دمشق من نافذة المقهى؛ الوجه الآخر لعزلة الفنّان سبهان آدم

دمشق من نافذة المقهى؛ الوجه الآخر لعزلة الفنّان سبهان آدم

طاولة مزدحمة بكؤوس الكركدريه، والشاي، والقهوة، أشبه ما تكون بطيف لوني يتراوح بين البرتقالي، والليموني، وأخضر النعناع، وأحمر الشمع، لوحة يومية يشكّلها الفنّان التشكيلي السوري سبهان آدم، ليطل منها على دمشق، وناسها عبر نافذة مقهى.

تتغير النافذة أو المقهى بين حينٍ وآخر، لكنّ الطاولة تبقى ملتقى للأصدقاء من فنّانين، شعراء، كتّاب صحافيين، يخوضون نقاشاتٍ يتبادلون فيها البوح، والآهات؛ حسرةً على زمانٍ مضى، أو طرباً لروائع أم كلثوم، أسمهان، ناظم الغزالي، وصباح فخري، التي يلّح سبهان على استدعائها من أي وسيلةٍ الكترونية متاحة.

بالتوازي مع تلك النقاشات؛ يراقب الفنّان وجوه المارة يختزن جمالها، بؤسها وفرادتها في ذاكرته، قبل أن يعيد صياغتها في لوحاته من وجهة نظره الخاصة للفن والإنسان والحياة.

رصيف 22 ترصد يوميات سبهان آدم، تخوض في إشكالية وجوهه، وتسأله عن وجهة نظره فيما يجري بهذه المنطقة الساخنة من العالم.. عبر الحوار التالي:

ما حجم المساحة التي يشغلها المقهى من يومياتك؟

نادراً ما أرى صباحات دمشق، إذ لا أغادر منزلي أو مرسمي في النهار إلا عند الضرورة.. أراها دائماً في الليل ومن نافذة المقهى، بعد يومٍ حافلٍ بالعمل أراقب حركة الناس، اتأمل بصمت، وألتقي الأصدقاء... بات الأمر طقساً يومياً بالنسبة لي منذ زمن طويل.

وكيف ترى دمشق وناسها من نافذة المقهى؟

تغيّر كل شيء، نوائب الحرب قاتلة، ولكن ثمّة أناس صامدون، أو ربمّا يكابرون في إبداء الصمود، بمواجهة حالة التشفي والكيدية عند الآخر، يقاومون بوجودهم وخلاصهم الذاتي، فكل فضلات البشرية رميت في سوريا للأسف، والبالوعات لا تشبع.

المقهى قد يفتح باب الفضول، أو يعوضّ عن العزلة.. ما الذي يمكن أن يقدّمه لك هذا الفضاء؟

هذه الجلسات تجعلني أتوازن، وتكملّ جانب العزلة التي أقضيها في مرسمي، عبر مراقبة يوميات الناس، ورؤية تعبهم مع اختلاف معنى التعب ومسبباته بين إنسان وآخر.

نحن نعيش حالة عطالة أو فراغ قاتل خلال فترة الحرب، في المقهى نتشارك الورطة ذاتها، وندعم ذواتنا بالبوح، مما يمنحنا نوعاً من المواساة، مالم يكن هناك اختلاف حاد بالرأي فيما بيننا.

لكن الاختلاف في الآراء بين الناس أمر طبيعي، فلماذا تتحاشى الناس الذين يخالفونك بالرأي؟

في البدايات كان ممكناً بالنسبة لي أن أتقبل الشخص الذي يخالفني في الرأي، وأحاول امتصاص الخلاف على نحوٍ ما، ولكن بعد سبع سنوات من الحرب أصبح ذلك مرهقاً، حيث باتت انعكاسات الأزمة التي نعيشها أكثر قساوةّ.

بعيداً عن الخلاف والاختلاف؛ إلى أي حد يشكّل المقهى مصدر إلهام بالنسبة لك؟

يشكل مصدر إلهام كبير لي بالتأكيد، فأنا أستفيد من كل الوجوه التي تعبر أمام عينّي، أمتص ملامح المئات المارّة على الأرصفة، وأجد فيها موضوعاتٍ مثالية للرسم، كطريقة حركتهم، تسريحة شعرهم، أو لباسهم، وأغلب الأشخاص الذين أرسمهم أراهم في يومياتي كنادل في المقهى، أو بائع عابر، أنتقي بعض ملامحهم، وأركب لهم ملامح أخرى تصوغها مخيلتي، وصولاً لصورة شخص غير واقعي، لكنّه كائن متفوق من وجهة نظري، ويحمل تعقيداته وآلامه الشخصية، التي هي انعكاس لآلام وملامح حقيقية.

