بعيداً عن الحرب والإعلانات والتوك شو: "ماسبيرو زمان" رحلة إلى جَنَبَاتِ "الزمنِ السعيد"

بعيداً عن الحرب والإعلانات والتوك شو: "ماسبيرو زمان" رحلة إلى جَنَبَاتِ "الزمنِ السعيد"

بينما تزدحمُ الفضائياتُ العربية بهذيان التوك الشو وجنون الحروب، ستحظى بشاشةٍ تبثُّ من عالمٍ آخر، لغةٌ بصرية متواضعة ومادةٌ أُعِدَّت على مَهل، دونَ أي استجداءٍ لمعلن أو لنقرة "لايك".

"ماسبيروا زمان" القناة التي أزاحتِ الغبار عن جواهرِ التلفزيون المصري، وأعادت عرضها، لتشبعَ حنينَ المشاهدِ العربي إلى زمنِ طه حسين والعقاد، اسماعيل ياسين وتوفيق الدقن، حلمي رفلة وفطين عبد الوهاب.


نحنُ جيلُ الثمانينيات، ربما عاصرنا بعضا من برامج التسعينيات غير أن "ماسبيرو زمان" تعيدنا إلى ماقبل ذلك، فهي تعرض موادَ مما قدم التلفزيون المصري منذ تأسيسه عام 1960 وحتى بداية التسعينيات، يتنوعُ محتواها بين الفن والثقافة والرياضة وبرامج الأطفال.

أيضاً تعرِّفُنا على وجوه إعلامية سبقتْ زمننا، منهم طارق حبيب، ليلى رستم، فريال صالح، نهال كمال، وغيرهم.

كانَ الهدفُ من إطلاق "ماسبيرو زمان"، عرضَ تراث التلفزيون المصري، الذي تصدَّرَ الشاشاتِ العربيةَ منتصفَ القرن الماضي، بل وكان تأثيرهُ مباشراً وواضحاً، يؤكد مصدر من القناة.

مضيفاً لرصيف22 أنها تسعى للتنوع في محتواها لتغطي شرائح المجتمع، موجهةً خطابَها إلى العالم العربي أجمع، بعيداً عن أي سياسة تجارية أو إعلانية "جلُّ همِّنا السفر بالمشاهد إلى زمن الفن الجميل، الأمر الذي جعل القناة تحجزُ مساحتها الخاصة، في ظل سَئمِ الناس من برامج التوك شو وطوفان الإعلانات الذي يُذهِب متعةَ أيِّ مشاهدة".

أقوال جاهزة

شارك غرد"ماسبيروا زمان": تعود بنا إلى ستينيات القرن الماضي، إلى قصص وتفاصيل عن فنانين عشقناهم وغابت عنا قصص حياتهم

شارك غردبرنامج يعود بالمشاهدين إلى زمنِ طه حسين والعقاد، اسماعيل ياسين وتوفيق الدقن، حلمي رفلة وفطين عبد الوهاب وليلى رستم وعبد الحليم حافظ

عن دورة عملِ القناة يتحدثُ المصدر "فِرقُ الإعداد تبحثُ في مكتبة التلفزيون وتنتقي ماهو مناسب، ليُتخَذَ قرارُ العرض بعد نقاشٍ مع مديرة المحطة منى الهنسي، بعد ذلك تذهب المواد إلى فريق الإخراج والمونتاج، للنظرِ في حالتها الفنية قبل إذاعتها" لافتاً أن سوءَ التخزين يتسببُ في تجريحِ بعض المواد، في حين عملياتُ المونتاج تحاولُ معالجتَها قدر المستطاع.

ظهورٌ نادرٌ وبعيدٌ عن المألوف للمفكر عباس محمود العقاد في حوار مع الإعلامية أماني ناشد، تحدثَ فيه عن عتباتِ حياته فيما يتعلقُ بالكتابة وأيضا بعيدا عنها، سادلاً الستار عن تفاصيلَ غائبةٍ عن قرَّائه لولا إقرارُه بها.

