الأحواز أم الأهواز: عودة للتاريخ

الأحواز أم الأهواز: عودة للتاريخ

كُثر يعرِفونه بالأهَوازِ ولا يعرِفونهُ بالأحَوازِ (خُوزستان بالتسمية الإيرانية الحالية)، مدينة شُيدت على ضفاف نهر كارون.

تقع على مساحة تبلغ نحو 370 ألف كلم، ويفصلها عن الدولة الفارسية سلسلة جبال زاجروس شرقاً، ويحدها غرباً الخليج العربي، وشمالاً سلسلة جبلية أخرى هي جبال كردستان العراق، التي تفصل الإقليم عن مناطق الأكراد، وتبدأ حدود الإقليم جنوباً من مضيق هرمز.

يعود تاريخ الأحَواز إلى عصور سحيقة

تجد ذكر الأحواز في التاريخ العربي الإسلامي بشكل كبير كما في كتاب البداية والنهاية وتاريخ الطبري وآثار البلاد وأخبار العباد لزكريا بن محمد بن محمود القزويني.

لكن تاريخ الإقليم الأقدم يعود إلى العهد العيلامي 4000ق.م، حيث استطاع العيلاميون عام2320ق.م اكتساح المملكة الأكّادية واحتلال عاصمتها أور، ثم خضع للبابليين ثم الآشوريين، وبعدهم اقتسمه الكلدانيون والميديون.

ثم غزاه الأَخمينيون بقيادة قورش عام 539ق.م، وخضع الإقليم للإسكندر الأكبر، وبعد موته خضع للسلوقيين منذ عام 311ق.م، ثم للبارثيين ثم الأُسرة الساسانية التي لم تبسط سيطرتها على الإقليم إلا في عام 241م.

قامت ثورات متعددة في الإقليم ضد الغزاة الفرس مما اضطر هؤلاء إلى توجيه حملات عسكرية كان آخرها عام 310م حين اقتنعت المملكة الساسانية بعدها باستحالة إخضاع العرب، فسمحت لهم بإنشاء إمارات تتمتع باستقلال ذاتي مقابل دفع ضريبة سنوية للملك الساساني.

ويؤكد المؤرخ الإيراني أحمد كسروي أن قبائل بكر بن وائل وبني حنظلة وبني العم، كانت تسيطر على الإقليم قبل مجيء الإسلام.

ثم خضعت القبائل العربية للمناذرة من سنة 368م إلى 633م. إلى أن فتحها العرب عام 637م بقيادة أبي موسى الاشعري. وانحلت هذه القبائل في القبائل العربية الأكبر منها والتي استوطنت المنطقة في السنوات الأولى للفتح الإسلامي الذي قضى على الإمبراطورية الساسانية.

أقوال جاهزة

شارك غردقد لا يعلم معظمنا أنّ بئر النفط الذي حفر في مدينة "مسجد سليمان"، في منطقة الأحواز (الأهواز) عام 1908م هو أول آبار النفط في منطقة الشرق الأوسط

شارك غردهل هي الأحَواز العَربية أم خُوزستان الإيِرانية؟... لِنحتكم للتَاريخ

وفي جنوب الأهواز، وإن سكنت قبائل عربية منذ قدم التاريخ، لكن بسبب قحولة تلك المنطقة فقد كان اعتماد عيشهم على البحر.

يقول الرحالة الألماني الذي عمل لحساب الدانمارك كارستن نيبور، الذي جاب الجزيرة العربية عام 1762م:

"لكنني لا أستطيع أن أمر بصمت مماثل بالمستعمرات الأكثر أهمية، التي رغم كونها منشأة خارج حدود الجزيرة العربية، هي أقرب إليها، أعني العرب القاطنين الساحل الجنوبي من بلاد الفرس، المتحالفين على الغالب مع الشيوخ المجاورين، أو الخاضعين لهم، حيث تتفق ظروف مختلفة لتدل على أن هذه القبائل استقرت على الخليج العربي (الفارسي في كتاب نيبور) قبل فتوحات الخلفاء، وقد حافظت دوماً على استقلالها".

ويتابع: "ومن المضحك أن يصور جغرافيونا جزءاً من بلاد العرب كأنه خاضع لحكم ملوك الفرس، في حين أن هؤلاء الملوك لم يتمكنوا قط من أن يكونوا أسياد ساحل البحر في بلادهم الخاصة. لكنهم تحملوا -صابرين على مضض- أن يبقى هذا الساحل ملكاً للعرب".

ثمّ يعقب: "لقد أخطأ جغرافيونا، حين صوروا لنا جزءاً من الجزيرة العربية خاضعاً لحكم الفرس، لأن العرب هم الذين يمتلكون -خلافاً لذلك- جميع السواحل البحرية للإمبراطورية الفارسية: من مصب الفرات إلى مصب الإندوس (في الهند) على وجه التقريب. صحيح أن المستعمرات الواقعة على السواحل الفارسية لا تخص الجزيرة العربية ذاتها، ولكن بالنظر إلى أنها مستقلة عن بلاد الفرس، ولأن لأهلها لسان العرب وعاداتهم؛ فقد عنيت بإيراد نبذة موجزة عنهم".

ظلت الأحواز دولة عربية موحدة في الفترة ما بين 637م و1925م، إلا في لحظات ضعف عابرة كتلك التي تمثلت باحتلال المغول للإقليم والقضاء على الدولة العباسية هناك.

وانتهت هذه الكبوة بقيام الدولة المشعشعية العربية بزعامة محمد بن فلاح عام 1436م، والتي اتخذت مدينة المحمّرة مركزاً لها، وحافظت على بقائها دولةً عربيةً مستقلة نحو ثلاثة قرون بين دولتين كبيرتين؛ الفارسية والعثمانية.

إلى أن ارتبط مصيرها ارتباطاً وثيقاً باكتشاف النفط، وكان بئر النفط الذي حفر في مدينة "مسجد سليمان" عام 1908م أول آبار النفط في منطقة الشرق الأوسط، وتأسست أول وأضخم مصفاة له في الشرق الأوسط في "عبدان" عام 1913م.

يمثل نفط الأحواز شريان الحياة الأساسي والأهم لإيران؛ إذ يصدر الإقليم قرابة 80% من نفط إيران وغازها الطبيعي

ويمثل نفط الأحواز شريان الحياة الأساسي والأهم لإيران؛ إذ يصدر الإقليم قرابة 80% من نفط إيران وغازها الطبيعي. وأدى اكتشاف النفط إلى تنافس القوى للسيطرة عليها بعد تفكك الدولة العثمانية.

بالإضافة لأنهار باطن الأرض، يعد الإقليم أكبر مسطح سهلي خصب في إيران؛ إذ تجري خلاله أنهار كبيرة كنهر كارون، الذي يستخدم أيضاً لعبور السفن القادمة من الموانئ الواقعة على شواطئ الإقليم، وتعد هذه الموانئ أهم موانئ إيران وأكبرها إذا ما قورنت ببقية الموانئ الإيرانية.

وذلك بعد تأهيل نهر كارون وإعادة فتحه للتجارة وإنشاء خطوط سكك حديدية مما جعل مدينة الأحواز مرة أخرى تصبح نقطة تقاطع تجاري.

سبق أن حكمها الشيخ "خزعل الكعبي" الذي غير اسمها إلى الناصرية. وجاء الاكتشاف السابق للنفط ليوطد علاقاته الدولية، وجعل منه مركز قوة في مواجهة الجيران، وكان حليفه الأبرز بريطاني التي منحته في 1910م لقب "سير" وعِدة أوسمة.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى توطدت مكانة الشيخ "خزعل" نظراً للموقع الاستراتيجي لإمارة المحمرة على الخليج العربي.

وبعد عام 1920م، تسارعت وتيرة الأحداث؛ فمع نجاح الثورة البلشفية في روسيا أدارت بريطانيا ظهرها للرجل، وبدأت في التخلي عنه شيئاً فشيئاً حتى سقط عام 1925م في قبضة الدولة البهلوية الإيرانية، وتم إقصاء أَمير عَربستان وضَم الإقليم إلى إيران، لـ(يعطي من لا يملك من لا يستحق). وتوجت باعتقاله على ظهر طراد بريطاني.

بعدها أصبحت الأحواز وعاصمتها المحمرة محل نزاع إقليمي بين العراق وإيران. واندلعت موجات من الثورات في أعقاب الاحتلال الإيراني للأحواز بعد أقل من ستة أشهر من سيطرة الجنود الإيرانيين على الإقليم.

وظل هذا الكفاح حتى دعم الأحوازيون الثورة الإيرانية عام 1979م ضد نظام الشاه، ونجحوا في تعطيل كامل الإنتاج النفطي، وإرباك الاقتصاد، وشل حركة البلاد، وكان الشيخ الخاقاني؛ القائد الروحي للأحواز في هذه الفترة، على اتصال بقائد الثورة الخميني قبل مجيئه إلى إيران.

ورغم التنسيق والعلاقات الودية بين ثورة الخميني والعرب الأحواز فإن تغيّراً لم يحدث على حياة الأحوازيين، بل ازدادت قبضة الحكومة المركزية في طهران وطأة على الإقليم، وغيّرت اسمه الذي يشير لأصول سكانه العربية إلى "خُوزستان".

فهل هي الأحَواز العَربية أم خُوزستان الإيِرانية؟... لِنحتكم للتَاريخ.

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية لدى الحياة اللندنية والقدس العربي.

التعليقات

المقال التالي