موضوع الوجه في لوحاتك إشكالي بالأساس، ومختلف حوله

هناك من يرى بأنك ترسم مسوخاً أو كائنات مشوهة، وآخرون يرون بأنّك ترسم الناس من الداخل، وتشوّهاتها داخلية وليست خارجية.

أقوال جاهزة

شارك غرد "كائنات العزلة"، كائنات سبهان آدم، التي تتفاعل مع حالة صراع مركب يعيشها إنسان هذه المنطقة الساخنة

شارك غردأقام سبهان آدم معرضاً ضخماً في دمشق لاستعادة حالة الألفة مع الحدث الثقافي وليقول: ثمة أناس لازالت تعمل في البلد

لا أرها مسوخاً، بل تحمل طابع التهكم، أو الكوميديا السوداء، فهي ليست شريرة بالمطلق، بل كائنات مستكينة تدفن آلامها في ذواتها، لكنّها ناضجة، وفياضة بالعاطفة من فرط فورتها.

الوجه الإنساني بحد ذاته يحتمل تعابيراً لا حصر لها، والوجوه التي أرسمها تتنقل بين هذه المناخات، بدءاً من عملي على إعادة تشكيلها على المستوى التشريحي لتقترب من الحلم أو الخرافة، وصولاً لكونها أصبحت مؤخراً أكثر اقتراباً من الملامح الإنسانية الطبيعية في لوحاتي.

اقتراب وجوهك مؤخراً من الأنسنة _إن صحّ التعبير_؛ هل له علاقة بتحولات نفسية خاصّة بك ؟

لطالما كان لديّ ارتباط منذ البدايات بالزمن والمرحلة، حالياً أصبحت وجوهي هكذا، وربمّا أتحوّل إلى مرحلة أخرى لاحقاً، فدائماً أدخل في مناخات جديدة، سواءً على مستوى الوجوه أو المواضيع الأخرى، وتقف وراء هذه التحولات أسباب تقنية محضة، لها علاقة بأرشيفي وتطوّر عملي والبحث عن موضوعات جديدة تتناسل منها الأشكال.

هل تلخص وجوهك في المرحلة الحالية مشاهداتك عن الإنسان اليوم؟

نعم تختزل مشاهداتي عن الإنسان المعاصر في تغريبته الكبرى التي يعيشها اليوم، وهي حالة مستمرة منفصلة عن الأحداث الآنية العابرة، الحدث الآن على المسرح المحلي، ولكنّه شغل سابقاً مسارح عالمية أخرى، فقبل سوريا كانت العراق، فلسطين، وجنوب أفريقيا.. الألم مستمر، وملهم بالنسبة لي.. وغربة العالم موضوعي المستمر.

هل ما تشاهده في يومياتك يفتح شهيتك على العمل أم يدفعك للمزيد من الانكفاء؟

ثمّة حالة ارتباك من هول المفاجأة، الأزمة التي نعيشها عنيفة، معقدة وتشعباتها كبيرة جداً، ومن جوانبها أنّ العالم الخارجي أصبح ينظر إلينا بطريقة سلبية جداً، ويلزمنا جهود هائلة لتحسين الصورة.. ثمّة صلات قطعت بطريقة مأساوية، والحراك الطبيعي الذي كان يحدث بين إنجاز اللوحة وتسويقها وتلقي الناس لها يواجه عثراتٍ عديدة، لكنّني أواصل الرسم لأنه نافذتي الوحيدة للتعبير عن وجودي.

