كيف غزت السعودية مصر؟

كيف غزت السعودية مصر؟

مصر التي نراها اليوم هي ليست وريثة مشاريع التنوير في بدايات القرن العشرين أو المشروع الثوري ليوليو 52، بل هي محصلة  لمؤثرات عدة من أبرزها الغزو السعودي الذي ترك بصمته على شخصية أحد أقدم المجتمعات وأعرقها في التاريخ.

تعود أوضح بدايات هذا التأثير السعودي إلى خمسينيات القرن العشرين حين فتحت السعودية أبوابها للإخوان المسلمين الهاربين من المواجهة مع نظام عبد الناصر. كانت الحرب مستعرة بين معسكر "تقليدي محافظ" ينعته الناصريون بالرجعية، ومعسكر "تقدمي اشتراكي" يفصل الدين عن السياسة ويتبنى فكرا متحررا فيما يخص المرأة والحريات الشخصية. كانت الحقوق السياسية منقوصة بشكل واضح في المعسكرين، ولكن الفرق في التعامل الاجتماعي كان بارزا كذلك.

لو نظرنا إلى المجتمعين المصري والسعودي آنذاك لوجدنا الفن بكل ألوانه من تمثيل وغناء ورسم ونحت وغيره مزدهرا في مصر في الوقت الذي كانت هذه الصور من الابداع الانساني محرمة في السعودية. كما لم يكن هناك في مصر، ذات النظام السياسي الشمولي، من يقيد بشكل رسمي تعليم المرأة أو يفرض عليها زيا معينا بحجة الحفاظ على أخلاق المجتمع.

وبعد خمسين عاما، لا يزال جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غائبا عن الدولة المصرية، ولكنه ترسخ في المجتمع كرقابة ذاتية أفرزتها هجرة منظومة التفكير الاجتماعية من السعودية إلى مصر.

المجتمع الصحراوي في السعودية بطبيعة تركيبه هو صورة أحادية اللون لا تتمتع بكثير من التنوع في الألوان. أما المجتمعات المدنية التي بنيت منذ القدم على ضفاف الأنهار وفي بلاد الحدود المفتوحة فتحمل من الألوان الفكرية الكثير مما يجعل بنيتها أكثر تنوعا، وأفكارها أكثر تقبلا للتلاقح مع حضارات وأمم أخرى. وهذا الفرق الذي أملته الطبيعة الحاكمة للمجتمعين أثر بشكل كبير على الصورة التي يهضم بها كل مجتمع الأفكار والايديولوجيات وحتى الدين المشترك بينهما. فالاسلام السعودي جاء ليعبر عن تلك النظرة الأحادية لما هو صحيح وخاطئ وابيض وأسود، وكفر وإيمان بهامش ضيق جدا للنقاش والاختلاف.

استمرت رعاية السعودية للإخوان المسلمين الهاربين من نظام عبد الناصر حتى قيام دولة السادات التي لقبها هو بدولة "العلم والايمان". كان هذا مقدمة لإطلاق المجال لحرية الحركة للإخوان العائدين من منافيهم الخليجية إلى مصر. تزامن هذا مع تدفق العمالة المصرية على السعودية ودول الخليج المتعطشة للكفاءات والأيدي العاملة لتستثمر فوائض النفط بعد حرب 1973 في مشاريع داخلية. وبعد سنوات من العزلة والحياة تحت نظام اشتراكي ذي اقتصاد موجه تعرف الملايين من المصريين العاملين في السعودية على نمط حياة استهلاكية ذات سوق مفتوحة براقة الألوان تزخر بكل متطلبات الرفاهية.

ومن هنا بدأ الانكسار السياسي والحاجة الاقتصادية يلعبان دورا في هضم الواقع الجديد لدى المصريين في السعودية. أخذ الاستمتاع بالحياة الجديدة المنفتحة اقتصاديا والأحادية فكريا يبذر بذوره في الشخصية المصرية العائدة إلى بلدها محملة بكل ما تستطيع من مواد استهلاكية، وما تشربته من تصورات عن أسباب النعمة التي ترفل بها السعودية.

