بين مديح الرسول والتعبير عن الشوق للحبيب... أغانٍ كتب كلماتها فقهاء ومتصوّفون

بين مديح الرسول والتعبير عن الشوق للحبيب... أغانٍ كتب كلماتها فقهاء ومتصوّفون

لم يدُر بخيال الفقيه عبد الله بن محمد بن إدريس بن شافع، المعروف بـ"الإمام الشافعي" (767 – 820)، وهو يصيغ أبيات أشعاره أن مطربين ومنشدين سينهلون منها في العصور التالية، ليمدحوا الرسول ويعبرّوا عن اشتياقهم للحبيب ويصفوا أحوال الدنيا.

ويذكر الدكتور نبيل حنفي محمود، مؤلف كتاب "أئمة وشعراء غنائيون"، لرصيف22 أن قصيدة "إذا رُمت" التي وردت في ديوان "عاشر بمعروف" ربما تكون أول ما لُحّن وغُني من شعر الشافعي، في أوائل القرن العشرين، وذلك على يد زكريا أحمد.

واستمر أداء هذه القصيدة بحناجر مختلفة حتى أيامنا هذه، وقامت فرقة U.Band بغنائها بلحن وتوزيع موسيقي حديث.

وبحسب محمود، كان للإذاعة المصرية التي انطلقت عام 1934 الفضل في الحفاظ على هذا الميراث الشعري للفقهاء والصوفية عبر تحويل بعضه في أوائل القرن الماضي إلى أغنيات بقيت في آذان المستعمين، وتلقفتها بعد ذلك أجيال تالية من ملحنين ومطربين وضعوا بصمتهم عليها وقدّموها بشكل يناسب العصر الذي يعيشونه.

وعالجت أشعار الأئمة والشيوخ أغراضاً ثلاثة هي الحب الإلهي وحب الرسول والوجدانيات، ما مثلّ مورداً لمَن قصد تلك الأغراض من أهل الغناء.

"إذا رُمت" ليست الوحيدة التي قدمت في ثوب عصري، فالفنان علاء عزام لحّن وأنشد أبياتاً من قصيدة "الرضا بالقضاء"، يذكر محمود.

وتضم قائمة الناهلين من شعر الشافعي الفنان الإماراتي محمد المازم الذي انتقى ستة أبيات وقدمها بصيغتين مختلفتين، الأولى بتوزيع موسيقي أعده العراقي محمد صالح للحن وضعه المازم نفسه.

بينما طرحت الصيغة الثانية بالأسلوب الإنشادي، الذي التزمه المازم بعد اعتزاله تقديم الأغاني العاطفية، فاستعان بالأصوات البشرية دون اللجوء لآلات موسيقية سوى الطبول، بحسب محمود.

وهذه الأبيات قدمها أيضاً عدد من الفنانين والمنشدين مثل التونسي عبد القادر محمد قدور، والإماراتي محمد عبيد، والفلسطيني عبد الفتاح عوينات.

ولم تخرج قصيدة "الصديق" من قائمة الأشعار التي غُنيت في قالب عصري. يذكر محمود أن المنشد السعودي محمد الحداد ترنم ببعض أبياتها بإيقاع خليجي سريع.

سلطان العاشقين عمر بن الفارض

ربما لم يحظَ فقيه أو صوفي بغناء أشعاره بقدر عمر ابن الفارض (1181 – 1235) الذي حمل لقب "سلطان العاشقين"، لكثرة أشعاره في العشق الإلهي. ويذكر الباحث في الشأن الصوفي الدكتور علي أبو الخير لرصيف22 أن أهل التصوف لهم أشعار وأناشيد يعبّرون بها عمّا يسمونه بـ"المدد" أو "العلم اللدُني"، وهو العلم غير المكتسب من الحياة والدنيا وإنما الممنوح من الله، وعادة ما تتسم هذه الأشعار بالبلاغة والذوبان في الحب الإلهي، ومن ثم أقبل عليها المطربون وتغنوا بها.

ولم يمنع ذلك من خروج بعض الأشعار عن سياق الحب الإلهي، عبر اجتزاء المطربين لأبيات بعينها وغنائها، فظهرت وكأنها موجهة للحبيب أو المعشوق الإنسان.

غير أن ارتباط التصوف الإسلامي بالغناء طوال تاريخه ساهم كثيراً في تحويل أشعار الأقطاب إلى أغنيات ما زالت تُردد. شرح محمود أن الصوفية ترنموا بهذه الأشعار في حلقات الذكر والإنشاد وكذلك في خلواتهم، لأنهم اعتبروا الغناء والاستماع إليه أحد المقامات على طريق الوصول إلى الله.

ومنذ رحيله وحتى الآن، تغنى كثيرون بأشعار ابن الفارض. وبحسب محمود اختار الشيخ علي محمود في مطلع القرن العشرين ثلاثة أبيات من قصيدة "ته دلالاً" التي يبلغ عدد أبياتها ستين بيتاً وقام بتلحينها وغنائها.

وعاشت هذه الأغنية حتى عصرنا الحالي، فغناها عدد من المطربين منهم عمر متاوي وصلاح بجاتو بتوزيع موسيقي حديث.

وأيضاً، تغنى علي محمود بقصيدة أخرى لابن الفارض هي "أدِرْ ذكر مَن أهوى".

وينتمي علي محمود إلى مجموعة الشيوخ التي ضمت محمد أبو العلا وسيد الصفتي ومحمد عبد الرحيم المسلوب وتغنّت بأشعار الفقهاء والصوفية، فساهمت بذلك في الحفاظ على هوية الغناء المصري والعربي في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين من الهجمة العثمانية التي كانت تحاول صبغ الغناء بلونها، ذكر محمود.

أقوال جاهزة

شارك غردقصيدة "إذا رُمت" التي وردت في ديوان "عاشر بمعروف" ربما تكون أول ما لُحّن وغُني من شعر الإمام الشافعي، في أوائل القرن العشرين، وذلك على يد زكريا أحمد

شارك غردربما لم يحظَ فقيه أو صوفي بغناء أشعاره بقدر عمر ابن الفارض (1181 – 1235) الذي حمل لقب "سلطان العاشقين"

ولم تقف "أدِرْ ذكر مَن أهوى" عند حدود الشيخ علي محمود، فتناقلتها أصوات عربية أخرى في عصور تالية، وغناها المنشد السوري نور الدين خورشيد بتوزيع موسيقي حديث.

كما غنتها المطربة المغربية فدوى المالكي.

أما "خمرية" ابن الفارض فقد كانت هدفاً لمغنين ومنشدين مثل ياسين التهامي ورشا ناجح.

وكانت قصيدة "زدني بفرط الحب فيك" ضمن أشعار ابن الفارض التي تغنى بها منشدون ومطربون معاصرون مثل المصري "زجزاج" Zigzag، والفلسطينية ريم بنا.

وبحسب محمود، كان أول مَن تغنى بهذه الأبيات الشيخ أحمد إدريس الذي تغنى أيضاً بسبعة أبيات من قصيدة "نسخت بحبي آية العشق".

شرف الدين البوصيري والبردة

برغم كثرة أشعار الصوفية والفقهاء التي غُنيت، لا يوجد نص امتد ترديده بأصوات غنائية لأكثر من سبعة قرون كما حدث مع "البردة" التي نظمها الإمام شرف الدين أبو عبد الله بن هلال الصنهاجي الشهير بالبوصيري (1213- 1295) نسبة إلى قرية بوصير في محافظة بني سويف المصرية حيث وُلد.

ويذكر محمود في كتابه أنه لا يمكن إحصاء عدد منشدي القصيدة، وإن كان أبرزهم عبد العظيم العطواني وأحمد منصور ومحمد عبد الرؤوف السوهاجي من مصر، وأحمد جلمام من تونس، والأخوان أحمد ويوسف المزرزع من سوريا.

وأتى أداء العطواني في صيغة تقليدية للإنشاد تعتمد على القدرات الصوتية، دون أية مصاحبة موسيقية أو إيقاعية، بينما ظهرت التصرفات اللحنية في أداء كل من منصور وعبد الرؤوف والسوهاجي وجلمام.

البرعي... قف بالخشوع

ولا تزال أغنية "قف بالخشوع" التي تغنى بها المطرب محمد فوزي تتردد في القنوات المختلفة كل أسبوع قبل آذان الجمعة وفي المناسبات الدينية، شاهدة على مورد شعري نهل منه مطربون كثُر.

وبحسب أبو الخير وردت أبيات الأغنية في قصيدة "في مناجاة الله" للفقيه والمتصوف عبد الرحيم بن أحمد البرعي اليماني المعروف بالإمام البرعي (1274- 1401)، والذي كان له ديوان شعر أكثره في المدائح النبوية.

وبأبيات من قصيدة البرعي "ألا بلغوا عني المحبين"، صدح صوت الشيخ محمد الفيومي في خمسينيات القرن الماضي، وفي فترة لاحقة المنشد السوري رضوان عزة عريجة الذي سجلها دون مصاحبة فرقة موسيقية.

أما الشيخ سيد النقشبندي فسجل في السبعينيات ستة أبيات من قصيدة "الالتجاء إلى الله تعالى" في صيغة ابتهالات، وغناها منذ سنوات المنشد الإماراتي مشاري راشد العفاسي.

إبراهيم الدسوقي... أسرار وإشارات

ولا تقلّ قصائد القطب الصوفي إبراهيم الدسوقي (1255- 1296) أهمية. بحسب أبو الخير، فإن الدسوقي أحد الأقطاب الأربعة، وله مريديون وطريقته تُعرف بالبرهانية وله أشعار صوفية مليئة بالأسرار والإشارات، أشهرها قصيدة "سقاني محبوبي" التي تغنى بها المطرب السوداني معتز صباحي.

يحيى الصرصري... يا راضياً بالحب

وكان من الطبيعي أن تأخذ أشعار يحيى بن يوسف الصرصري (1192- 1258) طريقها إلى حناجر المنشدين والمداحين. ذكر محمود أن الإذاعة المصرية دفعت في منتصف خمسينيات القرن الماضي بقصيدتين إلى كبار الملحنين فصنعا لهما لحنين من أجمل ما أنتجته الإذاعة من غناء ديني، الأولى هي قصيدة "رسول الحق" التي لحنها أحمد صدقي وشدت بها المطربة أجفان الأمير في ديسمبر 1955.

أما الثانية، فهي قصيدة "يا راضياً بالحب" للإمام الصرصري والتي لحنها فؤاد حلمي وترنمت بلحنها نجاة الصغيرة، في مايو 1956.

محيي الدين بن عربي... الأشعار الفلسفية

وبلغت الفلسفة الصوفية أوجها في أشعار محيي الدين بن عربي (1165- 1240) الذي لم يترك مجالاً إلا وكتب فيه شعراً سواء مدح الرسول أو الدعوة إلى الأخلاق الحميدة والزهد وإيثار الآخرة على الدنيا.

لذا نهل منه مغنوّن وجدوا منالهم في شعره، مثل دينا الوتيدي وهبة القواس وأمينة العلوي وغالية بن علي وجميعهم غنوا أغنية "أدين بدين الحب"، حسبما ذكر أبو الخير.

كما استعان صُناع مسلسل "السبع وصايا" بأبيات من أشعار ابن عربي التي غُنيت في مقدمة ونهاية كل حلقة.

ومن تواشيح ابن عربي التي عرفت طريق الغناء "فؤادي غدا من شدة الوجد" الذي شدا به أمين حسنين سالم والشيخ كامل يوسف البهتيمي، وتناقلته الحناجر حتى أيامنا هذه فغنته فرقة المرعشلي السورية.

الشبراوي... وحقك أنت المنى

وكان لأشعار الفقيه الشافعي عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي (1681- 1758) نصيب من الغناء. ذكر محمود أن أم كلثوم تغنت عام 1920 بأبيات من قصيدة "وحقك أنت المنى والطلب"، وتغنى بها أيضاً الشيخ أبو العلا محمد وعزيزة جلال والمطربة التونسية درصاف الحمداني والمغربيتان فدوى المالكي وعايشة الوعد.

رابعة العدوية... عرفت الهوى

ولم تخرج قصيدة "عرفت الهوى" لرابعة العدوية (717 – 796) من قائمة أشعار الصوفية المغنّاة، وغنّتها أم كلثوم في الفيلم الذي حمل اسم المتصوفة وأُنتج عام 1963، ثم عدد من الأصوات منها المطرب أحمد الحويلي، ذكر أبو الخير.

محمد الزملكاني... سمات غنائية

شجّعت السمات الغنائية الواضحة التي تميّز أشعار قاضي قضاة الشافعية محمد بن علي بن عبد الكريم الشهير بالزملكاني (1269- 1324)، القائمين على الإنتاج الغنائي بالإذاعة المصرية في خمسينيات القرن الماضي، على انتقاء مجموعتين من أبيات قصيدة يناجي فيها الكعبة أسماها "ربة الأستار"، وتغنت بها المطربة فايدة كامل بعنوان "يا أفضل الرسل"، ذكر محمود.

ثم دفعت الإذاعة بمجموعة أبيات أخرى من نفس القصيدة تغنت بها المطربة مديحة عبد الحليم بعنوان "أهواك يا رب الأستار".


محمد شعبان

صحافي مصري مهتم بالتاريخ والتراث والثقافة.

التعليقات

المقال التالي