رابرز حوّلوا السجن إلى معبد الحريّة متحدّين السلطة وقضبانها

رابرز حوّلوا السجن إلى معبد الحريّة متحدّين السلطة وقضبانها

نشأت موسيقى الراب وانبثقت من الهامش في أحياء السود في أميركا. ويبدو أنّ هذا الإطار الاستثنائيّ الذي رافق ظهور هذا النمط الموسيقي المتفرّد أصبح مع مرور الزّمن وسيلة يُعَرَّفُ بها وعنصراً مهماً في تركيبته وفي طريقة تفاعله وتطوّره. فالرابر الذي يكتب نصوصاً تعكس واقع الحياة اليوميّة بصور بلا مساحيق، لا يكتفي بالفضاء العام مادّةً لنصوصه بل قد يكون السّجن أيضاً والحرمان من الحريّة دافعين يجعلانه يلجأ الى الورقة والقلم ليدوّن يومياته ويعبّر عن سخطه من ذلك الفضاء الضيّق.

في هذا المقال، نتتبّع أهمّ تجارب السجن التي مرّ بها الرابرز العرب كما نسعى الى رصد أهمّ انعكاساتها على موسيقاهم ونظرتهم للحياة من خلال نصوص تشكّلت نواتها الأولى خلف القضبان.

الراب العربي يفكّك آليات اشتغال المؤسسة السجنيّة

كتب غرامشي دفاتر السجن (1948) ووضع فيها أحاسيسه ومشروعه الفكري ونظرته للسجن. وقد كان السجن أيضاً ملهماً لجيلبار النقاش، المناضل والكاتب التونسي، الذي كتب "كريستال" في ستينات القرن الماضي على ورق علب السجائر في السجن. ويبدو الأمر غريباً للبعض من ناحية الربط بين سجناء الرأي والمفكرين والرابرز، لكن إذا ما تمعنّا سنلاحظ نقاطاً عديدة تجمع التجربتين.

فالرابر قد يجد نفسه معتقلاً بسبب آرائه التي يبّثها في نصوصه، إذ يشترك مع سجين الرأي في العداوة مع السلطة (السلطة السياسية القائمة) وتكون بالتالي بينهما أهداف مشتركة (أهمّها تغيير الواقع نحو الأفضل). على غرار غرامشي وغيره من المفكرين الذين أثّرت فيهم تجربة السّجن، يظهر الرابر مهدّداً أيضاً في مجتمعات تحكمها قوانين وسلطات لا تقبل أيّ صوت مغرّد خارج السرب.

وكما تعوّدنا لعقود طويلة خلت مع موسيقى الراب، فإنها منذ نشأتها تتميّز بالتأقلم السريع مع الأحداث المستجدّة وتتخّذ في كلّ مرّة طابعاً جديداً. فالراب، كموسيقى نابعة من الهامش، أقبلت على تجربة السجن ونهلت منها من خلال سبر أغوارها وخلق تعبيرات ومواضيع جديدة. لذا يطرح هذا النمط الموسيقيّ اشكاليّة الإطار المكانيّ ودوره في تحديد سيرورة العمل الإبداعي، إذ إن  تضارب الرؤى بين الرابر والسلطة يؤدّي الى تضارب جوهريّ في النّتائج بين ما تأمله هذه الأخيرة وما يقدّمه ويصل اليه مغني الراب بموسيقاه وكلماته.

أقوال جاهزة

شارك غردإنّ الرابر الذي يمرّ بتجربة السجن يستبطن الفضاء العام بكلّ مكوّناته ويعيد تعريفه من جديد من خلال نظرة ذاتيّة ومن زاوية فاقد الحريّة، فتأتي الأغاني محمّلة بمشاهد مشحونة بالألم والضجر الخانق

شارك غردنصوصهم كانت دائماً عامل إرباك للمتلقّي، فمن خلال الموسيقى يعيش السامع أوقاتاً عصيبة يتشاركها مع الرابر الذي يعيد تسليط الضوء على تلك العلاقة المبهمة بين الإنسان الحر والسجن والخيط الرفيع الذي يفصل بينهما

في الحقيقة، نحن بإزاء تغيّر جذري وانقلاب لافت للأدوار، فآلة القمع في العديد من البلدان العربيّة اعتادت مجموعة من الممارسات التي تراها ناجعة لأحكام سيطرتها وبسط نفوذها إذ تعتقل كلّ مهدّد للفضاء العام (كلّ من لا تتماشى رؤاه مع مفهوم السلطة للفضاء العام) فتكون المؤسسة السجنيّة حاضنة له.

إنّ هذا النظام بات أمام مجموعة من المواقف المحرجة اذ تعطّلت آليات اشتغاله أمام الرابر (الذي اكتسب نفس شرعيّة المفكّر من خلال اشتراكه معه في العديد من النقاط كما بيّنا سابقاً) وفرض نمطاً جديداً من التفكير في هذه العقوبة التي أخرجها من ثوبها وسياقها الكلاسيكيّين لتستحيل وسيلة للتأمّل وصقل الموهبة ومراكمة النصوص التي تُكتب بشوقٍ كبير للحريّة والانعتاق من السجن.

ولئن كان الراب موسيقى مهتمّة بالشأن السياسيّ، فإنّه لا يخلو من اللمسة الذاتيّة، فنجد الشجون والشوق إلى الأم والعائلة ونقلاً دقيقاً للشعور بالوحدة والوحشة. من هنا يتبلور إطار يحتوي على ما يمكن أن نسميه سرديّة سجنيّة في أغاني الراب العربي تتضمّن صوراً قاتمة بلا تغيير، أو محاولة تجميل تنقل الواقع السجني المرير كما هو بلغة يفهمها الجميع، فنجد التفجّع، والحب، والثورة، والغضب ثيمات متواترة في أغلب النصوص.

إنّ الرابر الذي يمرّ بتجربة السجن يستبطن، في واقع الأمر، الفضاء العام بكلّ مكوّناته ويعيد تعريفه من جديد من خلال نظرة ذاتيّة ومن زاوية فاقد الحريّة، فتأتي الأغاني محمّلة بمشاهد مشحونة بالألم والضجر الخانق ومصوّرة لعوالم تَشُدُّ المستمع وتشحنه ضدّ ظلم السلطة وآلتها القمعيّة.

راب السجون: عنف الكلمات وشجن الألحان

السجن مكان انتهى إليه العديد من الرابرز سواء كان ذلك لأسباب سياسيّة أو لأسباب شخصيّة. والحقيقة أنّه في الحالتين لا تختلف النتيجة. فالنصوص تخرج عنيفة ناقلةً أوضاع السجون المترديّة ومتغنيّة بالحريّة. في سنة 2012 كان الرابر الفرنسي جوي ستار قد قضى فترة في السجن وعاد بأغنية وثّق فيها هذه التجربة جلبت الأنظار آنذاك. "اليوم يُطلق سراحي" هو عنوان الأغنية التي كانت نقلاً لكلّ تفاصيل السجن.

وتجارب الرابرز العرب لا تختلف كثيراً عن ذلك، لأنّ نصوصهم كانت دائماً عامل إرباك للمتلقّي، فمن خلال الموسيقى يعيش السامع تجربة صعبة وأوقاتاً عصيبة يتشاركها مع الرابر الذي يعيد تسليط الضوء على تلك العلاقة المبهمة بين الإنسان الحر والسجن والخيط الرفيع الذي يفصل بينهما بما أنّه مهدّد بفقدان حرّيته في أي لحظة.

ومن التجارب التي يمكن أن نذكرها تجربة الرابر المغربي مستر كرايزي (السيّد المجنون) الذي لم يتجاوز عمره 17 سنة لحظة اعتقاله. لقد تسبّبب أغنيته عن محبسه في إعادة فتح النقاش في المملكة المغربية حول مفهوم حريّة التعبير إذ وُجّهت له تهم عدة مثل إهانة النشيد الوطني والاستخفاف بالهيئات.

لكنه، بعد التجربة السجنيّة، واصل في انتاج موسيقاه بنصوص أكثر عنفاً وجرأة من نصوصه القديمة. وتتميّز أغلب أغانيه بتدفّق متموّج وسلس على إيقاعات منتظمة كأغنية حياة ناقصة أو ماضي أسود. لقد عاد مستر كرايزي أكثر راديكاليّة ولم تثنه تجربة السجن عن المضيّ في مشروعه الموسيقي بل كانت فرصة للإثراء ومواصلة الإنتاج.

هذا ما قام به أيضاً الرابر السعودي كلاش (اسمه الحقيقي محمّد الغامدي) الذي اعتقل سنة 2007 ثلاثة أشهر بسبب أغانيه التي اعتبرتها السلطة منافية للحياء وساخرة من فئات في المجتمع السعودي. لكن يبدو أنّ هذه الأشهر القليلة في السجن كان وقعها وتأثيرها كبيرين على مسيرة كلاش الذي طوّر تجربته وأصبح أكثر عمقاً ونضجاً بأداء لافت كما في أغنية الحياة مستمرّة التي تميّزت بإيقاع ثقيل وبطيء وتدفّق مترنّح مساير للخلفيّة الموسيقيّة.

يؤدّي هذا الرابر نصوصه بشجاعة ويعالج الموضوعات التي تعتبر من التابوهات في المملكة. فالتجربة السجنيّة وأثرها على موسيقاه كان واضحين من خلال عزمه على إحداث شرخ في الجدار الذي تبنيه السلطة وتعزّزه منذ عقود طويلة.

لقد كانت تجربة السجن للرابرز العرب عموماً وسيلة لتقديم الأفضل وتحسين الأسلوب. إنّها تجربة أشبه بعزلة المفكّر والشاعر الذي يجمع بينهما مغني الراب بأخذه الكلمات القويّة من الأوّل، والحس المرهف من الثاني ويضيف أوجاعه ومأساة سجنه لتخرج من هذا المزيج نصوصٌ تهزّ المستمع. وهو ما يحصل أيضاً مع الرابرز التونسيين، فقد عانى الكثير منهم من الاعتقالات برغم انفتاح المجال أمام حريّة التعبير بعد ثورة 14 يناير.

رابرز تونسيين خلف القضبان: حلموا بالحريّة فحُرِمُوا منها

يُذكر أنّ ساحة الراب في تونس هي من أكثر الساحات التي تشهد تطوّراً سريعاً في العالم العربي. ذلك أنّ عدد الرابرز في ازدياد والأعمال تحقّق نجاحاً على المستوى العالمي بنسب مشاهدة تعدّ بالملايين. وهذا ما استوعبته السلطة، فالرابرز يتمتعون الآن بقنوات اتّصال بديلة تجعلهم لا يحددون سقف الحريّة مما يولّد العديد من الصراعات التي تنتهي بسجنهم.

هذه هي أبرز العوامل التي جعلت من الواقع التونسي في هذا الموضوع وضعاً خاصاً، فالرابرز لا يتهمون بمسّ النظام أو بتهم كلاسيكيّة مختلفة بل أصبحت تُشنّ ضدّهم حروب من خلال تطبيق قوانين انتقائيّة. لكنّ السلطة (ككلّ سلطة تشتغل بآليات كلاسيكيّة) باتت في مأزق نتيجة ازدهار عدد وافر من تجارب الراب من داخل السجن لتعود أقوى وتجذب أنظار المهتمين وغير المهتمين بهذا النمط الموسيقي.

وأبرز هذه التجارب تجربة إيمينو (تحدّثنا عنه في مقال سابق) الذي كانت أغنيته 2566 وهو رقمه في السجن معبّرة عن غضب ورفض للحكم ونقد شديد للنظام مع نقل مفصّل لتجربة السجن.

إنّ الظلم الذي يتعرّض له الرابر يطبع أغانيه فيما بعد، تماماً كما حصل مع ولد 15 ويستار ومادو الذين توقّعت السلطة ان يكون السجن مقبرة لإبداعهم في حين أنّهم فاجأوا الجميع وقدموا أعمالاً مشحونة بألم التجربة على أمل المضيّ قدماً في تحدي السلطة وتغلّبهم عليها في هذا الصراع الأزليّ من خلال موسيقى "حيّة" نابعة من الواقع المعيش والتجربة السجنيّة بكلّ بشاعتها من دون أيّ تغيير أو إخفاء.

وهو ما أكّده الرابر التونسي فينيكس عندما قضى مدّة في السجن وتمّت دعوته إلى أحد البرامج التلفزيونية في تونس.

تعيد موسيقى الراب تشكيل المشهد العام وتُربك إستراتيجيات السلطة وتتصدى لآلة القمع من خلال خلق فضاءات إبداعيّة جديدة حتى في أحلك الظروف كالسجن. فالرابرز أمام جبروت السلطة حولوا هذا المكان الى معبد الحريّة واستمدوا منه طاقة مكّنتهم من تطوير تجاربهم الموسيقيّة وقدّموا نصوصاً توثّق مراحل مهمّة من حياتهم الشخصيّة وتنقل للمستمع عذاباتهم ومآسيهم تماماً كما يفعل أدب السجون.

التعليقات

المقال التالي