كان منها مبرراتُ كتابِه الأول "خلاصةُ اليومية" الذي جمعَ فيه يومياتٍ دونها عن حياته وعن إصداراتٍ قرأها، وقرّرَ إصدارَه، ظنّناً منه أنه أوشك على الموت بسبب عارض صحي، فسارع لإطلاق عملٍ يدلُّ عليه بعد رحيله الذي كسرَ توقعاتِه حينها، وأتاحَ له فرصةً لإنتاجٍ غزيرٍ تجاوز الـ100 إصدار.

في شبابه حالَتِ الظروفُ السياسيةُ والأمنية وتكرارُ اعتقاله دونَ ارتباطه، يحكي العقاد خلال اللقاء الذي أعادتْ بثَّه "ماسبيرو زمان"، لافتا أنه عندما تجاوز الأربعين كان الزمنُ قد سبقه فألغى قرارَ الزواج، رغم أن الحب قد أسرَهُ بقصةٍ وثقها في روايته "سارة" حسب قوله.

لكنَّ اللافتَ في الحوار كان رأي العقاد في دور المرأة في الحياة والذي أقصرَه على البيت وتربية الأولاد، غافلاً ماحققته من إنجازات عبر التاريخ "الحاضر هو ميدانُ الرجل، بينما المستقبلُ ميدان المرأة التي تعدُّ له من خلال تربية أبنائها وإعدادهم ليكونوا كفؤا لما هو قادم".

كانَ الفنان كاظم الساهر أحدَ ضيوفِ برنامج "حق الجمهور" مع المذيعة فريال صالح، أعادت "ماسبيرو زمان" بثَّ الحلقة منذ حوالي أسبوعين.

مكاشفةٌ وصراحةٌ تميَّزَ بهما قيصر الغناء، متحدثاً عن بداياته الصعبة في حيِّيه الشعبي بمدينة سامراء، والضيق الذي رافقَ خطواتِه الأولى عندما كان يضطر للغناء ليلاً في سبيل تغطية تكاليف إنتاج أغانيه، وغير ذلك من التفاصيل التي تظهر جوانبَ قد تغيب اليوم عن عشَّاق الساهر.

وعلى ضفة أخرى تعود بنا إلى ستينيات القرن الماضي، شكَّل الثنائي فؤاد المهندس وشويكار حالةً فنيةً مغايرة، أغنّتِ الشاشة المصرية على مدار عقدين من الزمن بظهورٍ مُتقنٍ، كانت الغلبةُ فيه للكوميديا.

أكثرُ من 10 أفلام و 9 مسرحيات وأعمال أخرى، حققها المهندس و"شوشو" كما كان يناديها دائما. لتشكلَ علاماتٍ في تاريخ الفن المصري.

"سيدتي الجميلة" مسرحية عرضتها مجدداً "ماسبيرو زمان"، وكان نجاحُها متميزاً عام 1969 عندما قُدِّمِت على مسارح عدة في مصر، اقتُبِسَ نصُّها عن مسرحيةٍ للمؤلف الأيرلندي جورج برنارد شو.

ومما قدمته "ماسبيرو زمان" برنامج "أمسية ثقافية" للكاتب الراحل فاروق شوشة، التقى فيه الأديب نجيب محفوظ بعد استلامه جائزة نوبل، ليعترفَ الأخير أنَّ الجائزة كانت خارجَ محيط آماله، معللاً أنه وجيلُه من الكتاب انشغلوا في تأسيس شكلٍ أدبي حديث، في حين كان الأملُ الأكبر هو نيلُ اعترافٍ شعبي ومحليِّ قبل أيّ شيء. 

وفي الوقت الذي نالَ فيه محفوظ اعترافا بأنه نجحَ في غرس فنِّ القصِّ العربي، كان ثمة شائعات حول الجائزة ودلالاتها، يردَّ عليها بقوله "نحن أناس لا نبحثُ عن الحقيقة، بل عن الإثارة والتوريط، يجب ألا نصدرَ حكماً إلا بعد إدراك حيثياته العقلية".