ما نوع العثرات التي واجهتها؟ وكيف تخطيتها؟

فقدت التواصل مع مرسمي بالحسكة في 2011، وتوقفت إنتاجيتي قليلاً، ثم تأقلمت مع الوضع الجديد، في ظل ندرة المواد المتوفرة بسبب الحصار، وعدت لنفس وتيرة العمل في انطلاقة جديدة من دمشق، أقيم لي معرضٌ في باريس سنة 2012 لكنني لم أحضره، وبعده بأربع سنوات أقمت معرضاً ضخماً بدمشق، وكان معرضي حينها بمثابة مغامرة وسط انقطاع شبه تام للمعارض التشكيلية، لكنني أصريت على إقامته في سبيل استعادة حالة الألفة مع الحدث الثقافي، وكنوع من إثبات الوجود، بمعنى أنّ ثمّة أناس لازالت تعمل في البلد، وتلاه عودة المعارض للنشاط تدريجياً في الشام.


في 2018 قدمت نتاجك الجديد في ثلاثة أفلام نشرتها على قناتك الخاصة بموقع YouTube، هي عبارة عن عروض رقص تعبيري تتخذ من أعمالك خلفية لها ضمن فضاء سينوغرافي خاص يحتفي بالضوء، ويوظفه بإرسال "رسالة حب لدمشق"، عشية عيد الحب. 

لماذا اخترت هذا الطريقة في تقديم نتاجك الجديد؟

انا لا أميل لفكرة المعارض عموماً، والمعرض الذي أقمته في دمشق سنة 2016 كان لأسباب شخصية كما شرحت سابقاً، خاصّة أنّ نتاجي مباع دائماً بمعزل عن إقامة أي معرض، أما العروض الأخيرة على YouTube فكانت ترجمةً لرغبتي بإعطاء بعد آخر للوحاتي، عن طريق المزج بين أنواع مختلفة من الفنون كالرقص التعبيري، والعرض السينمائي..،تتشابه مع طريقة عملي على الكولاج في اللوحة.

وقمت بعمل مكثف مع المخرج أدهم سفر, والكريوغراف خاتشيك كجة جيان حتى وصلنا إلى هذه النتيجة، واعتقد أنّها حققت الغرض المطلوب.

بانتظار جديدك المقبل.. أين أنت مما يحدث في سوريا على المستوى الشخصي؟

يضحك سبهان آدم قبل أن يجيب على سؤال رصيف22 الأخير بالقول: "اعتبر نفسي ابناً لهذا العالم بكليّته، لا أبيع عقلي للآخر بسهولة، ولدي قراءاتي الخاصة لما حدث قبل الأزمة السورية؛ تحصنني من الغرق بتفاصيل المرحلة الحالية، أو أي تطورات يمكن أن تكون موضوعاً للمزاودة أو بناء مواقف آنية متسرعة.. باختصار عملي ليس له علاقة بحدث مرحلي، ويبقى الرسم بالنسبة لي وسيلة علاج من أمراض العالم، وإلا كنت جننت أو انتحرت."

سبهان آدم: مواليد محافظة الحسكة (1972)، يقيم في العاصمة السوريّة منذ سنوات، اكتفى بـ"المرحلة الإعدادية" من التحصيل الدراسي، بدأ الرسم قبل عشرين عاماً، دون أن يتعلمّه "على أيدي أحد"، ويتباهى بابتكاره تقنيته الذاتية، مؤكداً أنّ المواد التي يستخدمها "مواد مخترعة" خاصّة به.

عرضت لوحاته في ثلاثة وسبعين معرضاً حول العالم ، أقيمت بـ: دبي، بيروت، عمّان، القاهرة، تونس، مراكش، جنيف، هامبورغ، برشلونة، باريس، لندن، نيويورك، وأحدثها في دمشق أواخر العام 2016.

تتسم أعمال آدم بطابع غرائبي، وتعكس الوجوه التي يرسمها حالة صراعٍ مركب؛ يعيشها إنسان هذه المنطقة الساخنة، كمركز لتصفية حسابات قوى العالم الكبرى، ونزاعاتهم السياسية والتاريخية.

وجوه لكائناتٍ يصفها الفنّان التشكيلي السوري بـ "كائنات العزلة"، فهي على حد قوله تشبهه؛ "بعزلته وسكونه، ونرجسيته، وعالمٍ موازٍ يعيشه، ساعده على تجاوز كل ما يحدث".

محمد الأزن

صحافي سوري عمل في مجال الثقافة والفن وله تقارير إذاعية ومصورة عديدة

التعليقات

المقال التالي