة، المدينة النواتية تاريخياً، وهو يحزن عندما يراها تتلاشى شيئاً فشيئاً من دون من وجود من يحرك ساكناً ليوقف كل هذا الجنون.

وحيداً، لا يملك سوى الكاميرا، دخل إلى البيوت المتهالكة من أبوابها، وأحياناً من شبابيكها وبلاكينها في ما يراه أشخاص تعدياً سافراً، متناسين التعدي الحقيقي الحاصل في الخارج. التقط الفنان مجموعة من الصور العالية الجودة، وضع فيها رؤيته الخاصة ولمسته السحرية، وأرفقها بنصوص تعرّف بالمكان والمراحل التي مرّ بها.

لا يتردد مايك بالإفصاح عن الصعوبة التي واجهته من أجل الحصول على تلك المعلومات وجمعها، ويعتقد أن التكتم عنها مقصود بهدف عدم إظهار الطابع الأثري لأمكنة اكتشفها والتقط لها صوراً، ومن ثم الحؤول دون حمايتها، وبيعها بالرخيص.

كانت تلك محاولة مايك الفردية في الحفاظ على إرثنا الجماعي، أرادها بين طيات الورق وفي أحضان الكلمات، أما هنري لوسيان، بدوره، فأرادها محاولة بالحجر والحديد، إطاراً واقعياً له ولعائلته. عمد إلى تجميع أكسسوارت البيوت القديمة المهدمة وإعادة تركيبها في شقته التي تقع في بناية سكنية عادية.

ينقل لوسيان إلى أولاده نمط عيش أجدادهم، فيزيل حافة البلكون من عنده ويضع مكانها درابزين حديداً مشغولاً، يفرش أرض صالة الاستقبال الفسيحة بمربعات المرمر الأبيض الكبيرة ويمرر بينها خطوط البلاط الأسود، يفتحها للنور والهواء فيجعل في حائطها ثلاث قناطر عالية بالقدر الممكن، رمزاً للترحيب في التقليد اللبناني، يرسم بتأنٍّ على السقف زخرافات أنيقة مما اختزنه من مشاهداته الكثيفة ويساعده بذلك أولاده.

مع هذا، لا يبدو الرجل المختلف في كل شيء حالماً إلى حد الرومنسية. هو يعتقد أن هندسة أيام زمان بالمطلق لم تعد تستطيع تلبية متطلبات الحاضر، ولا نحن قادرون على التأقلم معها، لأن الظروف البيئية تغيرت تماماً.

فالضجيج والتلوث لا يسمحان بعد بالعيش في الطبقات الأرضية، والأبنية القريبة جداً منها جعلتها معتمة ورطبة بينما كانت في الماضي تحيطها المساحات الممتدة الغنية بالنباتات والمزروعات. للمفارقة أيضاً أنه يرفض الانضمام إلى جوقة المتغنين بالتراث الحاليين لأنه لا يثق في عملهم على الأرض ويرى فيه مجرد حركة لبرستيج اجتماعي معين من دون تحقيق أي نتيجة مرضية.

ختاماً، يبدو أن للذين حاورناهم وجهات نظر تختلف حيناً وتتكامل أحياناً أخرى، لكنهم كلهم مجمعون على حب مدينة واقعة دوماً بين متناقضات، وإنقاذ معالم فن أصيل من الزوال واستعادة هوية مفقودة لأن المستحدثة لم تعد تشبه ناسها، وأجمعوا، مباشرةً أو عرضاً، على أهمية التخطيط العلمي والعملي الذي يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من مهمات المؤسسات الرسمية كالوزارات المعنية والبلدية، وعلى أن دورهم، على أهميته لا يتخطى إيصال الصوت. فهل من مجيب؟

رنا قاروط

كاتبة ومترجمة ورسامة، لها عشرات المقالات حول التربية والمجتمع والعمارة.

التعليقات

المقال التالي