تزامنا مع الحوار، كانت روايةُ "أولاد حارتنا" ممنوعةً من النشر في مصر، بينما هي متداولةٌ في العالم العربي، محفوظ اعتبر أن الاعتراضَ عليها يرجعُ إلى أنَّ بعض الأشخاص ناصروا الأزهر من خلال اتهام الرواية فقرؤوها بأعين مُتَّهِمة، لافتاً أن المشكلةَ فنيةً وليست دينية، أساسُها "كيف تقرأ رواية؟" ليتابعَ حديثه بكيفية إتقان فنِّ القراءة.

"حاجة تعاتبني" هي أولُ نجاحٍ غنائيِّ لفيروز مع الأخوين رحباني، ذلك ما أكدته خلال استضافتها في برنامج "أهلا وسهلا" على شاشة التلفزيون المصري عام 1968، والذي أعيد بثُّه على "ماسبيرو زمان".

حضورٌ لطيف أحاطَ جارة القمر، بينما الخجلُ والاقتضاب غلبا على إجاباتها، لتخصصَّ التقنية منها للأخوين رحباني اللذَين شاركاها الحديث حول آلية عمل الثلاثي.

في حين استعاد الزوجان "نهاد وعاصي" - بناء على طلب الجمهور- بدايةَ تعارفهما في الإذاعة اللبنانية عندما كانت تغني في الكورس، وهو موظفٌ في فرقةِ الإذاعة، ليتمَّ الزواجُ بعد ذلك بـ5 سنوات.

"ماسبيرو زمان أطلقتْ حِراكاً جيداً في البيت المصري وأعادت لنا ومضاتٍ قديمة لتسجيلاتٍ تحمل قيمةً عالية" يقول الناقد الفني طارق الشناوي لافتا أنه وقاسياً مع عمر التلفزيون المصري الذي قارب الـ60 عاماً.

فإن رصيدَه أكثرُ مما هو عليه الآن "مع الأسف، هناك مواد سُرِقت وأخرى ماتت بالتقادم، لأننا لا نملك ثقافة التخزين، معضلتنا الآن أننا أمام ما تبقى من هذه الكنوز".

ليلى رستم في لقاء قديم مع الراحل عبد الحليم حافظ: "بريدكَ اليوم كان الأكبر عبر تاريخ البرنامج، الكثير من الأكياس، كل ما ننتهي من كيس جوابات نبدأ بآخر"

يضيف الشناوي لرصيف22:

"آمل أن تخاطبَ الدولة المصرية بعضَ التلفزيونات الرسمية العربية، كتلفزيون الكويت، لأن لديه أشرطةً قدمها له التلفزيون المصري في ستينيات القرن الماضي في حين أن الأخير لا يملكها اليوم"، رغم ذلك ينصح طارق الشناوي المشاهد بإجراء إطلالة على هذا الرصيد الضخم الذي تقدمه قناة "ماسبيرو زمان"، كما يقول.

في حوار قديم، أجرتهُ المذيعة ليلى رستم مع الراحل عبد الحليم حافظ، بعد عودته من العلاج في لندن، قالت له "بريدكَ اليوم كان الأكبر عبر تاريخ البرنامج، الكثير من الأكياس، كل ما ننتهي من كيس جوابات نبدأ بآخر، علاوة عن التلغرافات والمحادثات التلفونية".

رغم تغيُرِ مفهوم الشهرة وشكلِ التواصل مع النجوم، إلَّا أنَّ تلك الرسائل التي كُتِبَت بالحبر ومرَّت بمحطاتٍ وصولاً لأصحابها، تحملُ قيمةً وجدانية وشحنةً عاطفية قد لا نجدُها في عالمنا الرقمي اليوم، لكن وكي نستعيدَ بريقَها وجمالَ زمانها ليسَ أمامنا سوى مشاهدةِ "ماسبيرو زمان".

التعليقات

المقال التالي