كيف سيكون في رمضان شكل هارون الرشيد، الخليفة الأسطوري الذي انشغل به المسلمون قديماً وحديثاً

كيف سيكون في رمضان شكل هارون الرشيد، الخليفة الأسطوري الذي انشغل به المسلمون قديماً وحديثاً

كانت الأعمال التاريخية، ولا تزال، جزءاً رئيساً لا يتجزأ من مجموع الأعمال الدرامية التلفزيونية التي يتم تقديمها في شهر رمضان كل عام من خلال القنوات الفضائية والأرضية العربية.

في رمضان، من المقرر عرض المسلسل السوري "هارون الرشيد" من إنتاج شركة جولدن لاين، وبطولة قصي خولي، كاريس بشار، عابد فهد، ومن تأليف عثمان حجي وإخراج عبد الباري أبو الخير.

المسلسل الذي يتوقع الكثير من المختصين أن يكون الأكثر بروزاً ومتابعة من بين جميع الأعمال التاريخية في رمضان، أثار الكثير من الصخب والجدال بعدما ترددت الكثير من الأقاويل عن منع عرضه في سوريا بتحريض من الدوائر الإعلامية والفكرية في العاصمة الإيرانية طهران، التي رأت أن المسلسل يعمل على "إثارة الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية".

في الحقيقة، شخصية الخليفة العباسي هارون الرشيد، بكل ما فيها من ثراء وتناقضات وسمات متضاربة، قد فتحت الباب واسعاً أمام احتلالها مكانة متميزة في كل من كتابات المؤرخين المسلمين وفي المخيلة الإسلامية الجمعية، وهو الأمر الذي سنتناوله في السطور القادمة.

الرشيد على الشاشة الصغيرة: ليست المرة الأولى

مسلسل هارون الرشيد الذي سيتم عرضه في رمضان هذا العام، لن يكون هو العمل التلفزيوني الأول الذي سيقدم شخصية الخليفة العباسي الأشهر إلى المشاهدين العرب، حيث تم تقديم شخصية الرشيد، درامياً في عدد كبير من المسلسلات التلفزيونية الرمضانية العربية على مدار السنوات المنصرمة.

أشهر الأعمال التي قدمت الخليفة العباسي، كان مسلسلي "الأمير المجهول" و"أبناء الرشيد: الأمين والمأمون"، حيث نجح كلّ من العملين في تسليط الضوء على واحدة من الزوايا المهمة في شخصية الرشيد، واستطاعا معاً اجتذاب شريحة كبرى من المتابعين والمشاهدين.

بالنسبة لمسلسل الأمير المجهول، الذي تم عرضه على الشاشات المصرية في 1997م، فقد كتب قصته الشاعر الراحل عبد السلام أمين، فيما أخرجه أحمد توفيق، جسد الفنان المصري الراحل نور الشريف شخصية الخليفة العباسي الخامس.

تركزت قصة المسلسل على إحدى الجوانب المهملة والغامضة في سيرة الرشيد، وهي تلك التي تتعلق بزواجه السري من إحدى الفتيات وإنجابهما ابنه الأكبر الذي سيُعرف بعد ذلك باسم أحمد السبتي، والذي ستشيد المصادر التاريخية كثيراً بزهده وتقواه وحسن سيرته.

تلك القصة الرومانسية سرعان ما استطاعت أن تجتذب إليها الكثير من المشاهدين، وسط حالة من الجدل الحادث حينذاك فيما يخص مصداقية تلك القصة أم أنها مجرد قصة مُختلقة في سياق درامي ابداعي، وهو الأمر الذي دافع عنه صناع المسلسل وقتها بأن القصة برمتها مبثوثة ومتواترة في العديد من المصادر التاريخية الإسلامية ومنها على سبيل المثال المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي، والبداية والنهاية لابن كثير.

أما في مسلسل أبناء الرشيد، الذي أنتجه المركز العربي للإنتاج الإعلامي بالأردن في عام 2006م، وألفه كل من غسان زكريا وغازي الذيبة، فيما أخرجه شوقي الماجري، فقد تم تسليط الضوء على السنوات الأخيرة من حياة الرشيد -والذي جسد شخصيته الفنان السوري رشيد عساف.

فتم استعراض العلاقة المضطربة ما بين أبناء الرشيد، محمد الأمين ابن زبيدة بنت جعفر والذي نال دعم العصبية العربية، وعبد الله المأمون ابن الأم الفارسية الذي اصطف بجانبه جموع الفرس والعجم.

أقوال جاهزة

شارك غردهل سيقدم صنّاع مسلسل الرشيد رؤية جديدة مغايرة لما سبق عن الخليفة، وعن التاريخ والثقافة الإسلامية التي ازدهرت في عصره، وذاع صيتها في أصقاع الأرض قاطبة؟

شارك غردمن أين تأتي قصة زوجة وابن بكر للخليفة الرشيد، تخلى عنهما، وضاع ذكرهما خلال حياته وبعدها؟

المسلسل الأردني حقق نجاحاً كبيراً وقت عرضه، واستطاع أن يعبّد الطريق أمام سطوع نجم عدد من أهم أبطاله، ولا سيما بطليه إياد نصار ومنذر رياحنة، كما أنه قدم صورة للمجتمع البغدادي في عهد الرشيد، وسلط الضوء على المجادلات الثقافية والفلسفية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت.

الرشيد حسبما قدمته المصادر التاريخية: مؤمن مجاهد وشهواني ماجن؟

من أكثر الأمور الخلافية المرتبطة بهارون الرشيد، ذلك الاختلاف الشديد الواقع ما بين المؤرخين والباحثين وبعضهم البعض في سبيل تحديد وفهم معالم شخصية الخليفة العباسي الأشهر وسبر أغوار هويته وحقيقته.

ففي الوقت الذي تتضافر فيه عدد كبير من الصفات والسمات الإيجابية التي يسبغها بعض المؤرخين عليه ليصلوا به لرتبة الخليفة المجاهد المؤمن التقي الورع، فإن روايات أخرى تقدم رؤية مخالفة لتجعل منه شخصية غادرة تستحل الحرمات وتنغمس في الشهوة والمجون.

وجهة النظر الأولى، استندت لروايات الكثير من المؤرخين وأصحاب التراجم، ومنهم شمس الدين الذهبي في كتابه الشهير سیر أعلام النبلاء، والذي قال فيه عن الرشيد:

"وكان من أنبل الخلفاء وأحشم الملوك ذا حج وجھاد وغزو وشجاعة ورأي... ذا فصاحة وعلم وبصر بأعباء الخلافة وله نظر جید في الأدب والفقه... كان یصلي في خلافته في كل یوم مائة ركعة إلى أن مات ویتصدق بألف وكان یحب العلماء ویعظم حرمات الدین ویبغض الجدال والكلام ویبكي على نفسه ولھوه وذنوبه".

وكذلك ما أورده جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء، عندما وصف الرشيد بكونه "أجل ملوك الدنيا وكان كثیر الغزو والحج... وكان یحب العلم وأھله ویعظم حرمات الإسلام ویبغض المراء في الدین والكلام في معارضة النص".

كل تلك الأوصاف الإيجابية تم تعزيزها بما تواتر في المصادر التاريخية التي أكدت على جهاده المستمر ضد الروم البيزنطيين، وأنه خاض ضدهم حروباً في منتهى القوة والشراسة، ورفض أن يتهاون مع الإمبراطور نقفور عندما عزم على منع الجزية السنوية. فكتب إليه الرشيد، كما يرد في بعض الأخبار، كتاباً متوعداً، جاء فيه:

"من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام".

كل ذلك جعل باحث غربي مثل أندري كلو في كتابه هارون الرشيد ولعبة الأمم، يقر ويعترف بتدين الرشيد، فقال "ليس هناك أدنى شك في أن الرشيد كان متديناً، فقد حج البيت الحرام تسع مرات... وكان يصلي في اليوم مئة ركعة، ويوزع الصدقات على المحتاجين، الأمر الذي ساعده في اكتساب سمعة جيدة".

أما وجهة النظر الأخرى التي تحمل أغلب أفعال الرشيد على المجون والشهوانية، فنستطيع أن نجدها مبثوثة ومتفرقة في بعض الكتابات التاريخية التي كان أصحابها مخالفين للخط السياسي السائد في أزمانهم من جهة أو تلك الكتابات التي تحلى كتابها بنوع من التدقيق والتدبر وعدم نقل الروايات على علاتها من جهة أخرى.

مثلاً يستعرض المسعودي (تـ. 356هـ)، في كتابه مروج الذهب ومعادن الفضة، مظاهر الإسراف والإنفاق الضخم الذي مارسه الرشيد والعباسيون عموماً في عصره.

فيحكي أن زبيدة زوجة الرشيد قد اعتادت أن تتناول الطعام مع زوجها في أواني مصنوعة من ذهب وفضة، بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض ثيابها قد بلغت أثمانها لما يقترب من الـ50 ألف دينار، كما أن البلاط العباسي في عصره قد توسع في استقدام العبيد المخصيين الذين يحيطون بالمواكب الخلافية ويمشون في ركاب السلاطين والأمراء.

تلك الأخبار التي يوردها المسعودي، يعضدها ابن خلدون (تـ. 808هـ) في كتابه العبر والمبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، عندما يصف زواج الرشيد الأسطوري من زبيدة ابنة عمه، فيقول "تقاطر الناس من كل الأمكنة ووزعت مبالغ مالية لم يشهد لها الإسلام من قبل مثيلاً". 

قصص التبذير المبالغ فيه والإسراف والميل للنساء تواترت أخبارها كذلك في العديد من المصادر الأدبية والشعرية التي ترجع للعصر العباسي، حيث تذكر الباحثة فاطمة المرنيسي في إحدى دراساتها عن بعض تلك المصادر، أن الرشيد قد شجع على ممارسة الشطرنج ورتب الجوائز الباهظة في سبيل مبارياته.

كما أنه في نفس الوقت قد ابتاع الآلاف من الجواري الجميلات اللاتي أتى بهن من مختلف أنحاء العالم المعروف حينذاك، وكن معروفات بجمالهن وحسنهن وحلاوة أصواتهن وحسن قرضهن للشعر وفنون المغازلة والحب، مما رفع من أسعارهن لدرجة خيالية غير معقولة، وصرفت عليهن أموال طائلة لا حساب لها.

صورة الرشيد تزداد سوءاً وقتامة مع ما ذكرته بعض المصادر التي عرضنا لها عن قصة تخليه عن زوجته الأولى وابنه البكر، كما أن صورته كخليفة غادر باطش تكتمل مع وجود شبهة قوية ترجح اشتراكه في اغتيال أخيه الخليفة الهادي عام 169هـ وذلك حسبما ورد في تاريخ الرسل والملوك للطبري (تـ.311هـ.)

في المخيلة الإسلامية والغربية

لم تصل شخصية حاكم أو سلطان مسلم، إلى ما وصلت إليه شخصية هارون الرشيد من ذيوع وانتشار في الثقافة الجمعية العربية والمخيلة الإسلامية.

الرشيد، كان صاحب حضور دائم ومتكرر في واحدة من أشهر وأعظم المدونات القصصية العربية، وهي قصص ألف ليلة وليلة، حيث تم اعتباره واحداً من أهم وأعظم أبطالها على الإطلاق.

في بعض تلك القصص يأت ذكر خروج الرشيد متنكراً بالليل مع ندمائه وحاشيته، وكان وزيره جعفر بن يحيى البرمكي وسيافه مسرور وشاعره أبو نواس على رأسهم، وفي قصص أخرى يلتقي الخليفة العباسي ببعض العشاق الذين أنهكهم العشق والهوى، فيسمع منهم أخبارهم ويرفق بحالهم ويقرب بينهم وبين أحبائهم.

وفي مجموعة أخرى من القصص يأت ذكر الرشيد بصفته خليفة يحكم العالم من بغداد، ومن ذلك النوع قصة السندباد البحري التي طبقت شهرتها الآفاق.

دخول الرشيد المتكرر في تلك القصص ذات الصبغة الخيالية، أثار التساؤلات دائماً ما بين الباحثين، فحاولوا العثور على إجابة منطقية، ومن ذلك ما قال به محمد رضوان في كتابه "أسرار الأمير العاشق: ليالي هارون الرشيد بين الحقيقة والأسطورة"، عندما فسر ذلك بكون البدايات الأولى للأدب العراقي وتعريب ألف ليلة وليلة، قد وقعت بشكل متزامن مع فترة حكم الرشيد، وهو الأمر الذي ربما كان سبباً في ذكر اسمه بشكل متكرر في مواضع القوة والنفوذ والإعجاب.

شهرة الرشيد لم تقتصر على القصص الخيالي في العالم الإسلامي فحسب، بل إن اسم الخليفة العباسي الخامس قد وجد لنفسه حضوراً مميزاً في القصص الغربي، حيث تطرقت العديد من الحوليات الكنسية الغربية لشخصية الرشيد تحت مسمى (Aron)، وتكلمت عن العلاقة المتميزة التي جمعته بشارلمان إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الغربية المقدسة، وأحاطت تلك العلاقة بهالة كبيرة من المبالغة والتضخيم.

تلك الحوليات قدمت الرشيد على كونه سلطاناً عظيماً، واهتمت بذكر أحداث السفارات المتبادلة ما بينه وبين الإمبراطور الروماني، حيث أوردت تفاصيل بعض الهدايا التي أرسلها الخليفة لشارلمان، والتي كان أشهرها على الإطلاق فيل أسيوي ضخم، وساعة نحاسية كبيرة الحجم تعجب الإمبراطور من كيفية عملها.

ورغم أن المصادر التاريخية الإسلامية تكاد تغفل الذكر تماماً عن أي علاقة متبادلة ما بين الخليفة العباسي والإمبراطور الروماني، إلا أن الظروف السياسية التي كانت قائمة في العالم في فترة حكم الرشيد في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، من شأنها أن تؤكد على وجود علاقات قوية ما بين العاهلين، ذلك أن شارلمان تحالف مع خلافة بغداد لضرب أعدائه البيزنطيين.

ويبقى لمشاهدي مسلسل رمضان الجديد أن يقدّروا إن كان قد قدّم صنّاعه رؤية جديدة مغايرة لما سبق عن الخليفة، وعن الثقافة الإسلامية التي ازدهرت في عصره، وذاع صيتها في أصقاع الأرض قاطبة.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي