أحمد سعداوي لرصيف22: نعتقد أننا أبرياء لكن في جانب منّا نحن مساهمون في الجريمة

أحمد سعداوي لرصيف22: نعتقد أننا أبرياء لكن في جانب منّا نحن مساهمون في الجريمة

"الجوائز الأدبية هدفها التشجيع على القراءة". هذا ما يقوله الروائي العراقي البارز أحمد سعداوي، بعيد وصول روايته "فرانكشتاين في بغداد" إلى القائمة القصيرة لجائزة المان بوكر العالمية.


لا شك في أن "فرانكشتاين في بغداد" هي أكثر روايات السعداوي شهرةً في العالم العربي والعالم، فقد تُرجمت حتى الآن أو ستُترجَم قريباً إلى 19 لغة ويُنتظر أن تترجم إلى لغات إضافية، خاصة بحال حصدت الجائزة العالمية.

ولكن الروايات الأخرى التي كتبها الروائي العراقي، المولود عام 1973 والذي عمل في الصحافة في مؤسسات عدة منها "بي بي سي" ووكالة MICT الألمانية، "لاقت جميعها أصداء جيدة"، كما قال لرصيف22 في حوار معه على هامش لقاء به أقامه مقهى "كَهوة وكتاب" في منطقة الكرادة بوسط بغداد، بمناسبة النجاحات التي حققها في عالم الرواية.

فروايته الأولى "البلد الجميل" (2004) حصلت على الجائزة الأولى للرواية العربية بدبي عام 2005، وروايته الثانية "إنه يحلم أو يلعب أو يموت" (2008) حصلت على جائزة هاي فستفال البريطانية عام 2010.

ولكن "فرانكشتاين في بغداد" (2013) حققت الحضور الأبرز من بين أعماله الأخرى، ومنها روايته "باب الطباشير" (2017)، فقد حصلت على جائزة البوكر العربية عام 2014، و"سُلطت الأضواء الإعلامية عليها بشكل كبير جداً ما ساهم في انتشارها"، يقول السعداوي.

يتعاون الكاتب العراقي مع وكيل أدبي في بريطانيا يقوم بمهمة التفاوض مع الجهات ذات العلاقة بشأن أعماله الفنية. ويقول إن "عقود الترجمة لرواية فرانكشتاين في بغداد التي وقعتها حتى الآن بلغت 19 عقداً نُفّذ منها سبعة عقود والباقية ستُنجز في العام المقبل".

ولفت إلى أن أبرز اللغات التي تُرجمت إليها الرواية التي ستحوّلها شركة بريطانية إلى عمل سينمائي هي الإنكليزية والإيطالية والفرنسية والكردية والفارسية والعبرية.

"اشتغال ضمن منطقة الغرائبية"

في "فرانكشتاين في بغداد"، يظهر واضحاً "الخيال الكابوسي"، ما يجعلها قريبة من أدب "الواقعية السحرية". لكن سعداوي يقول: "لا نستطيع أن نقول واقعية سحرية لكن اعتبره اشتغالاً ضمن منطقة الغرائبية، وهذه المنطقة تضم اشتغالات متنوعة، واحدة منها تتمثل بالواقعية السحرية، وهي موجودة في الواقع العراقي ونشهدها ونعيشها بشكل يومي".

ويضيف: "هناك أحداث تبدو غريبة وصعبة الحدوث في الواقع، بالإضافة إلى أنها خارقة وغير اعتيادية، ولكنها تدور في العراق في ظل الأوضاع والتحولات العنيفة التي تحدث في البلاد بشكل يومي، وزادت نسبة الأحداث الغرائبية بسبب الأوضاع العامة للبلد".

ويتابع: "اشتغلت على الأحداث الغرائبية في كل رواياتي، وفي روايتي الثانية ‘إنه يحلم أو يلعب أو يموت’ ذكرت حادثة حقيقية عن شخص يؤتى به إلى أهله في الحرب العراقية-الإيرانية التي حصلت في ثمانينيات القرن الماضي، وجثته مشوهة ولا يتعرفون عليها إلا من ذراعه التي كُتب عليها اسمه ‘علي’".

ويشير إلى أنه "بعد عام 2003، رجع علي إلى أهله وكان مع منظمة بدر (الجناح العسكري للمجلس الأعلى الإسلامي حتى انشقاقها عنه وإعلانها كياناً سياسياً مستقلاً)، ويده مقطوعة"، موضحاً أن "الغرائبية في هذا الموضوع كبيرة جداً لأن أهل علي يتوقعون أن ابنهم مات في الحرب، بينما القصة الحقيقة هي أنه ذهب إلى إيران وتعالج هناك وعاش فيها حتى سقوط النظام السابق، فيما دُفنت في قبره جثة أخرى لشخص آخر توفي في الحرب. لذلك الغرابية في العراق شيء واقعي وليس خرافياً".

أقوال جاهزة

شارك غردأحمد سعداوي لرصيف22: نحن نمثل شخصية المجرم والضحية. كلنا نعتقد أننا أبرياء، لكن في جانب من شخصيتنا نحن مساهمون في الجريمة، لأننا قد لا نعترض عليها أو نؤيدها لفظياً أو معنوياً

شارك غردأحمد سعداوي لرصيف22: رواية فرانكشتاين في بغداد اشتغال ضمن منطقة الغرائبية، وهي موجودة في الواقع العراقي ونشهدها ونعيشها بشكل يومي

وبشأن "الشسمة"، بطل "فرانكشتاين في بغداد"، وهل يمثل جميع العراقيين أم يمثل فئة المغلوبين عن أمرهم؟ يجيب سعداوي قائلاً: "الشسمة مكوّن من أجزاء من جثث الضحايا، ودخَلَت لاحقاً في تركيبته أجزاء من جثث المجرمين، فاختلط الضحية والمجرم معاً. هذه الصورة التي أردت إيصالها، فنحن نمثل شخصية المجرم والضحية. كلنا نعتقد أننا أبرياء، لكن في جانب من شخصيتنا نحن مساهمون في الجريمة، لأننا قد لا نعترض عليها أو نؤيدها لفظياً أو معنوياً".

"الحواجز بين الأجناس الأدبية"

كتابات سعداوي الأدبية لم تبدأ بالرواية. فقد أصدر دواوين شعرية آخرها "صورتي وأنا أحلم" (2002) كما نشر قصصاً في دوريات عراقية وعربية.

وحول التحوّل من الشعر إلى الرواية، قال: "ليس تحولاً، وإنما أكتب الشعر والرواية وأمارس الرسم أيضاً وهذا التنوّع حاضر منذ البداية وليس وليد هذه اللحظة، علماً أنني لم أنشر منذ التسعينيات كتاباً شعرياً جديداً، ولكن من المؤمل أن أصدر مجموعة شعرية جديدة عام 2019، وكذلك سيصدر لي كتاب قصصي خلال الشهرين القادمين اسمه ‘الوجه العاري’".

وتابع: "لا يوجد شيء اسمه إلغاء الحواجز بين الأجناس الأدبية، ولكن يبقى أن تاريخك الشخصي مع الجنس الأدبي وعلاقتك به هما ما يجعلانك قادراً على الإبداع، ومن المستحيل أن شخصاً لا يعرف شيئاً عن الرواية يكتب الرواية بشكل ناجح، بالإضافة إلى أن مقدار الجهد الذي تبذله مع الجنس الأدبي هو الذي يعطيك نتيجة النجاح".

يعتبر سعداوي أن عمله في مجال الصحافة أفاده جداً في كتابة الرواية لأنها برأيه، "تعلّم الكاتب الحس العملي، والقدرة على الكتابة بكفاءة ومتابعة، وملاحقة تفاصيل الواقع والأحداث التي تحصل".

لكن، من جانب آخر، يرى سلبية في العمل الصحافي "تتمثل باستهلاك الوقت"، ويقول: "كل أعمالي كتبتها عندما توقّفت عن العمل في الصحافة، علماً أنه عندما كتبت رواية فرانكشتاين في بغداد استقلت من العمل الصحافي وبقيت لمدة عامين بلا عمل بهدف إكمالها، وكذلك حصل مع باب الطباشير. أرى أن الصحافة والرواية تشتغلان في صفحة واحدة فلا يمكن الجمع بينهما في آن واحد لأنهما تستهلكان الجهد والوقت".

واقع الرواية العراقية

وعن واقع الرواية العراقية اليوم، قال سعداوي: "لدينا ما يقارب 500 رواية صدرت منذ عام 2003، وسوق الرواية مزدهر لأن هناك شباباً يكتبون الرواية وهذا شيء إيجابي وجميل، ولكن مَن سيصمدون ويبرزون أسماء قليلة فقط، والرواية اليوم بخير ونتمنى أن تنضج هذه التجارب وتصبح ذات مستوى فني جيد".

وعن الجوائز الأدبية وأهميتها، أشار إلى أنها "تروّج للقراءة وتجذب انتباه الناس لقراءة الأعمال المرشحة للفوز أو الفائزة، وبالتالي ستنمو لديهم ملكة القراءة وهذا شيء مهم وبالنهاية له مردود إيجابي على الجميع ويمتّن العلاقة بين القارئ والمؤلف".

وختم بأنه يعتبر وصوله إلى القائمة القصيرة لجائزة المان بوكر "فوزاً لنا وللرواية العراقية".


كلمات مفتاحية
الأدب الرواية

التعليقات

المقال التالي