"المشروع المصري": إنشاد صوفي وفولكلور صعيدي على إيقاع الهيب هوب والإلكترو

"المشروع المصري": إنشاد صوفي وفولكلور صعيدي على إيقاع الهيب هوب والإلكترو

"متى يا كرام الحي عيني تراكم وأسمع من تلك الديار نداكم...سقاني الغرام كأساً من الحب صافياً يا ليته لما سقاني سقاكم".

لم يتخيل الشاعر الأندلسي المتصوف شعيب بن الحسن التلمساني، الملقب بأبي مدين الغوث، أن كلمات قصيدته التي تعود للقرن الخامس الهجري، تُبَث فيها الحياة من جديد في هذه الأيام، على أيدي أعضاء فرقة المشروع المصري أو Egyptian Project، بل تُصبح مصدر لسعادة الآلاف من عشاق الموسيقى على مسارح القاهرة وصولاً إلى كل أنحاء العالم.

"سقاني الغرام" وأغنيات أخرى كثيرة نقب عنها أعضاء الفريق المصري الفرنسي في التراث الصوفي والفولكلور الصعيدي والشعبي، فكانت مصدر إلهام المشروع الوليد، وقُوبلت بنجاح جماهيري جعلت جميع حفلات الفريق ترفع دوماً لافتة "كامل العدد".

"المشروع المصري"تجربة مختلفة في المشهد الموسيقي المستقل بعد ثورة 25 يناير. كلمات مصرية وتراثية خالصة تتلبسها روح حداثية مصحوبة بنبضات الموسيقى الإلكترونية، فتجعلكم عند سماعها في حالة فريدة من نوعها، يَغيب فيها الخط الفاصل بين شعوركم كنساك في حضرة صوفية بمولد السيدة زينب أو الحسين، وتوحدكم بموسيقى تهز أرجاء قاعة مفعمة بالأضواء.

الفرنسي وغرام "الأرغول"

"بدأ شغفي بالموسيقى المصرية التقليدية عندما وقعت في غرام آلة الأرغول، أثناء استماعي لعازفها الفنان مصطفى عبد العزيز في إحدى الحفلات الموسيقية في باريس، وهو ما دفعني للسفر إلى القاهرة لتعلمها". يقول الموسيقار الفرنسي جيروم إيتنجر مؤسس فرقة "المشروع المصري".

جيروم إيتنجر

يُذكر أن آلة الأرغول هي آلة فرعونية قديمة، تشبه كثيرًا آلة الناي، لكنها أقل شهرة واستخداماً منها، وقد ارتبطت هذه الآلة بالأغنيات التراثية الشعبية المصرية.

أقوال جاهزة

شارك غردلم يكن من السهل مزج الموسيقى الإلكترونية والمصرية. لاعب الربابة متولي سلامة لم يلعب بهذه الطريقة الحديثة. أخبرته أن لديه ثمانية إجراءات فقط للعب على الآلة لتتماشى مع إيقاعات الموسيقى الالكترونية.

شارك غردمشروعنا استطاع أن يعيد فرض الغناء الصوفي على الساحة الفنية، ليس في مصر فقط ولكن في العالم كله، بفضل ما يقدمه من موسيقى مختلفة تواكب التطور الفني العالمي

وفي الوقت الذي قطع فيه "إيتنجر" الآف الأميال من باريس إلى القاهرة ليتعلم الأرغول، كان مصطفى عبد العزيز يشارك 45 عازفاً في تسجيل موسيقى أوركسترا "موتسارت المصري" عام 2007، وكانت المصادفة أن من بينهم عازف الإيقاع والدف رجب صادق ومتولي سلامة عازف الربابة والكمان القادمين من فرقة النيل للآلات الشعبية - فرقة مصرية تابعة لوزارة الثقافة المصرية تأسست عام 1957- واللذين يتلقفان حلم "إيتنجر"، وبعد سنوات قليلة أسسا معاً " فرقة المشروع المصري".

رجب صادق
متولى سلامة

يُضيف إيتنجر المعروف في بلاده بمجدد الموسيقى الإلكترونية "منذ هذه اللحظة أصبح حلمي أكثر وضوحاً وإيماناً برغبتي في الاهتمام بالموسيقى الشعبية واستكشاف وحفظ ونشر موسيقى بلاد شمال أفريقيا التي وقعت في غرامها ومزجها مع الموسيقى الإلكترونية. وخلال هذه الفترة أسست Zmiya، وهي فرقة موسيقية الكترونية عالمية تستكشف أحيانًا الألحان والإيقاعات وكلمات الأغاني المصرية".

تدشين الفرقة

"2010 كانت نقطة الانطلاق للمشروع المصري. وبعد سنوات من العمل بين القاهرة وفرنسا، أمضيتها مع العازفين رجب صادق ومتولي سلامة، كنت بحاجة إلى وقت للانغماس في الثقافة والحياة المصريتين، وقابلت فنانين وعازفين مختلفين لاكتشافهم واكتشاف موسيقاهم الخاصة.

ونجحنا في أن ينضم إلى الفرقة الصوت الغجري الأصيل المنشد وعازف الكولة سيد إمام، مع عازف العود إيهاب رضوان، ومهندس الصوت مايكل وليام والفرنسي توني، عازف درامز"، يقول ايتنجر.

ويوضح "في البداية، لم يكن من السهل مزج الموسيقى الإلكترونية والمصرية. لاعب الربابة متولي سلامة لم يلعب بهذه الطريقة الحديثة. أخبرته أن لديه ثمانية إجراءات فقط للعب على الآلة لتتماشى مع إيقاعات الموسيقى الالكترونية، واستغرق الأمر بعض الوقت لتعليمه العمل في هذا البناء الموسيقى الجديد".

لماذا الإسم "Egyptian Project"؟

يُفسر رجب صادق، عازف الإيقاع بفرقة "المشروع المصري": "لأن مضمونه مصري خالص، يعتمد على الأغنيات التراثية الشعبية المصرية، وإعادة صياغة الموسيقى الفولكلورية ممزوجة بموسيقى غربية حديثة، وتُعد أول فرقة مصرية تحقق هذا المزج وتستخدم الموسيقى الألكترونية مع الموسيقى الشرقية. مشروعنا ليس هدفه الانسلاخ عن الماضي بقدر الوصول إلى مناطق موسيقية جديدة غير مُكتشفة من أجل الحفاظ على الموسيقى المصرية الأصيلة وعدم تشويهها".

"رغم نجاح الفريق في جولاته العالمية فإن أعضاءه يحتفظون بكامل هويتهم المصرية الأصيلة، ويحرصون على ارتداء "الجلباب" كزي تراثي يعكس هويتهم العربية وطابع الموسيقى التي يقدمونها"، يقول رجب صادق.

ويضيف: "الفريق قدم التراث المصري في جميع الحفلات في باريس، وواشنطن، وبلجيكا، وإيطاليا، وأسبانيا" وغيرها من البلدان الأوروبية والعربية. وشارك في مهرجان (باليو) بسويسرا، ومهرجان BBC لموسيقى الشعوب بإنجلترا.

يستهجن رجب صادق إهمال الدولة للموسيقى الشعبية والآلات التراثية، بالمقارنة بالنجاح الجماهيري الكبير الذي تحظى به فرقة المشروع المصري في أوروبا، مشيراً إلى أن الغناء الشعبي والفولكلوري ليس على أجندة وزارة الثقافة المصرية، وغياب الخبرة في إدارتها أهدر التراث المصري واختزله في رقصة "التنورة" لتكون واجهة مصر في الخارج رغم عدم صلتها بالفن الشعبي.

سيد إمام حنجرة أوركسترالية خُلقت للمشروع المصري

سيد إمام

كانت الخلطة الموسيقية المميزة التي يقدمها "المشروع المصري" بحاجة قوية إلى صوت متفرد يترجم هذه التجربة الفنية، وكان تميمة الحظ لهذا المشروع، ذلك الصوت المتمرس والمخضرم "سيد إمام"، صاحب التاريخ الطويل والمتنوع بين التأليف والعزف على الكولة، والإنشاد الديني، والمواويل والأغاني الشعبية، والتلاوات الشعرية (مثل أغاني أبو العزايم وابن الفريد وابن عربي).

يقول المطرب سيد إمام "تحمست جداً لفكرة الباند، لأن المشروع أكبر من أنه فرقة موسيقية بل رسالة سلام للعالم تتخطى الحدود والاختلاف السياسي والعقائدي. مشروعنا استطاع أن يعيد فرض الغناء الصوفي على الساحة الفنية، ليس في مصر فقط ولكن في العالم كله، بفضل ما يقدمه من موسيقى مختلفة تواكب التطور الفني العالمي".

ويضيف:"فخور بتقديم الأغنيات التراثية المصرية وبتوزيع موسيقى مختلف يعتمد على الآلات المصرية الأصيلة مثل "الربابة والكمنجة والأرغول والكولة والدف والصاجات" ممزوجة بالإيقاع الغربي، فتعطي مزيجًا من الأصالة والعصرية، وهذا ما يَمنح الفريق طابعاً مميزاً وفريداً في الوقت نفسه".

"يا قمر": الإنشاد الصوفي بنكهة إيقاعات الهيب هوب

"بعد نجاح الفرقة داخل وخارج مصر كانت الخطوة التالية إصدار أول ألبوماتها بعنوان ( يا قمر) عام 2013، وهو من 10 أغنيات تنوعت بين كلمات تراثية وفولكلورية وحديثة من تأليفي مثل «منين أجيبك»، «نسمة‏»،‏ «يا صاحبي»، «يا قمر‏»،‏ «بعتلو روحي‏»، «أنت أنا»، "سقاني الغرام" و «حبيبي»"، يقول المنشد وعازف الكولة سيد إمام .

ويُكمل:" كتابة الأغاني تخضع لجلسات عمل طويلة مع "إيتنجر"، تعقبها مرحلة التلحين، ثم تُضاف نغمات «تريب هوب» ليخرج مزيج موسيقي مبتكر يجمع بين نغمات دلتا النيل والصعيد، وأجواء الـ «تريب هوب» والإلكترو والـ «هيب هوب» والموسيقى الكلاسيكية أيضاً، إذ يمكن للجمهور سماع عزف أوركسترا كاملة في خلفية الغناء تضم الوتريات وآلات النفخ النحاسية والدرامز".

"برغم صعوبة هذا المزج، أعدنا صوغ الموسيقى الفولكلورية وتسليط الضوء عليها وتحويلها إلى إيقاعات البوب. هذه الإضافات تجعل الموسيقى أكثر حداثة وأكثر تقبلاً"، يقول إمام.

ويُتابع "تحمل الأغنيات الصوفية دائماً رسالة، فهي تتحدث عن الصداقة أحياناً أو عن الأم مثلاً أو الحبيب والخيانة... فهي ليست مجرد كلمات ولحن موسيقي فقط".

ويُقاطعه جيروم ايتنجر:"الصبر يعلم الفضيلة، واجهت تحدي الوصول لهارموني يحترم صوتا تقليدياً مثل (سيد إمام ) فلا أجبره على التلاؤم بين السياق الإلكتروني الخاص بتوزيع الأغاني، وبين ضرورة أن تظل الأساسيات كما هي، وإعطاء إمام والعازفين فرصة للارتجال، لذا كان انتاج الألبوم عملاً شاقاً، ولكننا نجحنا، ولم نتوقع ردود الفعل الجماهيرية المتدفقة تجاهنا في الحفلات".

ولفت إلى أن العوالم المدمجة للموسيقى الرقمية والأداء الكلاسيكي تلمع جداً في أغنية (يا قمر) التي كبتها سيد إمام، وهي تناقش كيف أن جميع الثقافات المتنوعة في العالم ترى جميعها قمرًا ليلاً – وهو كان بمثابة تكريم جميل لدولة بحجم مصر تمر بمرحلة سياسية انتقالية .

"تم اصدار وتوزيع الألبوم بواسطة شركة التسجيلات الأمريكية  Six Degrees Records، وحققنا مبيعات تتجاوز 100 ألف نسخة في أوروبا وأمريكا"، يقول ايتنجر.

وتستعد فرقة "المشروع المصري" لإحياء عدة حفلات في لندن وفرنسا وبلجيكا في يوليو المقبل، بالإضافة إلى التحضير للألبوم الثاني.

التعليقات

المقال التالي