لماذا تحتضر الفصحى في مصر؟

لماذا تحتضر الفصحى في مصر؟
هل اضطررتم يوماً إلى أن تعودوا لدى قراءة إحدى الصحف لبداية الجملة لتفهموا ما قرأتموه من كلمات أربكتكم أخطاؤها النحوية والإملائية؟

في العالم العربي، وفي مصر على وجه الخصوص، أصبحت هذه الظاهرة أمراً مألوفاً إلى حد أن محاولة التنبيه والتصحيح أصبحت في نظر الكثيرين ترفاً لا معنى له.

قيل قديماً إن القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ، فماذا سيحدث لهذه السلسلة إن لم يعد الكاتب يمتلك ناصية اللغة وقواعدها فبات يوقِع قرّاءه في حيرة من أمرهم تصل إلى حد تخمين ما يقصده؟

مصر التي رفدت محيطها العربي منذ قرون بإنتاج أدبي وفكري ثري، أضحت اليوم تعاني من ضعف في ما يُكتب وينشر ويقال في المدارس أو الجامعات، وصولاً إلى قادة الرأي العام ممن يخاطبون الناس صباح مساء بلغة لا تخلو من ركاكة في التركيب، وعداء للنحو حتى في أبسط أساسياته.

من النادر أن تتصفح جريدة أو موقعاً مصرياً من دون أن تتعثر بأخطاء عديدة في النحو والإملاء. ونحن هنا لا نشير إلى حالات نحوية معقدة، بل إلى أساسيات اللغة التي من المفترض أن يعرفها طلاب الثانوية العامة. فمن خلط في حالات الإعراب كرفع المنصوب ونصب المرفوع، إلى لبس دائم في كتابة الألف المقصورة والياء مما يقلب المعنى تماماً، كأن يصبح اسم المفعول اسم فاعل فيتحول الضحية جانياً.

ومن الشائع في مصر مثلاً أن يتحول حرف الجر "على" إلى اسم علم "علي"، وتتحول "إلى" لتصبح "إلي".

أجاب مجمع اللغة العربية بالقاهرة عن أسئلة رصيف22 حول هذه الظاهرة في مصر بقوله "إن المجمع اتخذ قراراً بوضع نقطتين تحت الياء المتطرفة المسبوقة بكسرة، فيما يعرف عند العامة بالياء الشامية، وعدم وضع النقطتين فيما سوى ذلك، وغالب الخلط الإملائي مرده إلى ضعف المستوى اللغوي للشخص ذاته".

هذا الرد يشير إلى قرار المجمع اللغوي في دورته الرابعة المعقودة عام 1980. ولعل في هذا ما يوضح سبب هذا الخلط المستمر، في مصر فقط، بين الألف اللينة (المقصورة) والياء المتطرفة.

فهذا القرار الحديث نسبياً، وفي ظل عدم وجود آلية واضحة لنشره وتطبيقه في مناهج التعليم ووسائل الإعلام، جعل المصريين الذين اعتادوا رؤية الياء والألف المقصورة بالشكل نفسه منذ عقود، في كل ما يطبع وينشر في مصر، يرتبكون في التنقيط فيعودون تارةً إلى ما اعتادوه من حذف تام للنقاط، أو يضعونها تارةً أخرى حيث لا ينبغي أن توضع في ظل ضعف تعليمي وفوضى إعلامية وغياب لدور المجمع اللغوي في الرقابة والتوجيه.

وقد يحتج البعض بالرسم العثماني للقرآن، الذي لا ينقط الياء المتطرفة، والرد هنا أن الرسم القرآني حالة خاصة. فنحن مثلاً لا نكتب "الصلوة" في الوقت الحاضر بهذا الرسم القرآني، وهناك العديد من الأمثلة على هذا.

ومن نماذج الارتباك اللغوي، تسلل العامية إلى الكتابة، والأخطاء في كتابة الكلمات إملائياً مما يغيّر المعنى.

