"قهاوي الكفار": ملجأ نهاري في القاهرة خلال شهر رمضان

"قهاوي الكفار": ملجأ نهاري في القاهرة خلال شهر رمضان

"يسير الشاب النحيل خائفاً، لا يكفُّ عن التلفت خلفه، يتوغل في الشوارع الجانبية لوسط القاهرة شبه الفارغة، الحر قائظ يحرق بشرته ويُدرُّ منه عَرَقاً مُصفَّى لآخر قطرة ليست صعوبة الجو هي سببه الوحيد.

يتوقف أمام محل مغلق علته يافطة بورصة البساتين (اسم مستعار)، ينظر مرة أخيرة للخلف، ثم يطرق على الباب بضع مرات متتالية، يأتيه السؤال من وراء الباب قلقاً: (مين؟)، يجيب: (افتح يا كيلاني.. دا أنا)، يفتح الأخير الباب وهو ينظر يميناً ويساراً، ويغلقه خلف الضيف فوراً، الذي ما أن ينتقي لنفسه مكاناً وسط بعض النزلاء المحدودين، ويجلس على مقعده الخرزاني، حتى يُسأل: (تشرب إيه؟)"

ما أن تهلّ أيام رمضان لا يتوقف فقط المسلمون من أهل القاهرة عن تناول الطعام والشراب من الفجر للمغرب، وإنما تتوقف معظم المقاهي والمطاعم عن تقديم خدماتها النهارية، وهو أمر لا يُلزمها به أي أحد، ولو رسمياً، وإنما يفعله أصحابها بسلوك أقرب للتطوع هرباً من المشاركة في إثم إطعام المُفطرين أو من الاتهام بالمساهمة فيه.

هو عُرف جرى اتباعه منذ القِدم، اعتبار الشهر الفضيل إجازة مدفوعة الأجر لكل العاملين في أي من هذه الأماكن، لا تسري أحكام تنفيذه على الكل فيما يبدو، بعدما قرر البعض التحدي وأصرُّوا على فتح "مقاصفهم" للزوار في رمضان، وإن عرَّضهم هذا الأمر لمضايقات أمنية ومُجتمعية لا تنتهي، فمن المعتاد أن تُصبُّ اللعنات على شخص وحيد يتناول أي شيء علناً خلال فترة الصيام، حتى ولو كانت حبوب دواء، فما بالك بمؤسسة إطعام كاملة تفتح أبوابها وتسمح لغير الملتزمين بالمجاهرة بالذنب الأكبر على الملأ.

الأمر الذي يدفعهم أحياناً للجوء إلى السرية بأن تظل أبواب أماكنهم مغلقة طوال النهار، فقط تُفتح للسماح للوافدين بدخولها ومن بعدها تُوصَد عليهم، خوفًا من التعرض لأي أذى، أو حتى إحاطتها بستار سميك من قماش لا يفضح إلا قليلاً كان كافياً لأن تفوح رائحتها عند المتربصين، وكعادة المصريين في السخرية من أي شيء، فقد أطلقواعليها لقبًا مُعبِّراً وهو "قهاوي الكفار".

أقوال جاهزة

شارك غردقرار عدم الصيام: "مفيش أي نص صريح يجرم هذا الأمر، لا هي جُنحة ولا جناية ولا أي حاجة"، ولكن رجال الأمن يرمون البعض بتهمة "ازدراء الأديان" بسببه

شارك غردالحرب على المقاهي في رمضان أمر لا تنفرد به القاهرة وحدها، بل هي ممارسة منتشرة في العالم العربي تُفرض تحت شعار "حماية مشاعر الأغلبية المسلمة"

"تبّاً" للكفرة

يؤكد الخبير القانوني عبدالناصر الشربيني الحاصل على دكتوراة في أثر تطبيق الحدود الإسلامية على المجتمعات، أن الشريعة لم تُقر عقوبة بحق أي شخص قرر الإفطار عمداً بغير عُذر في رمضان. فقط أنذرته بجلال ذنبه العظيم، وإن بقي عقاب الفِعلة يندرج تحت بند "التعزير" وهي العقوبات المتروكة للحاكم لتقديرها كي يحقق الضبط العام كيفما يرى، تبدأ من اللوم وتنتهي بالإعدام، والخيار الأخير مسموح أن يلجأ إليه إن تفشى الأمر وأصبح ظاهرة تحتاج لتدخل صارم.

ويضيف "الشربيني" لـ"رصيف 22"، أن القانون المصري أيضاً لم يُقرُّ أي عقوبة للمفطرين في نهار رمضان، مضيفاً "مفيش أي نص صريح يجرم هذا الأمر، لا هي جُنحة ولا جناية ولا أي حاجة"، ولكن أحيانًا يضبط رجال الأمن بعض مرتكبي هذه الأفعال ويتهمونهم بـ"ازدراء الأديان"، وهو أمر لا يمكن إثباته أبداً، لذا عادة ما تفرج عنهم النيابة دومًا فور عرض المتهمين عليها.

منذ أيام قليلة، داهمت شُرطة المرافق مقهى في شارع البوستة بمدينة الفيوم، خلال عمله في نهار شهر رمضان، وبالرغم من أنه أحاط نفسه بسرادق يمنع المارين بالشارع من رؤية رواده في الداخل وهم يحتسون المشروبات ويشربون الشيشة، إلا أن الأمن تحفظ على بعض المحتويات وأجبر صاحب المكان على غلقه بدعوى "وجود شكاوى ضده"، وهي ظاهرة ليست بالجديدة على مصر يؤرخ ميلادها متابعو هذا الشأن منذالعام 2009 حين انتشرت حملات في محافظات الجمهورية لـ"ضبط المفطرين" نتج عنها سجن عشرات الشباب في أسوان وبورسعيد والسويس والإسكندرية وغيرها.

ومن بعدها كرَّت المسبحة ولم تتوقف حتى الآن في ظل حفاوة دينية بهذه الإجراءات، لم تتوقف على فتوى متشددة أطلقها الداعية السلفي سامح عبدالحميد، طالب فيها بإغلاق المقاهي والمطاعم في رمضان، وملاحقة أي شخص يُفطر في مكان عام، وإنما امتد للمظلة الفقهية الرسمية دار الإفتاء التي أصدرت بياناً من سنوات أوضحت به أن الإفطار في نهار رمضان "لا يدخل ضمن الحرية الشخصية للإنسان، بل هي نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام"، داعية ولي الأمر لأن يتخذ "من الضوابط ما يكفل منع المجاهرين بالإفطار فى كافة الأماكن العامة".

الحرب على المقاهي في رمضان أمر لا تنفرد به القاهرة وحدها، وإنما سارت معها على ذات الدرب تونس، التي أعلن وزير داخليتها هذا العام إغلاقها برمضان "حماية لمشاعر الأغلبية المسلمة"، وشهدت السنة الماضية حملة مثيرة للجدل قادها الشيخ عادل العلمي رئيس حزب الزيتونة مرَّ خلالها على بعض المقاهي المفتوحة بفترة الصيام وطالب أصحابها بغلقها.

كما داهم الأمن الأردني بنهار رمضان الفائت كافيتريا الجامعة الألمانية بعمان وقبض على كل كان يتناول أي طعام بداخلها، فيما اعتبر وزير العدل المغربي السابق مصطفى الرميد في تصريحات سابقة له أن قرار بلاده بعقاب المفطرين هو حماية لهم ولمشاعر المجتمع، مبرراً غرامة الـ120 درهماً التي تفرضها المملكة على كل من يفطر في مكان عام، وهي عقوبة لا تكاد تخلو منها دولة عربية، تبلغ في الكويت 100 دينار وفي الإمارات ألفي درهم، وبقطر 3 آلاف ريال، وفي عمان 5 ريالات، وفي البحرين السجن 3 أشهر.

في أحد الشوارع الرئيسية بحي الجيزة يقع مقهى الأكابر (اسم مستعار) بالرغم من إسدال أبوابه إلا أن حركة نشطة تدور حوله جيئة وذهاباً، وكل وقتٍ وآخر يتصاعد رنين مزعج كلما رفع أحدهم الباب الصاج ليدخل، بعدما قرر صاحبه ألا يوقف نشاطه في نهار رمضان، مستغلاً وجود حالة من الرواج المستمرة عليه، بسبب تموضعه قُرب أحد مواقف الميكروباصات الكبرى، الأمر الذي يكفل له تدفقاً لا ينقطع تقريباً طوال العام.

لافتة كبيرة كُتب عليها "صلِّ على النبي" عُلقت في المكان، إضافة لبعض الفوانيس الرمضانية المتناثرة هنا وهناك، ممتلئ عن آخره بالزوار الهاربين، المقاعد كلها مشغولة كما لو أنهم يتابعون مباراة لمحمد صلاح، عجبٌ لا يستمر إن عُرف سببه بأنه المكان الوحيد بالجيزة كلها الذي يوفر الشاي والقهوة والشيشة بهذا التوقيت فاستقطب كل راغب فيها من كل حدب وصوب، تظهر جلياً محاولة الجالسين عدم إحداث أي ضجة قد تفضح وجودهم لمن بالخارج. 

يطرق سكان الحي على باب مقهى "الكفار" من الخارج بعنف ويسبّون من فيه ويتهكمون على رجولتهم

يقول (محمد. أ) صاحب المقهى، أنه لا يستطيع التوقف عن عمله أبدًا مهما كانت الظروف بسبب الصعوبات المالية التي يعيشها والتي لا تحتمل انقطاع يوم واحد عن التكسب. يشير لـ"رصيف 22" إلى سجادة صلاة مفرودة بركن منزوٍ، مؤكدًا: "مبسبش ولا فرض، احنا مش كفرة زي ماهما فاكرين، بس محدش عارف ظروف حد، لو الشغل هنا وقف مش هلاقي فلوس أصرف على بيتي".

ويضيف، أنه حتى الآن لم يتعرض لأي مضايقة أمنية من أحد كما تخيل، لكن بعض أهالي المنطقة يحاولون استفزازهم أحيانًا؛ يطرقون على الباب من الخارج بعنف ويسبّونهم أو على الأقل يتهكمون على رجولتهم الرخوة التي لا تحتمل ساعات الصيام، ويحكي "محمد" أن أصعب موقف صادفه هذا الشهر، عندما أصر أحد الآباء على الولوج ليتأكد من معلومة وجود ابنه بالداخل يدخن الشيشة، ولما وجده تشاجر معه بشدة حينها، ثم سبَّ جميع الحضور ورحل وهو يسحب ولده خلفه.

في وسط القاهرة تزدحم عشرات المقاهي معاً في جولة لرصيف 22 عليها بدا أن جميعها أذعنت لقرار الإغلاق، بما فيها أماكن عريقة كـ"ريش" و"جروبي"، المفتوح منها هي أماكن حوّلها أصحابها لجزء من مائدة رحمن كبيرة مستغلاً ما يملك من مقاعد ومناضد.

كافيتريا كـ"الأمريكيين" أمسكت العصا من المنتصف أغلقت جميع أبوابها إلا واحداً بقي "موارباً"، ما جعله يتراءى للناظرين مرفوعاً من الخدمة، فكانت النتيجة زبون أو اثنان فقط بالمكان الفسيح يشربان قهوتهماالصباحية، كافيه "كوستا" الوحيد الذي رفع راية العصيان كاملة بعد أن حافظ على اعتيادية عمله دون أن يغير شيئاً إلا ديكورات السقف، عدا ذلك تشعر كما لو أنه يوم عادي، الزبائن يملأون دوريه والعمال يمدونهم بالطعام والشراب المطلوب بانتظام.

ضالتنا كانت في مقهى الأصدقاء (اسم مستعار) يقع قرب دار القضاء العالي، صحيح أنه أغلق أبوابه بإحكام إلا أنه ترك "كوة" خلفية تسمح بمرور أي زائر فقط بقليل من الجهد، وفي ركن منزوٍ تناثر جمعٌ من الأفراد لا يزيد عددهم عن 10.

يقول "أحمد. م" يعمل سائقاً، إنه ليس مريضاً ولا يعاني من أي أزمة تعوقه عن الصوم لكنه لا يصوم. يوضح لـ"رصيف 22": "مش عارف، بس عُمري ما صمت، مبقدرش عليه ومعنديش عُذر. مثلاً مقدرش أعيش ولا أشتغل من غير سيجارة في إيدي، ممكن أقعد طول اليوم ماكلش غير السجاير، بس لازم أشربها".

فيما يقول "أمير. ت" طالب ثانوية عامة، أنه يلجأ لهذا المكان كي يتمكن من شرب الشيشة مع أصدقائه، ولأنه بعيد عن منطقة سكنه فلن يراه أحد، وعندما سأله "رصيف 22" ممازحاً ماذا سيحدث لو دخل عليه والده الآن، ابتسم وهو يشير بيده على رقبته علامة الذبح.

خلف مقهى الأصدقاء يقع مكانٌ آخر آوى المفطرين، لم يغلق أبوابه ولم يضع حتى ستار القماش، مستتراً بوجوده بشارع جانبي لا يرتاده إلا من يريد قَصْد مقهى المحمودية (اسم مستعار). يؤكد صاحبه لـ"رصيف 22" أنه صائم، ولم يفطر أبداً أيّاً من أيام رمضان، لكن هذا لم يمنعه من خدمة زبائنه لأن "كل واحد هيشيل ذنبه لوحده"، وأنه يتدخل أحياناً لضمان عدم خروج الأمور عن المسموح، فهو لا يسمح مثلاً بوجود الفتيات أو المراهقين طوال الشهر "عشان وجع الدماغ".

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي