المهرجانات السينمائية العربية تعلّق دوراتها: كيف نحزن على الفن السابع؟

المهرجانات السينمائية العربية تعلّق دوراتها: كيف نحزن على الفن السابع؟

"دبي السينمائي يُعلن تعليق دورته هذا العام بسبب إجراء بعض التعديلات على المهرجان"، خبر صادم سبقته أخبار أخرى عن تعثر مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وإلغاء مهرجان مراكش لإحداث تغيير عبر آليات جديدة، وإنهاء مسيرة مهرجان أبو ظبي وقبله مهرجان دمشق.

والخلاصة أن أبواب المهرجانات العربية الكبرى تُوصَد في وجوه عشاق الفن السابع، وتُطفأُ أنوارها تاركة وراءها نزيف صناعة عريقة تمنّى العرب يوماً لو أنها تصل بهم إلى منصات التتويج العالمية لكن دون جدوى.

مهرجان القاهرة السينمائي الدولي

راهن العرب في كل مرة على مهرجاناتهم السينمائية، مؤكدين أنها أبعد ما تكون عن الأشكال الاحتفالية، وأن الغرض الرئيسي من إنشائها دعم صناعة السينما والنهوض بها وتبادل الثقافات في محاوله لإثراء الوعي الجمعي والوقوف في خندق واحد ضد قوى التطرف والظلام بالقوة الناعمة "السينما"، غير أن جولة سريعة بين صفحات التاريخ تؤكد لك أن العرب خسروا هذا الرهان بعدما خرجوا من المهرجانات الدولية بمجموعة صغيرة من الجوائز ومجموعة أكبر من الانتقادات التي وُجهت إلى تجاربهم بسبب ضعفها وقلة حيلتها في مواجهة تجارب الغرب التي تزداد ثراء يوماً بعد آخر.

طبعاً إلغاء تلك المهرجانات يؤثر بالسلب على صناعة السينما العربية كما يضعف محتوى الأفلام ويجعلها غير قادرة على منافسة الأفلام العالمية على أية جوائز لغياب فكرة التنافسية. فإذا كان المُنتَج الفني العربي ضعيفاً في وجود تلك المهرجانات فكيف سيكون الحال في غيابها؟ ثم ما الحل لتعود تلك المهرجانات وتمارس دورها في ظل اعتراف الغالبية بأنها مجرد أشكال احتفالية فقط لا غير. وهل تعود السينما العربية لمجدها بعودة تلك المهرجانات؟

أقوال جاهزة

شارك غردالعرب خسروا الرهان بعدما خرجوا من المهرجانات الدولية بمجموعة صغيرة من الجوائز ومجموعة أكبر من الانتقادات التي وُجهت إلى تجاربهم

شارك غردإذا كان المُنتَج الفني العربي ضعيفاً في وجود تلك المهرجانات فكيف سيكون الحال في غيابها؟

الناقد الفني كمال القاضي قال: إلغاء تلك المهرجانات انعكاس طبيعي جداً لسوء الإدارة والتخطيط، فمعظمها قام على الفكرة الدعائية السياحية للبلد المنظم ومن ثم أسرف القائمون عليها في الإنفاق بشكل مستفز، دون النظر للمستقبل الحقيقي للصناعة السينمائية في هذه البلاد، والدليل أنه لا توجد دور عرض كافية ولا أجهزة سينمائية بالمعنى العلمي والإداري ولا أكاديميات معنية بتدريس السينما والفنون في بلادنا العربية.

مهرجان دمشق

وتابع لرصيف22: كل مفهوم القائمين على هذه الاحتفاليات ينحصر في الشكل الخارجي للثقافة السينمائية وحسب، ولا أتصور أن عودة المهرجانات من شأنها أن تصلح واقع السينما العربية. لا بد من تقويم المؤسسات الإنتاجية أولاً كي تصبح هناك سينما قبل أن تكون المهرجانات.

وفي مصر، الأمر لا يختلف كثيراً برغم وجود مؤسسات كبرى وأكاديمية فنية تشكل منظومة متكاملة، لكن لا يوجد أيضاً صدى يذكر للسينما المصرية، فالمسألة تخضع للنظرية الدعائية السياحية الفجة، وما يعانيه مهرجان القاهرة السينمائي منذ سنوات بات يهدد كيانه الدولي بفعل الإهمال وعدم وجود الدعم المالي الكافي، وأقول المالي وليس اللوجستي.

ويضيف القاضي: ما يخدم السينما العربية ويعيد لها مكانتها السابقة هو وجود الصناعة، الصناعة التي هي عصب الإبداع والاقتصاد، فليس بالمهرجانات وحدها تُحل الأزمة. ولو نظرنا إلى عدد دور العرض المعطلة والمهدمة في القاهرة وبقية المحافظات المصرية سنعرف حجم المأساة وندرك أننا نسير بعملية الإصلاح الفني في الاتجاه الخطأ.

إن معظم الإنتاج في الدول التي بها مهرجانات قديمة وعريقة إنتاج عربي فرنسي مشترك، وأعني بالذات تونس والمغرب والجزائر، فهذه الدول الثلاث كانت من أكثر الدول العربية اهتماماً بالسينما وحضوراً في المهرجانات الدولية والعالمية، ولا تزال كذلك برغم وجود الأزمات الإنتاجية بها، فهي تمتلك ثروة عظيمة من المخرجين والكتاب والنجوم. وخلاصة القول إننا لدينا قصور في تقييمنا العام لمفهوم السينما وأهميتها وجدواها ومضمونها ودورها الثقافي والسياسي والاجتماعي والتنويري، وهذا هو الخطر بعينه .

أما المخرج المصري ياسر عبد المقصود فقال لرصيف22: لا يخفى على أحد أن الوطن العربي يمر ببعض المشاكل الداخلية، وبالتالي من المنطقي تقلص عدد المهرجانات في الدول العربية، وهو ما أثر بدوره على السينما التي تعاني الآن بشكل كبير.

وأضاف: صناعة السينما لم تمت كما يدعي البعض، بل هي موجودة لكن الموضوعات التي تتناولها الآن "تافهة" بل باتت لها توجهات مدمرة، وكل هذا بسبب غياب الرقابة.

وختم: يجب عودة المهرجانات العربية السينمائية وإشراك الشباب فيها بشكل فعال للاستفادة من هذه الطاقة والنهوض بها، بدلاً من تركهم فريسة لبعض الأفكار الهدامة.

ومن لبنان، قال د. هشام زين الدين، الأستاذ بكلية الفنون في الجامعة اللبنانية: إن إقامة مهرجانات للسينما في الوطن العربي من المفترض أن تكون نتيجة للحراك السينمائي العربي المتمثل بالإنتاج السينمائي النوعي الذي من شأنه تطوير الفكر والعمل على خلق حالة من الوعي الاجتماعي والسياسي والإنساني، ويجب أن لا يكون هدفاً منفصلاً عن المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها صناعة السينما في أي بلد.

من هنا أعتقد أن الاهتمام يجب أن ينصب على تطوير صناعة السينما وتحريرها من المعوقات الأمنية والاجتماعية والدينية لكي تنطلق إلى عالم الحرية والإبداع.

مهرجان مراكش

ويضيف لرصيف22: دعم الانتاج السينمائي العربي النوعي هو الخيار الصحيح لتطوير السينما العربية، والذي من شأنه أن يوصلنا في نهاية الطريق إلى إقامة مهرجانات سينمائية حقيقية غير شكلية، مهرجانات تشكل مساحة للتنافس بين الأفكار الحداثية الإبداعية التي تستخدم الصورة وقوة الإيحاء عبرها للتعبير عن مضامين تهم المواطن العربي وتعكس إشكاليات حياته ومشاكله الوجودية.

المسألة ليست تنظيمية أو احتفالية أو إعلامية لمؤسسة أو دولة أو نظام، هي أبعد من ذلك، هي مسألة تطور تاريخي للإبداع العربي عبر فن السينما، لذا فإن إقامة مهرجان أو إلغاءه في هذا البلد أو ذاك ليس له قيمة إذا ما كان ذلك الحدث معزولاً عن الحراك السينمائي الفعلي في هذا البلد أو في المنطقة كلها.

ويختم: السينما العربية حتى اللحظة لم تتمكن من الحصول على مساحة ذات قيمة في اللوحة السينمائية العالمية، باستثناء بعض المحاولات والمبادرات الفردية التي يتم تقييمها وتقديرها وهي قليلة نسبياً، ولها ظروفها الواضحة حيناً والغامضة أحياناً، والهدف الأساس يبقى في التفكير في كيفية دعم الإبداع السينمائي لدى الشباب في الجامعات والمعاهد السينمائية للرهان على موجة جديدة تعطي الإبداع الحر حقه، وتدعم هذا الإبداع بالتقنيات والمال والظروف المواتية لخلق أعمال سينمائية عربية ذات مستوى عالمي.

من هو المنتج الذي سيغامر بأمواله ليقدم في النهاية أفلاما تخسر؟ بالطبع لا أحد

ومن تونس، قال الناقد الفني حجى يوسف: السينما عنصر مهم من عناصر الثقافة الجديدة، إذ تعكس ما يدور في المجتمع وتضع الأزمات أمام المسؤولين لحلها، فما بالك إذا كنت ترى في تجمع فني واحد قضايا شعوب كاملة؟

وأكّد لرصيف22: غالبية المهرجانات العربية تُقام بشكل احتفالي، لذا لا يمكن أن ترى فيها ما ذكرته سابقاً، لن ترى ثقافة الشعوب وإلى أي مدى وصلت، فقط ترى نفس الوجوه تقريباً التي نراها حول الموائد وفي القاعات الخاصة بالمهرجانات العربية من دون أي تغيير برغم أن بعضهم لا يفيد المهرجان أو ولا جمهوره بأي شيء.

وأضاف: غابت فكرة التنافسية عن المهرجانات العربية فانحدرت سينما العرب وتراجعت، ومن هنا عودة تلك المهرجانات مهمة وضرورة للمساهمة في تنمية السينما، شريطة أن نغير الوجوه ونترك الفرصة لأهل الفن للظهور في تلك الفاعليات لتبادل الثقافات والخبرات ونقلها للأجيال الجديدة، تلك التي لا تعرف عن السينما سوى القشور ولم تستفد منها بأي صورة تذكر.

وقال الناقد الأردني عبدالله القواسمي لرصيف22: الظرف السياسي والاقتصادي فرض نفسه على الساحة وساهم في إلغاء عدد من المهرجانات، لكن الأهم هو أن نقف مع أنفسنا وقفة صادقة ونسأل هل كانت تلك المهرجانات مهمة فاعلة؟ الإجابة لا.

وتابع: أغلب الدول رفعت يدها عن الإنتاج السينمائي وتركته لشركات الإنتاج التي  تبحث عن الربح فقط، الأمر الذي وصل بنا إلى أن نرى أفلاماً تجارية بحتة، الغرض الرئيسي منها جني الأرباح، وتلك الأفلام طبعاً لا تصلح لتمثيل الدولة في محفل عالمي. في المقابل تجد أفلاماً شبابية ناضجة لكنها تقابل بنوع من التقييد كون جرعتها السياسية كبيرة وهو ما يحتم على الرقابة في تلك الدول أن ترفع يدها عن تلك الإنتاجات وتكتفي بوضع تصنيف عمري على الفيلم.

وأضاف: بالطبع غياب وإلغاء المهرجانات العربية السينمائية أمر مؤسف، لكنه لن يؤثر سلباً على صناعة السينما لأنها أصلاً تعاني بسبب المنتجين أنفسهم، كما أن سمعة أفلام المهرجانات في أغلب الدول سيئة، بمعنى أن الجمهور لا يقبل عليها في دور العرض، وبالتالي هي تحقق الخسائر. فمن هو المنتج الذي سيغامر بأمواله ليقدم في النهاية أفلاما تخسر؟ بالطبع لا أحد.

وأكمل: إننا بحاجة إلى تصحيح المفاهيم ووضع خطط فاعلة للنهوض بالمنتج الفني العربي ورصد ميزانيات محترمة لأي تظاهرة فنية، إضافة إلى التخلص من المجاملة في اختيار الأفلام المشاركة في المهرجانات العربية.

وعلق الفنان السوري مجد نور الدين: ما جرى في المنطقة من أحداث أثبت أن معطيات العملية الفنية كان لا بد أن تتغير، لأن مستوى الوعي والإدراك والتعاطي مع ما جرى تغير بشكل كبير، وبدلاً من أن نرى تحولاً جذرياً في ما يقدم من أعمال استمر الحال على ما هو عليه بل سُطحت الأفكار بحجة أن الجمهور العربي مل الحديث عن السياسة.

وأضاف لرصيف22: المهرجانات السينمائية العربية في الغالب الأعم لا تهتم سوى باستضافة النجوم، والترويج للبلد الذي يقام فيه المهرجان، بدليل أنك إذا سألت أي شخص، وفي أي دولة عربية عن الفيلم الفائز بجائزة مهرجان دمشق الأخير مثلاً أو دبي أو أبو ظبي أو القاهرة، لن يعرف، بينما لن يحتاج سوى 3 ثوانٍ ليخبرك بجوائز الأوسكار و"كان" على مدار السنوات العشر الأخيرة، وهذا يوضح الفرق بيننا وبين الغرب.

هناك الاهتمام الأول بالمُنتج الفني نفسه، بينما نحن لا هم لنا سوى السجاجيد الحمراء وحفل الافتتاح والختام والتكريمات لأصحاب الأسماء الرنانة، وبين الافتتاح والختام لا تجد سوى أعمال خاوية وندوات تثقيقة لا يحضرها إلا المهتمون بها ولا يتجاوزن أصابع اليد الواحدة.

وختم: إننا بحاجة إلى عودة المهرجانات ولكن من أجل رفع شأن الفن العربي لا من أجل التهليل لأشخاص بعينهم ودعوة النجوم العالميين لالتقاط الصور السيلفي على سجاجيد المهرجان.

التعليقات

المقال التالي