ففي المقال التالي الذي يحفل بعلامات الإعراب، مما يدل على أنه تم تصحيحه نحوياً، نقرأ ما يلي: "ما يلفت النظر هو هذه العمارة البازخة الآسرة التى تُزين أرجاء العاصمة. جامع السلطان قابوس الأكبر تحفة وبهجة للناظرين. أما المفاجئة الحقيقية فهى دار الأوبرا السلطانية".

في الجملتين السابقتين، خطآن، يتمثل الأول في كتابة "باذخة" باللفظ العامي "بازخة"، والثاني في كتابة "مفاجأة" بصيغة اسم الفاعل "مفاجئة"، مما يغيّر دور الكلمة في الجملة.
أقوال جاهزة

شارك غردقيل قديماً إن القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ، فماذا سيحدث لهذه السلسلة إن لم يعد الكاتب يمتلك ناصية اللغة وقواعدها

شارك غردالعامية المصرية في الشعور الجمعي هي النسخة الوطنية من اللغة العربية، في مقابل لغة الجزيرة العربية الوافدة إلى مصر...

هذه مجرد أمثلة على ما تحفل به وسائل الإعلام من أخطاء دفعت مجمع اللغة العربية إلى تقديم مشروع قانون لحماية اللغة العربية في المواقع الإعلامية المطبوعة والمقروءة على الانترنت في أكتوبر 2017.

ومن المؤشرات الدالة على عمق الأزمة، أنها وصلت إلى الصرح القضائي في مصر. فاللغة هي العماد الأساسي في عمل القطاع القانوني بكل مفاصله. لأن القانون يتطلب الدقة المتناهية في التعبير ولا يحتمل الخطأ في اللغة. وظهور بعض كبار القضاة بهذا المستوى المتواضع من التمكن من أداة عملهم الرئيسة، يوضح أن المشكلة لها تاريخ أطول مما نعتقد.

ترجع الأستاذة ليلى الصاوي، المحاضِرة في اللغة العربية في الجامعة الأمريكية في القاهرة في معرض إجابتها عن أسئلة رصيف22 أسباب هذا التدهور في مستوى اللغة العربية في مصر (وفي دول عربية أخرى) إلى العوامل التالية:

  • النظرة الدونية للغة العربية كلغة متخلفة، وفي المقابل النظرة المادحة للغات الأجنبية، خاصة الإنجليزية تليها الفرنسية كلغة رقي وحضارة وتقدم.
  • تدهور مستوى معلمي اللغة العربية في المدارس، حتى من بين خريجي أقسام اللغة العربية، وذلك من حيث اللغة نفسها أو طرائق التدريس.
  • الأسلوب المتخلف لتدريس اللغة العربية في المدارس.
  • الصورة النمطية التي تظهر في الأفلام والمسلسلات لمدرس اللغة العربية أو أي متحدث بها، وهي صورة متخلفة.

أما الأساتذة والكتّب الذين حاورهم رصيف22، فيعللون هذا الانسلاخ عن الفصحى بأن العامية المصرية في الشعور الجمعي هي النسخة الوطنية من اللغة العربية، في مقابل لغة الجزيرة العربية الوافدة إلى مصر.

يتفق الأديب والصحفي وجدي الكومي مع الرأي القائل إن بدء هذه النظرة تجاه الفصحى كان في فترة حكم الرئيس السادات، التي شهدت تباعداً عن العالم العربي بسبب مبادرة السلام.

ويرى أن وجهة النظر هذه واقعية وتفسر، إضافة لضعف التعليم، تردي مستوى الفصحى في مصر.

ويتحدث البعض أيضاً عن "القومية التسلطية" التي أدت إلى احتضان العامية على حساب الفصحى في جميع المجالات، وأهمها الإعلام والتدريس والفنون.

إن النظرة الاجتماعية الدونية للغة العربية قد تكون مرتبطة بالإحساس العام بالدونية كهوية أمام الآخرين. فحين تشعر أمة ما أن لغتها هي ميراث تخلف لا يعبر سوى عن ماض ميت لا ذكر له إلا في كتب التاريخ، يصبح من الطبيعي أن يكون الموقف منها متراخياً.

في مقال مهم نشرته اللوموند تحت عنوان "في مصر، اللغة العربية تتهاوى"، يلخص وائل فتحي، وهو طبيب مصري شاب، نظرة هذا الجيل للغة العربية بقوله: "أنا أتساءل ما الذي يجب أن نفخر به؟ أفهم أن الفرنسيين أو الإيطاليين فخورون بلغتهم إذ يمكنهم التباهي بثقافتهم، ونمط الحياة، والانفتاح، ولكن بالنظر إلى ما حولنا سنجد: الفقر والتعصب والعنف. لا شيء من هذا يجعلني فخوراً".

ويمكننا أن نلاحظ المفارقة الدالة في هذا المقال الذي يتحدث عن تهاوي اللغة ولا يسلم في الوقت نفسه من أخطاء في النحو.

لعل ما أسهم أيضاً في هذه النظرة المحدودة إلى اللغة العربية، هو هذا الربط الزائد عن الحد بين اللغة والتدين، إذ جعل للغة وظيفة محددة في الحياة لا تتجاوز الشعائر الدينية

ولكن القول إن هيمنة الإنجليزية على المحتوى العلمي والثقافي في العالم وعلى فضاء الانترنت، هي السبب الرئيس، يحتاج إلى إعادة نظر في دقته. فهذا السبب واقعي، ولكن اعتباره السبب الرئيس يصطدم بحقيقة أن هنالك أمماً عدة لا تزال تحرص على لغتها الأم بل وتفخر بها.

فالتركي والإيراني، جارا العرب، لا يزال كل منهما يفخر بلغته ولا يرى في تعلم الإنجليزية مدعاة للإحساس بالفخر ونبذ اللغة الأم، كما هو الحال في منطق وائل فتحي وجيله.

إن الابتعاد عن العربية الفصحى في بلد عربي، كمصر، هو إعلان واضح عن هزيمة حضارية وفكرية، وإن لم نعترف بها.

أما بالنسبة لواقع التعليم في مصر، فلندع الأرقام تتحدث عنه: فمن بين 137 دولة حلت مصر في المرتبة 129، وهي المرتبة الأقل بين الدول العربية، كما حلت في المرتبة الأخيرة من حيث جودة التعليم إذ حصلت على 2.9 من 7.

من الثابت أن اللغة المحكية تتطور تطوراً أسرع من اللغة المكتوبة، كما يقول د. أحمد فرهادي، رئيس برنامج اللغة العربية في جامعة نيويورك لرصيف22. ويضيف أن الفصحى، رغم احتفاظها بأوزانها العشرة منذ قرون، تتطور أيضاً، ويكفي أن نقارن الكتابات في بداية القرن العشرين بما نقرأه الآن لنرى اختلاف المفردات والأسلوب.

وفي هذا رد على القول إن الفصحى جامدة وعصية على التطور.

ولعل ما أسهم أيضاً في هذه النظرة المحدودة إلى اللغة العربية، هو هذا الربط الزائد عن الحد بين اللغة والتدين، إذ جعل للغة وظيفة محددة في الحياة لا تتجاوز الشعائر الدينية في أوقات معينة.

كما تربط الفصحى بالحركات الإسلامية التي تستعمل القرآن والحديث وما فيهما من رقي لغوي في دعوة سياسية إشكالية.

إن أي حل لهذه المشكلة لا بد أن يعالج الأسباب التي ذكرناها آنفاً من تراجع في التعليم وجمود في المناهج ينفر أبناء اللغة منها. فاللغة الفصحى هي لغة مكتسبة وليست لغة أصلية بالنسبة لكل العرب الذين ينشأون منذ طفولتهم على العامية. ومن المهم أن نعترف بدور العامية في حياتنا اليومية، ولكن هذا لا يستدعي تضاداً مع الفصحى. فلكل من العامية والفصحى دور لا يلغيه الآخر.

إن العامية، مهما تنوعت، تلبث قاصرة عن أن تصبح وعاء ثقافياً يمكن أن يقف نداً للفصحى بكل ثرائها واتساعها. وإن أمة بلا لغة هي أمة بلا هوية، ولعل في هذا ما يفصح عن المأزق الحضاري الذي نعيشه.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي