يصفونها بـ"الحامضة" ولكن يتابعونها، لماذا ينتقد المغاربة أعمالهم الفنية في رمضان؟

يصفونها بـ"الحامضة" ولكن يتابعونها، لماذا ينتقد المغاربة أعمالهم الفنية في رمضان؟

قبيل الإفطار وأثناءه وبعده، تتسابق الإنتاجات الفنية في كل رمضان بالمغرب في عرض "سيتكومات"، ومسلسلات، وكبسولات فنية وغيرها من الأعمال التي تنال جرعات من النقد.

يصفها الجمهور بـ"الحامضة"، رغم أنه مقبل عليها و لا يجد غضاضة في مشاهدتها.

"آش هاد الحموضة"... بهذا التعبير يعبر المغاربة عن امتعاضهم من الأعمال الفنية في رمضان في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فلماذا يصفونها بهذا التوصيف؟

يصف المغاربة الإنتاجات الفنية الرمضانية بهذا التوصيف لأنها تسبب "الحموضة و تعسر الهضم" لديهم بسبب محتواها الذي يرون بأنه "لا يرقى بذوقهم، ولا يعكس صورة تناقضات حياتهم اليومية."

"بعد أن يشاهد المغاربة الكوميديا الرمضانية يشتمونها بأنها "حامضة" أي مرة بدون ملح او سكر"، يقول الناقد الفني محمد بنعزيز وأضاف بنعزيز في حديثه مع رصيف22:

"يتزامن نقد الإنتاجات الفنية الرمضانية هذا العام مع أجواء العطلة الصيفية ومع طقوس رمضان الكسولة وبالتالي جل المغاربة متفرغين للمشاهدة ولممارسة النقد. الجمهور يأكل ويشتم ما يأكله. وقد وفر الفايسبوك منصة ليصير النقد الفني عاماً وشائعاً ويثير التفاعل."

بالنسبة للناقد الفني عبد الكريم واكريم الإنتاجات الفنية الرمضانية بالمغرب (خصوصاً "السيتكومات") في "تدنٍ مستمر". وأضاف واكريم في حديثه مع رصيف22:

"حسب رأيي، وصلت هذه الإنتاجات الفنية لهذه السنة للقاع، وكل من شاهد "سيتكومات" هذا العام يمكنه بكل بساطة أن يصل لهذا الاستنتاج وهذا راجع لغياب كتابة متخصصة وللارتجال السلبي والاستسهال وعدم أخذ العمل الفني بالجدية التي يستحقها، إضافة لكل هذا عدم إعطاء الوقت اللازم للعمل كي ينضج كتابة وتصويراً ومونطاجاً وإخراجاً."

ينتقدونها ويشاهدونها لأنها تشبههم

تلقى الأعمال الفنية الرمضانية بالمغرب متابعة كبيرة من لدن المشاهدين رغم انتقادهم لها.

الأرقام الصادرة عن مؤسسة ميتري ماروك لقياس نسب المشاهدة تفيد سنويا عبر احصائياتها عن إقبال كبير لهذه الأعمال الفنية لا سيما في فترة الإفطار، وقبيله وبعده.

فلماذا يقبل المشاهد المغربي على تلك الأعمال مادامت "مبتذلة" و"حامضة"؟ يفسر بنعزيز إقبال المغاربة على تلك الأعمال تشبههم، أي أنها "انعكاس ميكانيكي لحياة المواطن".

وأضاف بنعزيز: "لو لم تكن هذه الإنتاجات تشبهنا لما صمدت ولما تسابقت شركات الإشهار استغلالها لبث وصلاتها في وقت الذروة."

لا يؤمن واكريم بإحصائيات ميتري ماروك، و"حتى لو فرضنا جُزافاً أن بها نوعاً من المصداقية، فهل حينما يظل جهاز التلفاز مشتغلاً في المنزل فترة الإفطار وما بعده، فإن هذا دليل على أن أهل الدار يتابعون ما يعرض من خلاله؟ لا أظن."

أقوال جاهزة

شارك غردبعد أن يشاهد المغاربة الكوميديا الرمضانية يشتمونها بأنها "حامضة"، ولكنها مع ذلك تشدهم بعيداً عما تعرضه الفضائيات العربية

شارك غردتقولب الأعمال الرمضانية الإنسان المغربي وتختزله لكائن بدوي وأحياناً يتم توظيف معجم لفظي مناطقي للسخرية من لهجات معينة

السخرية من أسلوب حياة المغاربة

من بين ما يؤاخذه المغاربة في الأعمال الرمضانية طريقة تناولها للإنسان المغربي، إذ تقولبه وتختزله لكائن بدوي وأحياناً يتم توظيف معجم لفظي مناطقي للسخرية من لهجات معينة وفي حالات أخرى يتم توظيف الاختلاف كأسلوب للضحك.

في هذه السنة اشتاط غضب المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب ما تعرضه إحدى الأعمال الفنية لشخصيات يراها المشاهدون بأنها تستهزئ بسلوك المغاربة في طريقة كلامهم ونطقهم وحتى في لهجاتهم المحلية.

مسلسل الدرب الذي أثار غضب المشاهدين:

العمل هذا ليس الوحيد الذي يسخر من العاهات ومن شكل المغاربة، بل سبقته أعمال أخرى تتعمد توظيف هذه النوعية من السخرية التي توصف بأنها "سطحية" ولا ترقى لكوميديا الموقف.

يرى الناقد الفني عبد الكريم واكريم أن "العمل الدرامي أو الكوميدي الجيد فنياً يجب أن يرتقي ويبتعد عن مثل هاته الحركات والأساليب الرخيصة التي تريد ابتزاز ضحكات المشاهدين".

ويؤكد واكريم في حديثه مع رصيف22 أن هذه الأعمال "لا تفلح سوى في العمل على الدفع بالمشاهدين للنفور من الأعمال المغربية والسفر بعيداً مع القنوات الفضائية العربية التي تبث أعمالاً محترمة فنياً وذات أبعاد إنسانية وجمالية لاتخطئها عين المتتبع."

من جهته يوضح الناقد الفني محمد بنعزيز أن هذا الأسلوب في السخرية يتم من خلال "اختيار ممثل له صفة بدنية معينة لجعل شكل جسمه موضوعاً لإضحاك المتفرجين. ففي حلقة يتم السخرية من البدين الأكول البليد. في حلقة أخرى تتم السخرية من النحيف الضعيف. في حلقة أخرى تتم السخرية من الأصلع الذي يريد زرع الشعر." 

وأضاف بنعزيز :"يلاحظ أنه بدل بناء كوميديا الموقف التي تتطلب جهداً، تتم السخرية من شكل الجسم وهذا مس بالكرامة الإنسانية".

وعلى مر السنين وفي كل رمضان مغربي، تمتلئ خزانة التلفزيون المغربي بأعمال فنية تركز بالأساس على إضحاك المغاربة بأسلوب يراه متابعون بأنه يفتقد للمسة فنية ولا يستهدف عقولهم ووجدانهم بقدر ما يحرك فيهم غريزة الضحك من أجل الضحك.

ولتفسير هذه النوعية من الكوميديا، يستدل بنعزيز بمقولة أرسطو :" تتطلب الكوميديا تصغير البشر للضحك منهم." موضحاً لرصيف22 أنه لا يمكن إضحاك المتفرج بتقديم شخص أعلى وأفضل منه اجتماعياً.

لذلك يتم التركيز على الأدنى، على البدوي ولكنته وطريقته أكله على فرض أنه مازال في مرحلة الطبيعة ولم يرق لمرحلة الثقافة. وحين يضحك المتفرج من هذا فهو يكتشف تشابها مع الممثل الذي يضحكه. تقوم هذه الكوميديا باستثارة الغرائز الكامنة والمواقف المسبقة للمغاربة ولا تخترعها.

ويعتقد واكريم بأن "ما نراه حالياً في الأعمال الفنية ليس بجديد"، وأوضح في حديثه مع رصيف22: "في رمضان الفائت تم الاحتجاج على طريقة النطق الباعثة للسخرية للممثلة الكوميدية سكينة درابيل باللهجة المسفيوية (أسفي)".

وأضاف واكريم: "ومن ضمن المسلسلات الدرامية التي تعرض هذا العام نجد شخصية لفتاة تطوانية تلعب دورها فرح الفاسي في مسلسل "الصفحة الأولى" ينطبق عليها هذا أيضاً، فاللهجة التطوانية والشمالية عموماً وبالكيفية التي تنطق بها الممثلة يُقصد بها الاستهزاء والسخرية."

منتوج رمضان :هل يعكس ذوق المغاربة وحياتهم؟

كثيراً ما يستنكر المغاربة ويشاطرهم في ذلك النقاد الفنيون أن الأعمال الفنية في رمضان لا تعكس ذوق المغاربة ولا ترقى لتطلعاتهم.

يستبعد واكريم أن مايعرض حاليا في القنوات التلفزية المغربية يُعبِّر عن الذوق الحقيقي للمشاهد المغربي، مؤكداً أن "الاحتجاجات والانتقادات التي يعج بها الفضاء الافتراضي سوى دليل على نفور المغاربة الكلي مما يعرض على تلفزاتهم والذي يُنتج من مردود ضرائبهم ومن جيوبهم."

وأضاف واكريم: "لقد أصبح الآن هنالك انفصال كُلِّي بين المواطن المغربي وشاشة التلفزة التي تسمى باطلاً مغربية وماهي بذلك. وعلى المسؤولين عن هذه القنوات أن يُعيدوا نظرهم كلية في طريقة تسيير هذه القنوات وخصوصا فيما يُعرض من أعمال درامية وأن يتوقفوا عن التعامل مع المغاربة كشعب قاصر يفرضون عليه حموضتهم وذوقهم السيء والرَّديء جداً."

من ناحيته يقر بنعزيز أن الأعمال الفنية في رمضان ما هي إلا انعكاس لذهنية المغاربة بما في ذلك النخب وأكد أن "كوميديا المغرب تلائم المغاربة تماماً، والدليل أنها وحدها التي تبعد المواطن عن الفضائيات طيلة شهر وتشدّه إلى التلفزة المحلية."

وأضاف بنعزيز: "إنها كوميديا ناجحة وستستمر، لأنها تضحكنا على أنفسنا."

صحفي و كاتب مقالات في الصحف والمواقع العربية كصحيفة رأي اليوم الإلكترونية وألترا صوت والسفير العربي، حاصل على باكالوريوس (ليسانس) صحافة.

التعليقات

المقال التالي