وأصبح النموذج السعودي بشقيه الاقتصادي والاجتماعي الديني هو أهم ما تصدره السعودية لمصر مع العائدين أو الزائرين من المصريين الذين بدأوا يربطون النعمة الاقتصادية بالتدين، ومصاعب الحياة وانتكاسات الأحلام في مصر بالعلمانية والبعد عن الله كما قيل لهم. وهكذا بدأت شخصية المجتمع المصري بالتغير منذ ذلك الوقت في نواح عديدة ربما من أبرز ظواهرها النقاط التالية:

الإسلام السلفي

بدأ ينتشر بشكل واضح في سبعينيات القرن العشرين مع الفراغ الايديولوجي لنظام السادات ودعمه للنماذج الاسلامية كحائط ردع للتيار اليساري الناصري. وبهذا انتشر الدعاة السلفيون المدعومون فكريا وماديا من السعودية في مصر وأصبح لهم تأثير قوي يوما بعد آخر في اوساط الشباب مع خلو الساحة من أي بديل ناجح. ومع ظهور الفضائيات تزايدت شعبية دعاة مثل أبي اسحق الحويني، ومحمد حسان وغيرهم لتتجاوز الأطر التنظيمية للدعوة السلفية إلى الجمهور غير المنضوي في أي من التنظيمات السلفية.

هذا الضخ الاعلامي السلفي بدأ يفرض تغييرا في الإسلام الوسطي المعتدل الذي عرفته مصر لزمن طويل. فمصر لم تكن أبدا حنبلية المذهب، وابن تيمية لم يكن من الشيوخ ذوي التأثير البارز في الأزهر، ولكن هذه المدرسة الاسلامية أصبحت الآن أكثر انتشارا من ذي قبل بفضل العائدين من السعودية، والدعاة المدعومين  منها. ومن المفارقة أنه حتى في التراث الشعبي كان المصريون يربطون بين المذهب الحنبلي والتشدد في المثل المعروف " ما تبقاش حنبلي". أما الآن فقد أصبح المجتمع أكثر تقبلا لأن " يبقى حنبلي" حتى دون أن يعترف علنا بهذا.

أقوال جاهزة

شارك غردالأزهر لم يعد رائداَ في التقريب بين المسلمين. بل أصبحت أهم أولوياته الآن وضع ثقله الديني ضد التشيع كجزء من صراع النفوذ في المنطقة بين السعودية وإيران

شارك غردإن انتشار الحجاب في مصر مقارنة بما كان عليه قبل خمسة عقود يوضح لنا إلى أي مدى أصبحت النظرة إلى المرأة محكومة بزيها، وإلى أي حد تراجعت الحريات الشخصية في مقابل القيود الاجتماعية الدينية التي فرضها التأثير السعودي

المرأة

أصبح من الصعب أن نرى هدى شعراوي جديدة الآن في القاهرة بعد أن تشرب العقل الجمعي المصري على مدى عقود النظرة السعودية للمرأة بضمن ما تأثر به من سلفية دينية. إن انتشار الحجاب والنقاب في مصر الآن مقارنة بما كان عليه قبل خمسة عقود يوضح لنا إلى أي مدى أصبحت النظرة إلى المرأة محكومة بزيها، وإلى أي حد تراجعت الحريات الشخصية في مقابل القيود الاجتماعية الدينية التي فرضها التأثير الديني السعودي.

وبعد سنوات عديدة من المكاسب التي حققتها المرأة عاد الجدل بشأن عمل المرأة، ومظهرها وملابسها ووضعها الاجتماعي مقارنة بالرجل ليصبح من المواضيع التي تشغل شباب القرن الحادي والعشرين ويتناولها دعاة الفضائيات ضمن محاولتهم لاستنساخ القرن السابع الميلادي وتصويره على أنه الاسلام الحق. وقد استتبع ذلك انتشار المحال التي تبيع الأزياء الاسلامية ولوازم النقاب وأنواعه وهو أمر لم تعهده مصر لفترة طويلة من القرن العشرين. 

التراث الديني المصري

كان من الطبيعي أن يصطدم هذا الزخم السلفي القادم من السعودية بنظرته الصارمة للاسلام مع تراث مصري تراكم من تاريخ يزخر بألوان الطيف الديني المتعددة. هذا الصدام مشابه لما حدث حين فتح الوهابيون النار على حراس بعثة الحج المصرية وحطموا المحمل المصري عام 1925 لأنه حسب رؤيتهم الدينية شرك وليس من الاسلام في شيء.

