مغنية الأوبرا وأول قائدة جوقة في سوريا، غادة حرب… ما هي رسالتها إلى العالم

مغنية الأوبرا وأول قائدة جوقة في سوريا، غادة حرب… ما هي رسالتها إلى العالم

ترفع يديها إلى الأعلى. تنظر في وجوه جميع المغنين والعازفين، ناجحةً في توزيع نظراتها عليهم بالتساوي.

تبتسم ابتسامة خفيفة مشجعة، وتعطي إشارة البدء لتنطلق أصوات مغني الجوقة والآلات التي ترافقهم بكل انسجام، وتنجح في نقل من يستمع إليهم إلى عالم هادئ بعيد من ضجيج الحرب.

هي أكثر الصور التي تحفر في ذاكرة من حضروا يوماً حفلاً لجوقة "غاردينيا" السورية التي تقودها مغنية الأوبرا غادة حرب.

هذه السيدة ذات الأربعين سنة، والتي لفتت الأنظار إليها كأول قائدة جوقة أكاديمية في سوريا، حيث تقود جوقة غاردينيا النسائية وتدربها، وتعمل حالياً على تأسيس جوقة دار الأوبرا وقيادتها في دمشق.

ككثر من الموسيقيين السوريين، تدرجت حرب في رحلتها الفنية من عازفة على آلة الفلوت إلى مغنية أوبرا تخرجت في المعهد العالي للموسيقى بدمشق، ودمجت بعد ذلك ببراعة بين حبها للغناء الأوبرالي المنفرد والجماعي، وشغفها بقيادة الجوقات وهي مهنة مارستها كمتدربة ومساعدة لأكثر من عشر سنوات.

ومن ثم قائدة جوقة خاصة ساهمت في تأسيسها، من دون أن تتمكن قيود المجتمع السوري، أو ظروف الحرب الاستثنائية التي تعيشها البلاد من أن ثنيها عن تحقيق أحلامها، كما تحدثت في لقاء مطول مع رصيف22.

من عزف الفلوت إلى الغناء

تُرجع حرب بداياتها في مشوار الغناء بشكل احترافي إلى عام 2009.

على رغم تخرجها عام 1999 في المعهد العالي للموسيقى بدمشق باختصاص الغناء والعزف على الفلوت، إلا أن عائلتها المؤلفة من زوج وثلاثة أطفال كان لها النصيب الأكبر من اهتمامها بعد التخرج.

في عام 2009، قررت تطوير نفسها في مجال الغناء الأوبرالي الانفرادي، ودرست قواعد هذا الفن وأصوله لأربع سنوات متتالية على يد مغنية الأوبرا السورية آراكس شيكيجيان.

"أصبحتُ حينذاك أكثر جرأة، وغنيت لأول مرة بشكل منفرد "صولو" عام 2013 في مدينتي السويداء ودمشق، لتبدأ رحلتي في هذا المجال وتستمر حتى اليوم، حيث أحييت عشرات الحفلات في المدن السورية المختلفة، وغنيت لأهم مؤلفي الأوبرا في العالم"، تقول حرب.

أقوال جاهزة

شارك غردمن مدينتي السويداء ودمشق، غادة حرب مغنية الأوبرا وقائدة الجوقات تخاطب العالم

شارك غردعن مشروع توثيق التراث الشفوي المتنقل لأغاني الزفاف في مناطق سورية باللغات العربية والسريانية والكردية والشركسية والأرمنية

وأيضاً، قيادة الجوقات

قبل الغناء المنفرد، وككثر من طلاب المعهد العالي للموسيقى وخريجيه، شاركت حرب مع كورال "الحجرة" الذي تأسس في دمشق عام 2001 وقدم أعمالاً كورالية عالمية كثيرة بقيادة الخبير الروسي فكتور بابنكو وإشرافه، وهو من تُرجع إليه حرب فضل تعلّمها أصول قيادة الجوقات.

"ساعدتُ الخبير الأستاذ فكتور في تدريب الفتيات في كورال الحجرة، وتدربت معه على مفاتيح هذه المهنة: إحماء الصوت، كيفية العدّ مع الإيقاع، والطريقة التي نقوم من خلالها بالإشارة لكل صوت ببدء الغناء مع الأصوات الأخرى، وترافقت تلك المرحلة مع حوادث مفصلية أخرى، كتدريسي طلابَ الماجستير في المعهد العالي للموسيقى اختصاص قيادة الجوقات، واستعانة جوقات أخرى بي لتدريب أعضائها وتطوير مهاراتهم الغنائية".

هنا، ومع إحساسها بالشغف وأيضاً الأريحية أثناء تدريب فتيات كورال الحجرة، شرعت حرب تبحث عن أعمال مكتوبة خصوصاً لجوقات نسائية لتجد الكثير منها لمؤلفين مثل بيرغوليزي ومندلسون، وكانت فكرة تأسيس جوقة نسائية سورية تدور في ذهنها مع تساؤل دائم كانت تطرحه على نفسها "لماذا كل قائدي الجوقات في سوريا ذكور؟ بماذا نختلف عنهم وأنا أشعر بقدرتي على تنفيذ هذا العمل بالحرفية نفسها؟"

اختمرت الفكرة بشكلها النهائي عام 2015 ورأت النور في شهر شباط 2016 تحت اسم كورال "غاردينيا".

قدمت هذه الجوقة منذ تأسيسها برامج موسيقية تنوعت بين الكلاسيك والجاز والشرقي وأغاني مسلسلات الأطفال القديمة وبلغات عدة منها الإنكليزية والألمانية واللاتينية والإيطالية والكاتلانية.

وجالت في أنحاء سوريا وسافرت أيضاً إلى بيروت لعرض تجاربها الموسيقية المميزة، والتي أشرفت عليها بشكل مباشر، مع مديرة الجوقة الإدارية سفانا بقلة وهي المسؤولة أيضاً عن التوزيع الموسيقي لكثير من أعمال الجوقة.

شعور كبير بالمسؤولية تحدثت عنه حرب في كل ما يخص أعمال كورال غاردينيا، فهي المرة الأولى التي تحتاج فيها إلى الاعتناء بالتفاصيل كلها من البداية إلى النهاية، "هو جهد جماعي بالطبع، إلا أنني وكقائدة للجوقة أمثّل صورتها التي يجب أن تخرج على أكمل وجه".

تفاصيل تتضمن اختيار الأعمال الملائمة للجوقة، وتوزيعها على أصوات متعددة تصل إلى خمسة أصوات مختلفة، والإشراف على جميع التدريبات التي تتضمن تدريب فتيات الجوقة وعددهن حوالى العشرين، وأيضاً الفرقة الموسيقية التي تتألف من عازفين وعازفات عدة يتنوعون حسب الموسيقى المرافقة.

وتشعر حرب بشغف خاص بآخر أعمال هذه الجوقة، وهو برنامج "زفة العروس السورية" الذي هدف إلى توثيق أغاني الزفاف في المحافظات السورية المختلفة وباللغات العربية والسريانية والكردية والشركسية والأرمنية، وهو تراث لا يزال متناقلاً بشكل شفهي بمعظمه، ما أعطى هذا المشروع أهمية مضاعفة خلال فترة الحرب التي تعيشها سوريا وتهدد بضياع أجزاء كبيرة من تراثها.

شكل جديد للإبداع

خبرة الأعوام الطويلة هذه تترجم اليوم باختيار غادة حرب لتكون قائدة أول جوقة ستؤسس في دار الأوبرا السورية، وهو ما يتم التحضير له حالياً باختيار المتقدمين للانتساب ومن ثم البدء بتدريبهم أواخر الشهر الحالي.

تشعر حرب بالفخر والسعادة لاختيارها لهذه المهمة، فهي المرة الأولى التي ستقود سيدةٌ جوقة أكاديمية تضم رجالاً ونساءً في صفوفها، قد يصل عددهم حتى خمسين شخصاً. 

"أعتقد أن الأعمال التي قدمناها وأشرفت عليها بنجاح خلال العامين الماضيين في كورال غاردينيا كانت السبب وراء ترشيحي هذا من إدارة الدار.

شعرت بالرهبة والمسؤولية بداية، فهي مهمة صعبة من دون شك وتحتاج إلى الكثير من الوقت والتحضير، لكن ثقتي في نفسي وإمكاناتي الفنية وقدرتي على إيفاء العمل حقه دفعاني إلى القبول. أشعر بالحماسة للعمل مع هذا العدد الكبير من المغنين، وهي تجربة ستضيف لي الكثير من دون شك".

