كاميليا جُبران: قصة حب معاصرة على الطريقة الفلسطينية

كاميليا جُبران: قصة حب معاصرة على الطريقة الفلسطينية
Photo Kamilya Jubran by Christophe Lavergne

"اعيشك في المحل، تيناً وزيتاً.. وألبس عريك ثوباً معطر.. وأبني خرائب عينيك بيتاً.. وأهواك حياً، وأحياك ميتاً"

رغم أنها شَدت بصوتها الصداح قصائد لكبار الشعراء مثل محمود درويش، وجبران خليل جبران، وطلال حيدر، وسيد حجاب، وحسين البرغوثي، فإن هذه الأبيات التي كتبها الشاعر عبد اللطيف عقل بحساسية شديدة الوطنية، عن وطن منكوب ولكنه قوي ومناضل، تُعبّر أيضًا عن صوت عذب ترسخ في وعي الشعب الفلسطيني، صوت عابر للحدود وحواجز الاحتلال المقيت.

هي الملحنة والمطربة كاميليا جبران، التي هي أيضاً من مؤسسي الفرقة المقاومة الفلسطينية "صابرين".

"كاميليا" هي قصة حب على الطريقة الفلسطينية، المفعمة بِحُب الحياة والمقاومة، ابنة منطقة الجليل الأبية، كل ضربة على أوتار عودها وهي تُغني من كلمات سيد حجاب "بحب البحر.. بحب الورد.. وأحب الناس.. و أحب نعيشها أحرار مرفوعين الراس"، تعكس مشواراً طويلاً من المغامرة والرغبة في النجاح، وهو ما حققته باقتدار لتَنقل بصوتها القضية الفلسطينية إلى العالمية، بعد انطلاق مشروعها الموسيقي في باريس عام 2002 لتنجح في إنتاج عدة البومات بالتعاون مع موسيقيين أوروبيين، وهي: محطات، وميض، مكان، ونبني، نَوُل، وصل، حبكة.

"جبران" لُقبت بُمجددة الموسيقى العربية الحديثة، تعود بعد غياب سنوات لمصر كي تشارك في أول انطلاق للمشروع الموسيقي "صوتي صوتك صوتنا" في العالم، بختام فعاليات الدورة السادسة لمهرجان أيام القاهرة للموسيقى المعاصرة في 30 أبريل الماضي.

عن المهرجان ومشروعها الموسيقي، وألبومها الأخير "حبكة " تتحدث كاميليا جبران لرصيف22.

  • بعد سنوات من الغياب عن مصر، تعودين بمشروع "صوتي صوتك صوتنا ". أخبرينا عنه.

ارتباطي بالمشروع بدأ قبل عام، عندما تواصلت مع العازف المصري شريف الرزاز مدير مهرجان القاهرة للموسيقى المعاصرة، وحكى لي عن مشروع موسيقاهم، وسعادتي كانت غامرة عندما اكتشف وجود تجمع فني بمصر يهتم بالموسيقى المعاصرة من خلال حدث سنوي، خاصة أن هذا النوع من الموسيقى ليس قطاعاً عاماً أو مشهوراً كفاية، لذا تحمست لـ"صوتي صوتك صوتنا" لكونه محاولة لتشجيع التوجهات المغايرة في الفكر الموسيقي.

أنا سعيدة بخوض التجربة ولقائي مع العازفين المصريين مثل خالد داغر، واثنين من أهم المؤلفين الألمان هما "بريجيتا مونتندورف" و"هانز زيدل"، إذ كان هذا بمثابة اكتشاف لنقاط التقاطع المميزة في ما بيننا، ومدى إمكانية التواصل في المستقبل.

 

الموسيقى المعاصرة ليست قطاعاً عاماً

  • لماذا لا تحظى الموسيقى المعاصرة بشهرة في الوطن العربي وتصنف بأنها فن غير مفهوم؟

للإجابة، علينا مراجعة تاريخ الموسيقى المعاصرة في منشئها، وطرح عدة تساؤلات حول لماذا حدثت هذه الظاهرة، وكيف يتم نقل هذه الموسيقى، وكيف يعيش الموسيقيون الذي يمارسون هذا النوع من الموسيقى، ونوعية الجمهور التي تذهب لحفلاتهم.

وسوف نفهم آنذاك، لماذا الموسيقى المعاصرة مفقودة في العالم العربي، لأنه ليس منشؤها الطبيعي، مع العلم أن هذه الموسيقى ما زالت غريبة، وما زال التعامل معها محدوداً في مجتمعاتها الأوروبية أي محل نشأتها، لذا من الطبيعي أن تتأخر بالانتشار عندنا. مثلما تأخر دخول آباء الموسيقى الكلاسيكية باخ وبيتهوفن على مجتمعاتنا.

أقوال جاهزة

شارك غردمن الطبيعي أن تتأخر الموسيقى المعاصرة بالانتشار عندنا. مثلما تأخر دخول آباء الموسيقى الكلاسيكية باخ وبيتهوفن على مجتمعاتنا.

شارك غرد الثورة المعلوماتية عبر الإنترنت والسوشيال ميديا هي التي ساعدت الفرق المستقلة على الانتشار أكثر وليس الثورات السياسية

  • ما هو تقييمك لحال الموسيقى المصرية المعاصرة؟

ما يهُمني هو كيفية التعامل مع الظاهرة الفنية الموسيقية، هل نأخذها كما نشأت في المجتمعات الأوروبية ونقوم بالنسخ والتقليد فقط، أم نخلق تطوراً طبيعياً موازياً لحركات فكر معاصرة.

المجتمعات العربية، وخاصة مصر، بما أنها تتمتع بتذوق شديد للموسيقى، كانت خلف مبادرات ومواهب أخذت مناحي مختلفة في الموسيقى، منها انتاج الموسيقى المعاصرة وإقامة مهرجان كالقاهرة للموسيقى المعاصرة، الذي هو وسيلة لتوصيل الفكر الموسيقي الجديد للجمهور بأشكال مختلفة.

"صابرين " مدرسة للأغنية البديلة علمتني وعلمت جيل كامل

  • قبل أن نحكي عن مشروعك الموسيقي بأوروبا، أخبرينا عن محطتك الأولى" صابرين" بالقدس.

"صابرين " هي مشروع فني أكبر من أن يُطلق عليه "فرقة"، إنه مختبر أو مساحة أو فضاء لتوسيع الفكر وإعادة النظر بالأشياء وبحث مستمر عن هوية ثقافية موسيقية جديدة تخاطبنا اليوم.

  • صابرين كانت "صوت المقاومة" آنذاك.

المقاومة كلمة كبيرة. هناك مقاومات في أشكال عديدة، وهناك مد كبير اسمه أغاني المقاومة. ولا شك أن صابرين وُلدت من رحم حقبة تاريخية هامة جداً للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال وما زالت، لذا فإن الموسيقى التي قدمتها عبرت عن طريقنا وطموحنا وأحلامنا آنذاك، وضخ من خلالها الشعراء أفكارهم وكلماتهم التي تطمح للتحليق إلى آفاق أجمل.

  • ماذا قصدت في أحد تصريحاتك بأن صابرين "بدايتك الحقيقية للبحث عن اللامعروف"؟

نشأتي كانت في بيت فني يُقدر التراث العربي الكلاسيكي، خاصة المصري والشامي بحكم موقع فلسطين الجغرافي. فوالدي مدرس للموسيقى العربية ويصنع آلاتها، بدأت أغني وعمري دون 20 سنة، لكن كل ذلك لم يمنع ذهني عن التساؤلات، ماذا أغني؟ وإلى أي مدى سأغني التراث؟ وهل يحق لي غناء شيء آخر أم لا؟

لذا جاءت صابرين عام 1981 وما تقدمه من أغاني المقاومة السياسية كرد مباشر على هذه التساؤلات، بل أتاحت فرصة المشاركة فعلياً في هذه الصيرورة، وصنعها.

كنا نبحث في "صابرين" عن أغنية لم تكن موجودة، أغنية مغايرة للسائد، استخدمنا مصطلحات الجيل الحالي منذ زمن بعيد كالأغنية البديلة مقابل الأغنية الرخيصة والترفيهية التجارية. كانت مدرسة بديلة علمتني وعلمت جيلاً كاملاً.

  • "محطات "ألبومك الأول بفرنسا، لغة موسيقية مختلفة عن تكوينك العربي الكلاسيكي في "صابرين". هل كان تمرداً أم رغبة في التطوير ؟

تساؤلاتي في الموسيقى والرغبة في التجديد لم تتوقف لحظة، حتى إن اهتماماتي بالموسيقى الإلكترونية بدأت وأنا في" صابرين"، حتى انتقلت جغرافياً لأوروبا عام 2002.

منحتني الإقامة الموسيقية في "بيرن" بسويسرا فرصة عظيمة للاطلاع على تجارب الأوربيين في الموسيقى المعاصرة، وهناك التقيت بالموسيقار فيرنر هيسلر المتخصص في الموسيقى الالكترونية، وأيضاً عازفة الكونترباص الفرنسية سارة مورسيا، وجذبني توظيف آلتها غير المألوفة في موسيقانا العربية بأسلوب جديد.

ونجحنا في إصدار مشروعي التجريبي الأول "محطات" كعرض حي، بمشاركة "ميشيل شبار" الذي نفذ "الفيديو أرت" للأغاني على المسرح. ولم يكن هذا تمرداً بل خطوة جديدة بُنيت على أكثر من 20 سنة أمضيتها في مشروع "صابرين".

  • ألبوم "وصل" توليتِ إنتاجه ذاتياً ونشره عبر اليوتيوب. هل العراقيل التي تواجه الفنان المستقل بأوروبا شبيهة بالعراقيل التي تواجهه في العالم العربي؟

هناك صعوبات في كل الأمكنة، مشروع "وصل" كانت مادته جاهزة منذ نهاية 2014، ولم تتبناه شركة انتاج، ولأن هذا المشروع كان بمثابة لم شمل لصداقة قديمة مستمرة مع  فيرنر هسلر وسارة مورسيا، وشغفنا الموسيقي المتبادل منذ فترة طويلة، تحمسنا لتوثيق المادة من خلال تسجيلها عبر العروض الحية على المسرح، ونجحنا بمساعدة مؤسسة سويسرية صغيرة دفعت نفقات الجانب الفني والتقني في التصوير. وبعد المونتاج تم نشرها على الإنترنت.

  • أزمة الإنتاج، وخاصة مع فن غير تجاري، تظل هاجساً. في رأيك ما الحل؟

ستظل الأزمة قائمة ما دام هناك غياب لتنظيم عملية النشر الإلكتروني والرقمي، في ظل عدم شراء الجمهور الاسطوانات ولكن تنزيلها مجاناً. فإذا لم ننشر مشروع "وصل" فكيف كان سيصل للناس؟

أطمح إلى تنظيم هذا الغزو الرقمي، وضمان حقوق ملكية لهذه التسجيلات مثلما نجح المسؤولون في تنظيم جبي حقوق المؤلفين والمؤديين على بيع السي دي حتى تستمر عملية الإنتاج الموسيقي والفني.

  • صرحت أن ألبومك الأخير "حبكة" هو جزء ثانٍ من "نَوُل". ما الفرق بين المشروعين؟

أولاً هو استكمال لصداقة ومشاركة فنية وتساؤل مفتوح حول الموسيقى مع سارة مورسيا، التي بدأت عام 1998 بفلسطين عندما سجلت معنا ألبوم "على فين" لفرقة صابرين، ومنذ ذلك الوقت، العلاقة الإنسانية والموسيقية في تطور مستمر، واستفدت من خبرتها الموسيقية.

وبدأنا بألبوم " نَوُل “عام 2013، واستكملنا الجزء الثاني في "حبكة " في ديسمبر 2017، ولكن من خلال بحث جديد عن تقديم جمالية موسيقية مختلفة، رغم أن الألبومين هما من توزيع سارة إلا انهما مختلفان تماماً، حيث استعانت في " نول" بثلاث عازفات للوتريات ينتمين للمدرسة الكلاسيكية الأوروبية، بينما في "حبكة" شارك ثلاثة عازفين ينتمون لمدارس أداء موسيقي معاصرة تشجع الارتجال، هم ريجيس هوبي عازف الكمان، وغيوم روا عازف الالتو، وأتسوشي ساكاي عازف التشللو.

كما شاركنا فى "حبكة" بعض شعراء نَوُل الفلسطيني سلمان مصالحة بأغاني ( نورية – سوي) والمغربي حسن النجمي بأغنية (بلد).

 

  • غنيتِ لفلسطين في ألبومك الأخير. ماذا قلتِ فيه؟

بول شاوول شاعر لبناني تعرفت عليه عام 2002 وأهدى إلي ديوان "نفاد الأحوال"، واستعنت ببعض قصائده في ألبوم "وميض"، ثم وصلني كتيب صغير منه "إلى أطفال غزة" سجل فيه بلغه شديدة الحساسية أوجاع الشعب الفلسطيني والأطفال بعد ضرب الاحتلال غزة عام 2009 .

أما (نورية) فهي من التراث الشعبي الفلسطيني ولهجة أهلي بالجليل – شمال فلسطين - ولكننا نُقدمها بطريقة معاصرة وبتوزيع موسيقي مختلف، وهذه رغبتي المستمرة في إحياء هذا التراث.

سيد درويش مدرسة فنية مستمرة

  • سيد درويش يعود من جديد في ألبوم "نَوُل". ما سر حبك له؟

أنا عاشقة لأدوار سيد درويش، واعتبرها مرجعاً على جميع الأصعدة، أداءً وفكرًا وتلحينًا، وقد اخترت في بدايتي مع مشروع " محطات" دور "أنا عشقت"، وكنت أعزف الأغنية منفردة، ومعي سارة مورسيا التي اندهشت بدور "ضيعت مستقبل حياتي".

وصممت على تعُلم عزفه سماعياً وليس بكتابة نوتة موسيقية، كما يتعلم العرب موسيقاهم، واستغرق ذلك 5 سنوات، وتحمست لتقديم الدور في ألبوم "نول" تحية لسيد درويش، وتقديراً للاهتمام الذي اعطته سارة مورسيا للأغنية.

وقدمنا الأغنية بلغتنا الموسيقية المعاصرة مع احترام أصول الدور الغنائي .

  • لجأت مرة ثانية للتراث البدوي السيناوي المصري في "حبكة" بعد " نَوُل".

فى "بِيرن" بسويسرا، وقعت على كتاب أشعار لباحث أمريكي يدعى "كلينتون بيلي" عاش مع البدو في صحراء سيناء والنقب 20 سنة، وسجل تراثهم الشفوي للأشعار التي تتناقلها القبائل، وهذا كان بمثابة كنز، لأنه لأول مرة أعثر على شخص مهتم بالشعر البدوي الشفوي، واخترت بعض الأشعار التي شعرت كأنها مكتوبة اليوم.

زمكنة: "مغامرة وحابة أفوت فيها "

  • ماذا عن مشروعك "زمكنة" بباريس؟

زمكنة انطلقت من تجربتي في "صابرين" وهذا المجهود الذى بذلناه فيها، واعتمادنا على أنفسنا 100% إذ عشنا في فترة انعدمت البنية التحتية التي تخفف العبء عن الفنانين، كُنا نقوم بأدوار ليست من مسؤولية الفنان، ولكن ما زال الفنانون العرب مجبورين على أن  يقوموا بأعمالهم، وينتجوها بأنفسهم، من هنا ولدت " زمكنة" مع طاقم صغير ولكن حلمه كبير، عام 2014 لإعطاء الجيل الجديد فرصاً للتعاون والتفكير والإنتاج.

  • هل هناك تخطيط لإنتاج مشروع فني كألبوم مثلاً لشباب موسيقيين؟

حتى الآن لا. تهتم "زمكنة" بعدة محاور، منها دعم الأنماط الموسيقية غير الشعبية، والتي لا تحظى بإقبال من المنتجين، كما جُلت بين عامي 2014 و 2016 بعدة ورش عمل في القاهرة، بيروت، حيفا، رام الله، ما اتاح فرصة لتبادل الخبرات مع جيل أصغر مني، والاطلاع على تجارب جديدة في الموسيقى.

وهنا شغلني تساؤل دائم كيف تمد "زمكنة" يد العون لشباب متحمسين ومولعين بالموسيقى سواء كانوا من العرب أو الأوربيين. "زمكنة مغامرة وحابة أفوت فيها ".

بعد ثورات الربيع العربي توقف "البعبع أو الممنوع"

  • هل ساعدت ثورات الربيع العربي في إنعاش الفن المستقل وانتشار فرق الأندرجراوند في مصر وفي الدول العربية؟

أهمية هذه التحركات التحررية بأشكالها المختلفة، تكمن في أنها كشفت عن شباب متعطش للحرية ولحقوقه، وإنسانيته، وهذا ما يعنيني في هذه التحركات، وكأنه حدث لمجتمعاتنا العربية فاصل ما قبل وما بعد هذه الثورات، وكأنه فهمنا فجأة أننا قادرون على أن نعبر ونتحرك، وتوقف هذا "البعبع أو الممنوع".

ولكن الثورة المعلوماتية عبر الإنترنت والسوشيال ميديا هي التي ساعدت الفرق المستقلة على الانتشار أكثر وليس الثورات السياسية، لأن هذا الاتجاه الموسيقى المسمى بالبديل أو المستقل موجود منذ السبعينات، وصابرين أحد أشكاله، ولكن لم نطلق عليه وقتها فرقة مستقلة، لأننا لم نكن في عصر الانترنت. اليوم أصبح الفضاء الإلكتروني مفتوحاً للجميع وبضغطة زر واحدة يمكن لأي مواطن تسجيل أغنية من منزله.

  • وماذا عن تقييمك لما تُنتجه الفرق المستقلة من موسيقى؟

يحتاج سنوات من الدراسات والنقد والتفكير لنستطيع الحكم على ما يخرج وما نسمع من هذه الفرق.

التعليقات

المقال التالي