يتجدد هذا الصدام اليوم ولكن داخل مصر هذه المرة وبجنود مصريين تزودوا بذخيرة فكرية سعودية ليعودوا لبلادهم مهاجمين تراثها الديني بحجة أنه ضد الدين. فالسلفيون المصريون يعدون الموالد المصرية والتي تمثل التجسيد الاجتماعي المصري للاحتفاء بالرموز الدينية شركا محرما. لطالما كانت هذه الاحتفالات الدينية مصدرا ملهما ينهل منه الكتاب والملحنون والمغنون وكل من يريد دراسة وفهم التراث المصري وألوان الطيف المتعددة التي تتجلى فيه.

وينسحب هذا التأثير السعودي على مدرسة تلاوة القرأن المصرية العريقة التي كانت في فترة سابقة الأكثر انتشارا في مصر والعالم العربي. فالعديد من الدول العربية كانت تحتفي بالقراء المصريين في شهر رمضان وغيره من المناسبات الدينية. أما الآن فقد تراجع انتشار وشعبية تسجيلات عبد الباسط عبد الصمد، والطبلاوي، ومصطفى اسماعيل وغيرهم من كبار القراء داخل مصر لصالح قراء المدرسة السعودية كالعفاسي والدوسري والقحطاني.

المدرسة السعودية في الأداء مستقاة من الفهم الديني الأحادي أيضا، فهي تسعى لإيصال المعنى دون أي تجويد أو لمسات فنية كما هو الحال في المدرسة المصرية. وأصبح من المعتاد أن تسمع تسجيلات القراء السعوديين وأنت تتجول في الشوارع أو المحال التجارية في القاهرة.

الأزهر

هذه المؤسسة الدينية العريقة التي تعد الأهم في العالم المسلم السني شهدت بوادر للتجديد والتطوير في مهمتها الدينية على أيدي رواد مثل الشيخ محمد عبده وشلتوت وغيرهما. ولكن الأزهر الآن، الذي يشكل التمويل السعودي الآن نفوذا واضحا على أولوياته، لم يعد رائدا في التجديد أو التقريب بين المسلمين. بل أصبحت أهم أولوياته الآن هو وضع ثقله الديني ضد التشيع كجزء من صراع النفوذ في المنطقة بين السعودية وإيران.

تناول العديد من الكتاب والمفكرين المصريين هذه الظاهرة منبهين إلى عمق التغييرات التي تطال شخصية مصر بسبب النفوذ السعودي. فقد اعتبر الروائي المصري المعروف علاء الأسواني أن "الغزو الذي قامت به "الأفكار الوهابية الرجعية والمتخلفة" يوشك أن يحول مصر إلى إمارة من إمارات طالبان. وينبغي حسب الأسواني مواجهة هذا الخطر بالسماحة التي يتحلى بها "الإسلام الحقيقي".

كما يقرر الباحث المصري أيمن زهري في كتابه " دفتر أحوال المجتمع المصري" أن "الإختراق الثقافي والإجتماعي الذي أحدثته هجرة المصريين لدول الخليج لا يمكن إختزاله في إرتداء الجلاليب البيضاء ذات الياقات المنتشاة أو اصطحاب الخادمات السريلانكيات والفلبينيات عند عودة الأسر المصرية لقضاء إجازة الصيف في مصر ولا إنتشار قيم المجتمع الاستهلاكي، فهذه التغيرات قد تكون إنعكاسا غير مباشر للتحولات العالمية حولنا، ولكن ما يؤلمنى هو إنحسار قيم التسامح والمودة والرحمة والبساطة، وإلاهتمام بالمظهر دون الجوهر".

ويذهب زهران إلى أبعد من هذا ليعتبر أن "النمط الثقافي والاجتماعي الوارد إلينا متستراً خلف الدنانير والريالات المبللة بعرق المصريين وجهدهم قد يكون أشد خطرا على المجتمع المصري من الغزو الثقافي القادم إلينا من الغرب".

إن قوة الفكرة قد لا تكون بالضرورة نابعة من عمق أيديولوجي وإنساني يسهل انتشارها، بل قد تكون بكل بساطة نتاجا لقوة اقتصادية رديفة تفرضها على مجتمعات أخرى. يراهن البعض على محاولات الانفتاح والتحديث السعودية الآن بأنها قد تكون مقدمة لانحسار بعض هذه الظواهر في المجتمع المصري. ومما يشجعهم على هذا التصور أن بعض سمات الشخصية المصرية التي طبعت هوية هذا البلد منذ القدم والتي لا تزال موجودة، قد تشكل عاملا مساعدا في العودة عن الهوية المستعارة التي انتشرت في مصر منذ عصر الانفتاح وحتى الآن.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي