لنتعرف على شخصية كتابنا المفضلين من خلال ما تخبئه مكتباتهم الخاصة

لنتعرف على شخصية كتابنا المفضلين من خلال ما تخبئه مكتباتهم الخاصة

مكتبة كبيرة، مكتب أنيق فوقه أوراق مبعثرة، وأقلام ملونة، ودفاتر مختلفة. جهاز تنبعث منه موسيقى كلاسيكية هادئة، وحدة إضاءة خافتة، وربما فنجان قهوة فارغ.

كلها تفصيل تتبادر إلى الخيال إذا ما جاء ذكر مكاتب الأدباء والكتاب والمفكرين. تفاصيل رسمت صورة تقليدية انطبعت في أذهاننا فتوارثناها جيل بعد جيل.

لكن ما مدى تطابق تلك الصورة مع الواقع؟ سؤال فتشنا عن إجابته، فجاءت الإجابات كاشفة لتفاصيل مدهشة.. تعرف عليها في السطور التالية.

خيري شلبي: راديو وصور وأباجورة

منحني عملى في بلاط صاحبة الجلالة تأشيرة الدخول لعالم كبار الكتاب، كان من أبرزهم الروائي الكبير "خيري شلبي" الذي زرت مكتبه بعد رحيله، لإجراء حوار مع ابنائه.

يومها دخلت مكتبه البسيط المزدحم بالصور والأوراق، لكنه ممتلئ بالدفء الذي تمنحه لك تفاصيل عشقها الروائي الكبير.

حدثتني ابنته "ريم" عنه فقالت:

لم يكن لدى والدي غرفة مكتب خاصة، فالبيت كله كان ولا يزال بعد رحيله غرفة مكتب مفتوحة. لكن لديه مكتب تقليدي_هو أول مكتب يمتلكه في حياته_ اشتراه من محل أنتيكات بالمعادي.

احتل المكتب القديم الركن الأكثر تهوية في البيت، بسبب حبه للتدخين. فلم يكن يهتم بالشكل العام قدر اهتمامه بوجود كل أشيائه في متناول يديه.

تؤكد "ريم" أن والدها كان دائما يصنع "أباجورته" بيديه، حتى تركز الضوء بالقدر الذي يحتاجه على الأوراق. ولذلك كانت محاطة بلفات من الشريط اللاصق، كما كانت اللمبة أكبر حجماً من كأس "الأباجورة" نفسه.

وتواصل: على يمينه، كان يضع الراديو كاسيت ونيس الليل والنهار. خصص الليل لإذاعة الأغاني، بعد أن عاش لسنوات مستمعاً لصوت العرب والبرنامج العام. وفي النهار كان يستمع لشرائط كاسيت احتفظ بها لأغاني فيروز، والشيخ إمام.

فضلاً عن عشقه للموسيقي والأغاني التركية والأندلسية؛ وخصوصاً الكلاسيكية، ارتباطاً بأصوله التركيه. يحتل التليفزيون المساحة المقابلة للمكتب مباشرة، لمشاهدة أعمال أصدقائه في المقام الأول.

في المكتب نافذة لا تفتح أبداً، حيث غطى ستائرها بصور أحفاده، وصور مصغرة لبعض اللوحات العالمية، وصور أفراد عائلته الكبيرة وهم يحى حقي، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وعبد الحليم حافظ، وجده علي، وبعض اللوحات التي رسمها له بعض من أصدقائه الفنانين.

سعاد سعيود..قلة فخار وأبريق نحاسي

كانت إقامة الشاعرة الجزائرية سعاد سعيود في العاصمة النمساوية فيينا منذ ما يقرب من 25 عاماً؛ سبباً قوياً في استحضار سعاد لتفاصيل من موطنها الجزائر، لتأتنس بدفئها في غربتها الباردة. فأحضرت العديد من التذكارات والصور.

فعلى أرفف مكتبتها تستقر "القلة الفخار" التي تعود إلى زمن الطفولة_ كما أكدت لي "سعاد"_ يجاورها إبريق نحاسي مميز، يضفي حضوراً عربياً على المكان.

في مكتبها تجد مجموعة أسطوانات نادرة تعود لفترة السبعينات، وجهاز جرامافون مميز، تحمل الأسطوانات موسيقى كلاسيكية محببة لقلب سعاد قالت عنها:
"لا شيء أجمل من الأسطوانات يعيدك إلى الزمن الجميل".

الطريف في الأمر أن سعاد لا تكتب وهي تستمع لموسيقى، فهي تفضل الهدوء التام. اما الموسيقى فلها وقت آخر.

سيد حجاب وحضور ملفت لبليغ وغاندي

حجرة يغمرها الضوء، يدخلها عبر نافذة كبيرة، أمامها أريكة مريحة امتلئت بالوسائد الملونة. اعتاد الشاعر الكبير سيد حجاب الجلوس عليها ليدخن أو ليقرأ أو ليتبادل أطراف الحديث مع ضيوفه، الذين كنت واحدة منهم ذات يوم عندما استقبلني لإجراء حوار معه.

يومها لفت انتباهي صور بليغ حمدي والمهاتما غاندي وصلاح جاهين وحسن نصرالله التي استقرت على أرفف مكتبته الكبيرة.

حيث اختار الشاعر الراحل أن تشاركه رحلته في عالم الإبداع التي يبدأها من خلف مكتبه المزدحم بالأوراق والأقلام ونموذج صغير للكرة الأرضية وتمثال أفريقي من الخشب. تفاصيل وضع فيها سيد حجاب بعض من روحه، فظلت دافئة حتى بعد رحيله.

مفيد فوزي: مقعد ومرآة وتمثال فيروز

استقبلني الكاتب الكبير مفيد فوزي في مكتبه أكثر من مرة؛ لإجراء حوارات عديدة في مناسبات مختلفة.

لفت انتباهي حينها أناقة المكان ونظامه الشديد. حيث اختار الأستاذ أن يكون المكتب والمكتبة الصغيرة التي استقرت بجواره من الزجاج الشفاف، وهو اختيار يعكس جرأة ووضوح المحاور الأشهر، صاحب الكتب الكاشفة لأسرار المشاهير.

على الجدار المقابل استقرت مرآة مميزة، واحتلت مثيلتها الجدار الواقع على يساره،استقر أسفلها مقعد أحمر يواجه التليفزيون، يرتبط به الكاتب الكبير، ويرفض بشدة أن يجلس عليه غيره، حتى لو كان ضيفاً.

أهم ما يلفت الانتباه في المكتب، أو بالأحرى في الممر المؤدي إليه؛ تمثال فيروز. حيث تقف صاحبة الصوت الملائكي بشموخها المعتاد بثوب روماني مثير، على قاعدة كتب عليها "أعطني الناي وغني".

عمر طاهر: كليم وسبرتاية وبراد

لايختلف مكتب الكاتب عمر طاهر عن موهبته، فلكلاهما نكهة خاصة. فلقد قرر عمر صاحب "عرفوه بالحزن"، السائر على "أثر النبي" صديق "توم هانكس" الذي "وصفوا له الصبر" أن يكون كل شيء في مكتبه من اختياره، بمواصفات خاصة تشبه روحه، أهمها أن يكون مصري أصلي.

لذلك يضم المكتب بين جنباته أشياء نقب عنها عمر بدأب في أماكن مختلفة. فعمر عدو اليأس لا يتسرب الأمل من بين يديه أبداً، لذلك اختار أن تكون تفاصيل مكتبه ملونة إلى حد البهجة مهما كانت طبيعتها.

فـ"المشاية" كليم يدوي من الخيامية، وسلة المهملات خشبية ملونة برسومات الفلكور الشعبي المبهجة، و"صنية" خشب برتقالي تحتضن السبرتاية الذهبية والبراد الصفيح الأزرق، يجاورهم مقعد من الخشب والصوف الملون مصنوع في الحرانية. أشياء جمعها عمر على فترات متباعدة،

يضيف إليها من وقت لآخر قطعة جديدة تمنح المكان بهجة خاصة.

ولأنه لا يعترف إلا بكل ماهو أصلي، كره عمر اقتناء الكتب الالكترونية أو الصوتية، فكما قال لي بأسلوبه المحبب:

"كل اللي في مكتبتي كتب ورقية بس. الكتاب الورقي مش مجرد قراية، له استخدامات كتيرة، عندك مثلاً رصة الكتب بتحسس الواحد بالونس والأمان، تفاصيل ريحة الورق، وتطبيق الصفحة والكتابة فالهوامش كل دي حاجات مهمة زي محتوى الكتب بالظبط".

تضم مكتبة عمر أنواع مختلفة من الكتب، فكل ما يضيف إليه ككاتب؛ لا يتردد في أن يجد له مساحة خاصة في مكتبته، أو كما قال خاتماً حواره معي "أنا بادور على كل اللي هيقدم لي حاجة من العلم للتسلية". 

عالية طالب، الاغتراب رفيق لرحلة

الأديبة عالية طالب؛ نائب الأمين العام لاتحاد أدباء العراق، حرمتها غربتها الدائمة عن وطنها الحبيب، من مكتبها ومكتبتها وما يحويه كل منهما. تحدثت عن ذلك لرصيف22، فقالت:

الغربة أصابت مكتبتي بالعطب، وجعلتني أؤسس أخرى في بلدان احتوتني. وحين أغادرها؛ أودع ذاكرتي فيها، وأنا أهديها لأصدقاء أعرف أنهم سيهتمون بها"

وتضيف: "خمس مرات وأكثر أعدت بناءها، وها أنا الآن أجدها تؤرخ معي عمري، وأنا أرقب كيف استبدلت رفوف كنت أعشقها بجديدة بت أكثر وعيا بعشقي لها".

في بعض زوايا الكتب تختيىء قصاصات حكايات لم تنشر، في أوراق باتت ذابلة جداً حد البحث عن أدراج وئد لها. تزين الكتب دائماً تماثيل صغيرة لمنحوتات حرصت على اقتنائها أينما سافرت.

أقوال جاهزة

شارك غردمن طقوس الكتّاب العرب "أنا شخص يقدس الورق ولا يرى اللذة في الكتابة أو القراءة إلا على الورق وبمعية القلم وما يمكنه فعله من تشطيب وتسطير وتحديد"

شارك غردجهاز تنبعث منه موسيقى كلاسيكية هادئة، إضاءة خافتة، وربما فنجان قهوة فارغ، هكذا نتخيل غرفة المبدعين، ولكن ماذا يقول الكتاب والكاتبات عنها؟

وعن مكتبتها وطبيعة محتوياتها التي تعكس صورتها كقارئة قالت عالية:

في البدايات تشكلت مكتبتي باهتمام أحادي؛ تمثل بكتب القصص والروايات، ثم رفوف الشعر، وكان للأدب الروسي حيزاً مهماً في عقلي.

ثم دخل معه الأدب الانكليزي، وتسلل بينهما من هنا وهناك كتّابٌ آخرون عرب وعراقيون، فاحتل نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وعيسى الصكر، وغائب طعمة فرمان، وجبرا إبراهيم جبرا مكانة مهمة استمرت لبضع سنوات.

ثم وجدت مكتبتي تقودني إلى كتب الفلسفة والتاريخ وتحقيق التراث والمصادر المهمة.

لدى "عاليا" أيضا كتب إلكترونية تقول عنها:

أقتني عناوين إلكترونية لا تتوافر في مكتباتنا المحلية، بعضها أقرأه بلغته الأم حين أفتقد ترجمة عربية له، فتعينني الإنكليزية على معرفة ما أبحث عنه.

تواصل "عاليا": فالكتاب الإلكتروني ميزة علينا أن نشكر التكنولوجيا عليها، لكنني لا أشعر بالانتماء الكامل لها، إذ يبقى للكتاب الورقي سحر خاص وأنا أمسك به بأصابع تبحث داخل السطور عن أبطال بت أعرف أن مسكنهم هنا، وحين أتركهم أشعر بالخوف عليهم، فأعود لأحملهم إلى رفوف هيأتها بعناية لتحتويهم.

منصورة عز الدين: نوتة وقلم أخضر

الكاتبة الروائية منصورة عز الدين أكدت لرصيف22 أنها تحيط نفسها دوماً بتفاصيل تنبع من العمل الروائي الذي تكتبه فقالت:

في بدايات علاقتي بالكتابة، كنت أحتاج إلى درجة عالية من الألفة بيني وبين المكان الذي أكتب فيه.

لكن مع الوقت دربت نفسي على الكتابة في أي مكان، مهما كانت علاقتي به مؤقتة وعابرة. صار ما يهمني أكثر الألفة بيني وبين ما أكتب، لذا أحرص على إحاطة نفسي بتفاصيل تخص النص الذي أشتغل عليه.

فأثناء كتابة "جبل الزمرد" كانت مجلدات ألف ليلة وليلة في متناول يدي معظم الوقت، إضافة إلى صور لضريح سعدي الشيرازي، وصور التقطتها بنفسي لفيينا وساوث شيلدز.

وخلال كتابة "أخيلة الظل" كانت صور براغ ومتحف كافكا وأسمهان وكاميليا وأحمد سالم وأصوات ليلى مراد، وفلاديمير فيسوتسكي وماريا كالاس تحيط بي.

على المنوال نفسه، كان تأمل صور التقطتها بنفسي للنيل في أماكن مختلفة داخل مصر ولمعابد فرعونية، خاصة معبد دندرة طقساً لا غنى عنه خلال كتابة كتابي الأحدث "مأوى الغياب".

من ناحية أخرى، أحرص دوماً على وجود "نوتة" وأقلام خضراء معي أينما توجهت. في بعض الأحيان، قد أتوقف عن الكتابة على اللابتوب وأحرص على كتابة مشهد بعينه بالقلم أو إعادة كتابة مشاهد سبق وكتبتها على الكمبيوتر ورقياً.

هذه المراوحة بين الورقي والإلكتروني تسم قراءاتي أيضاً، فحتى سنوات قليلة مضت كنت أقرأ كتباً ورقية فقط، لكنني تعودت مع الوقت على القراءة الإلكترونية، والغريب أنني قد أقرأ كتاباً ما عبر الشاشة أولاً، ثم أتحمس لإعادة قراءته ورقياً بعدها مباشرةً.

بالنسبة للقراءات تستهويني الفلسفة والنبش المتواصل في المعاجم العربية القديمة وكتب التراث والشعر، خاصة الشعر العربي القديم. لكن بوجه عام، تتنوع قراءاتي كثيراً وتختلف تبعاً للعمل الذي أشتغل عليه، ففي أثناء كتابة رواية ما قد أقرأ في تخصصات لم تخطر لي من قبل على بال.

سفيان مخناش وأغاني مايكل جاكسون

شرائط مايكل جاكسون وجهاز كاسيت يتسلل منه صوته المميز وموسيقاه الشهيرة، أهم التفاصيل التي يرتبط بها الروائي الجزائري سفيان مخناش، فهو لا يكتب إلا وصوت مايكل جاكسون يكسر الهدوء المحيط.. يقول عن ذلك:

مايكل جاكسون ملهمي، ليس فقط في الإبداع بل في عملي وحياتي الشخصية، فكلما ضعفت بطارية الإبداع لدي، أشحنها بموسيقاه، فأجدني أعود إلى كراساتي بنفس الحماس الأول إن لم أقل أكثر.

يواصل: اعتمادي على الورق والقلم عامل مهم في استمراريتي، فرغم التطور الرهيب الذي يطرأ على مختلف الأجهزة الإلكترونية، لم تتأثر القراءة أو الكتابة لدي، فأنا شخص يقدس الورق ولا يرى اللذة في الكتابة أو القراءة إلا على الورق وبمعية القلم وما يمكنه فعله من تشطيب وتسطير وتحديد.

عشق "سفيان" للورقة والقلم جعله يحتفظ دوماً بهما ليدون الأفكار التي تداهمه خلال يومه حتى لو كان يتسوق. وهي القصاصات التي يحفظها في درج خاص ليعود إليها وقتما يريد، فربما كانت بداية لرواية جديدة.

يحتفظ "سفيان" ببعض الكتب الصوتية في سيارته، وبكتب إلكترونية في مكتبه، لكن الحيز الأكبر لا يزال محجوزا للكتب الورقية التي يعود بعض منها إلى حقب زمنية قديمة.

والجميل في الأمر أنها تتنوع من حيث المجالات واللغات، فهناك الكتاب الديني، والكتاب المتخصص في الدراسات، والموسوعات الطبية وعلم النفس، واللغات الحية الثلاث، أما النصيب الأكبر فمخصص للروايات بحكم المجال الذي يهتم به كثيراً.

محمد توفيق صور وجرائد قديمة

يبحر الكاتب محمد توفيق في نفوس أبطال كتبه، ليشكف للقارىء ما لا يعرفه عنهم، لذلك فهو يصادقهم، يرتبط بهم، يصبحون جزءاً من يومه، ومن ثم جزءاً من تفاصيل مكتبه. فبجوار مكتبته الضخمة؛ تجد صوره مع الشاعر عبد الرحمن الأنبودي. والكاتب الكبير أحمد رجب.

وكذلك صورة له مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، وصورة أخرى لأحمد رجب بالأبيض والأسود. فتوفيق يعشق الإئتناس بمن يحبهم لذلك قال:

أتمني أن يمتلئ ذلك الحائط بصور جميع من أحبهم في الفن والصحافة والثقافة، وهي الأمنية التي أسعى جاهدا لتحقيقها حالياً.

ولأنه اشتهر بالكتابة الوثائقية التي تحمل نكهة لا تجدها إلا في كتاب يحمل اسمه_ ككتابه الأخير "الملك والكتابة" الذي أرخ فيه لحقبة مهمة في حياة الصحافة وعلاقتها بالسلطة_ كان من الطبيعي أن تجد في مكتبته جرائد ومجلات كثيرة جداً من عام 1876 وحتى الآن، كما يمتلك نسخ أصلية من كتب قديمة تعود بتاريخها إلى عام 1889.

ولأنه قارىء نهم وباحث مجتهد يقتني أيضاً كتب إلكترونية، لكنه لا يلجأ إليها إلا في الكتب التي لا يجد لها أصل ورقياً. فتوفيق يقرأ كل شيء، لكنه يحب الشعر وعن هذا يقول:

"أكثر كتب أحب قراءتها هي كتب الشعر، فأنا قارىء نهم لها منذ صباي. وأول كتاب قرأته كان لمحمود درويش. كما أحب كتب السير الذاتية، والكتب التي كتبت عن الصحافة، وأغلب الكتب عندي قديمة.

التعليقات

المقال التالي