وتتابع حرب بخصوص تجاربها في القيادة، القديمة منها والجديدة: "لإدارة هذا العدد الكبير والمتنوع، أمزج بين الحزم والتساهل.

هناك، لحظات تتطلب إظهار درجة معينة من المحبة والسماح ببعض المزاح فنحن في النهاية فريق واحد يعمل للوصول إلى هدف محدد، لكن لا تهاون لدي في أوقات العمل الجدية، فنحن أيضاً جوقة أكاديمية ولسنا هواة، وعلينا تقديم أنفسنا بصورة احترافية".

مهمات تواجهها صعوبات كثيرة، أولاها كسر تابوهات المجتمع الذي نعيش فيه، والذي لا يزال ذكورياً إلى حد كبير. وفي هذا السياق، تعتبر حرب أنها مهّدت الطريق أمام نساء أخريات قد يرغبن يوماً في خوض تجربة مماثلة، وسيعلمن أن هناك سيدة سبقتهن، ما سيعطيهن جرأة مضاعفة.

كسب ثقة الموسيقيين، خصوصاً الذكور منهم هو أيضاً تحدٍ جابهته الفنانة بنجاح. "عملت مع أهم الموسيقيين في سوريا ولم تكن قيادة فرقة يعزفون فيها بالأمر السهل. ساعدني على ذلك انفتاحهم وتقبلهم بعد أن لمسوا احترافية ومهنية عملنا".

تتوقف حرب هنا لتؤكد دور عائلتها، وزوجها خصوصاً، لدعمها في ما وصلت إليه، "فوراء كل امرأة عظيمة رجل عظيم، وزوجي هو الداعم الأكبر لي، والذي لولا تعبه معي ومع أطفالي لما وصلت إلى هذا المكان اليوم".

أما الحرب التي تعيشها سوريا منذ سبع سنوات، فكان لها بكل تأكيد تأثيرها الكبير في عمل حرب، فكثيراً ما اضطرت لتأجيل التدريبات بسبب القذائف أو إغلاق الطرق بعد تفجيرات أو حوادث أخرى، وفي مرات عدة، كان عليها الاختيار بين إقامة حفل ما أو إلغائه خوفاً من تردي الأوضاع الأمنية.

"لم نقبل يوماً بأن نلغِ أي ظهور لنا على الخشبة مهما بلغت تعقيدات الوضع وخطورته. كثيراً ما كنا نتساءل: هل علينا التوقف عن تقديم الموسيقى بسبب الحرب؟ لكن الجواب الذي فرض نفسه علينا كان أن من يصنعون الحرب هم الملزمون بالتوقف.

صوتنا هو الانعكاس الطبيعي لنا ولحياتنا، لا صوت القذائف والصواريخ والرصاص".

بهذا، تمكنت حرب وجوقتها من الاستمرار في تقديم أعمالهما الموسيقية وهما يؤمنان بأن الموسيقى والحياة والجيل المقبل في سوريا يستحقون الحياة والعمل.

توقفت حرب للحظة لدى سؤالها عن مهنتها المفضلة: الغناء الأوبرالي أم قيادة الجوقة؟ وأجابت بعد ذلك بكل ثقة: "قيادة الجوقة".

"أستمتع كثيراً بالغناء وأشعر بأنني أحلق في السماء، لكنني أفضل العمل الجماعي، وأستطيع من خلاله إيصال أفكاري وفي الوقت نفسه إثبات قدرتي على التنسيق بين مجموعة كبيرة ومتنوعة ومهنية. هناك، حد فاصل بين دفع هذا العمل نحو النجاح أو إعادته إلى دائرة الفشل، وأبذل جهدي كي نستمر في التحليق".

وتضيف أنها ترغب في إيصال رسالتين إلى العالم بأسره.

الأولى تتعلق بالسوريين وحبهم للحياة وإيمانهم بالقدرة على العطاء.

والثانية وربما الأهم هي قوة شخصية المرأة السورية القادرة على أن تحمل مجتمعاً كاملاً على كتفيها وأن تبدع في جميع المجالات كالعلم والفن والثقافة وغيرها. "هي بحاجة فقط إلى أن تكسر عنها قيوداً وتُعطى فرصتها بالوجود والعمل والعطاء".

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات

المقال التالي