لماذا اختارت أفلام عربية أن تقتبس حبكتها وشخصياتها من أفلام عربية سبقتها؟

لماذا اختارت أفلام عربية أن تقتبس حبكتها وشخصياتها من أفلام عربية سبقتها؟

دشنت السينما العربية أول أعمالها بالاقتباس من رواية "زينب" تأليف محمد حسين هيكل باشا، في فيلم عُرض في عام 1930 أصبح بعده الاقتباس من الروايات العالمية والمحلية من أهم روافد صناعة الأفلام حتي باتت تيمة متعارف عليها.

ثم إن هناك نوع آخر من الاقتباس الذي يعتمد على تمصير الأفلام الأجنبية، والنماذج حول تلك النوعية لا يمكن حصرها. ولكن الغريب فعلاً أن يقتبس فيلم عربي من فيلم عربي سبقه. ما هي أهم أمثلة هذا النسق، وكيف نفهمها ونقيمها؟

شرير السينما الذي تحول إلى صاحب الجلالة

لا يمكن الحديث عن تلك الإشكالية دون التوقف عند فريد شوقي الذي بدأ مشواره الفني عام 1946، في فيلم "ملاك الرحمة"، بطولة وإخراج يوسف وهبي وشاركته في البطولة الفنانة أمينة رزق.

ظل فريد محتفظاً بأدوار الشر حتى أدرك أن هذه الأدوار ستحصره طوال العمر في أدوار ثانوية، ربما لذلك اتجه في مطلع الخمسينيات لتقديم بطولات لأفلام ينتصر فيها للخير ويدافع بها عن المهمشين والفقراء.

من أبرز تلك الأفلام: جعلوني مجرماً، والفتوة، ورصيف نمرة 5. لاقت تلك الأفلام نجاحاً عظيماً، وحققت لشوقي قاعدة شعبية عريضة فمنح على أثرها لقب "وحش الشاشة" و"ملك الترسو".

غير أنّ فريد لم يكتف بما حققه من نجاح، ولم يرضَ بما حصده من ألقاب فراح ينبش في تراث السينما حتى خرج عام 1963 بفيلم "صاحب السعادة" من إخراج فطين عبد الوهاب وبطولة سميرة أحمد وفؤاد المهندس إلى جانب فريد شوقي.

أقوال جاهزة

شارك غرددشنت السينما العربية أول أعمالها بالاقتباس من رواية "زينب"، عام 1930 أصبح بعدها الاقتباس من الروايات العالمية والمحلية من أهم روافد صناعة الأفلام

شارك غردهنا نماذج لأفلام مصرية اقتبست حبكة وشخصيات أفلام مصرية سبقتها، حتى أنّ بعضها اختار نفس المخرج ونفس الممثل الرئيسي

قصة الفيلم مقتبسة من الرواية العالمية "سجين زندا" للكاتب البريطاني أنتوني هوب، التي تحولت إلى فيلم عربي بعد معالجتها من قبل نجيب الريحاني وتقديمها في عام 1937 تحت عنوان "سلامة في خير" من إخراج نيازي مصطفي.

قدم السيد بدير - مؤلف فيلم "صاحب الجلالة" - معالجة أقرب إلى النص الروائي الأصلي وإن كان أكثر خفة، فالقصة تدور حول حسن الذي يعمل حمالاً في فندق ضخم فتقوده الصدفة للتعرف على سلطان بورينجا الذي بدوره يكتشف أن هناك مؤامرة لاغتياله فيقترح السلطان على حسن أن يقوم بدوره مستغلاً التشابه بينهما إلى حد التطابق.

بعدها بعام، وتحديداً في 1963 قدم فريد فيلم "أمير الدهاء" اخراج هنري بركات، بينما جاءت البطولة النسائية لنعيمة عاكف وشويكار.

قصة الفيلم مقتبسة أيضاً من الرواية العالمية "الكونت دي مونت كريستو" للكاتب ألكسندر دوما.

الفيلم سبق وقدمه أنور وجدي عام 1951 في فيلمه "أمير الدهاء"، وهو أيضاً من اخراج هنري بركات، وبطولة سامية جمال ومديحة ويسري، وكذلك فريد الذي لعب دور "جعفر البحار"

في هذا النموذج نرى الاقتباس في أوضح صوره، فالقصة التي قدمت في 1951 لم تختلف كثيراً عما قدمه فريد في 1963 وكذلك التصوير وحركة الشخوص والحوار، ربما يعود ذلك لكون المخرج مشتركاً في العملين، والقصة أيضاً.

والسؤال هنا: لماذا أقدم فريد على إعادة فيلم كان قد شارك في بطولته من قبل؟

قلب الأسد ينفطر وعقل زيزو ينتصر

الطموح نفسه راود عبد السلام النابلسي بعد أن قدم للسينما عشرات الأفلام الكوميدية التي لعب فيها أدوار ثانوية أو تلك التي أصبح فيها سنيداً للبطل حتي ذاع صيته في أرجاء الوطن العربي.

في عام 1960 قرر النابلسي أن يغوض تجربة البطولة المطلقة من خلال فيلم "حلاق السيدات" الذي كتب قصته بنفسه وكلف أبو السعود الإبياري بكتابة السيناريو والحوار، وعقد العزم على إنتاجه.

فيلم حلاق السيدات:

حين عرف إسماعيل ياسين بنية صديقه عرض عليه أن يشاركه في العمل كمساعد أو سنيد.

غير أن مساعدة إسماعيل لرفيقه لم تأتِ في مصلحة العمل الذي أحبط جمهور سُمعة الذي ظن أن الفيلم من بطولاته، بالإضافة إلى الإطار الحزين الذي دارت حوله قصة الفيلم.

فشل الفيلم، مما دفع النابلسي للإكتئاب، بعدها بعام كتب رشدي أباظة قصة فيلم "عاشور قلب الأسد" للنابلسي طالباً منه أن يقوم بدور البطولة، وأنه - رشدي أباظة - سيتولى إنتاجه أيضاً، بالإضافة لاشتراكه في التمثيل.

تدور قصة الفيلم حول عاشور الشاب الضعيف الذي يدرس في معهد التربية البدنية، يسقط في حب زميلته آمال/ زهرة العلا، يعانى عاشور من الحب ومن الضعف حتى يتعرف على عالم أخرس يحقنه بمادة مجهولة فتبث فيه قوة خارقة.

الفيلم من إخراج حسين فوزي، والسيناريو والحوار لأحمد كامل حفناوي، بينما البطولة لعبد السلام النابلسي، ورشدي أباظة، وتحية كاريوكا، ونجوى فؤاد، وعدد كبير من نجوم ذلك  العصر، ورغم ذلك فشل الفيلم أيضاً.

في عام 1977 قدم المخرج نيازي مصطفي فيلم "أونكل زيزو حبيبي" والفيلم معالجة مستوحاة من فيلم "عاشور قلب الأسد" مع تغييرات طفيفة غير أنها كانت مؤثرة جداً، سواء طريقة الإخراج الكارتونية في كثير من المشاهد ثم إضافة شخصية الطفل سمير/ ياسر صلاح المحور الرئيسي للقصة الذي أصيب بصدمة نفسية حادة بسبب ضعف خاله زيزو الذي سحقه المعلم عكوة/ سعيد رضوان.

يلجأ زيزو إلى الرياضة فيتعرف على وفاء/ بوسي المعادل لشخصية آمال، عن طريق حقنة أيضاً يتحول زيزو إلى شخص في غاية القوة غير أنه يكتشف في النهاية أن القوة تكمن في العقل.

أونكل زيزو حبيبي:

في صحة خمسة باب

في مطلع الثمانينيات شهد جمهور السينما العربية مفاجأة لم تكن متوقعة أبداً، فالصراع بين نجمة الجماهير نادية الجندي والزعيم عادل إمام في عزها. غير إنهما تعاونا معاً في عام 1983 ليقدمان فيلم "خمسة باب".

يتخذ الفيلم من حي للبغاء قديماً مسرحاً له حيث ترسل الحكومة واحداً من رجالها الشرفاء منصور/ عادل إمام ليعيد للحى أمنه.

غير أن ترجى/ نادية الجندي تدبر له مكيدة فيُفصل من عمله بالشرطة ويتحول إلى قواد لترجى الأمر الذي يعذبه كثيراً. الفيلم من إخراج نادر جلال ومن تأليف شريف المنباوي. كما شارك في البطولة فؤاد المهندس وسيد زيان.

في العام التالي 1984 كتب السيناريست إبراهيم الموجى معالجة لقصة فيلم "خمسة باب" مع بعض التغييرات التي ظن أنها ستأخذ الفيلم بعيداً عن الفيلم الأصلي غير أنه فشل في ذلك فجاء فيلمه "شوارع من نار" والذي قام ببطولته نور الشريف، مديحة كامل، ليلي علوى، ومن اخراج سمير سيف.

ارتكزت أحداث فيلم "شوارع من نار" على قصة خمسة باب فإمام/ نور الشريف الشرطي يزج به في حى للبغاء ثم يسقط في حب نفيسة/ مديحة كامل فيفقد وظفته غير أنه لا يندم مثلما حدث منصور، بل يجدها فرصة لتكديس الأموال دون النظر إلى مصدرها.

ثم جاء الثلث الأخير من الفيلم ليكشف عن قصة مترهلة بلا هدف واضح فإذ فجأة تتحول مجرى الأحداث نحو النضال ومقاومة المحتل.

أفول السندريلا وصعود نجمة الجماهير

بعد غياب طويل عاد الثنائي سعاد حسني وأحمد زكي إلى الشاشة الكبيرة مرة أخرى في عام 1991 من خلال فيلم "الراعي والنساء" المقتبس من المسرحية الإيطالية جزيرة الماعز من تأليف أوجو بيتي، الفيلم من إخراج وسيناريو وحوار على بدر خان وقد شاركت في البطولة أيضاً الفنانة يسرا.

تحكى قصة الفيلم عن حسن الذي يخرج من السجن فيلجأ إلى جزيرة تعيش فيها وفاء - زوجة رفيقه الراحل بالزنزانة - بعيداً عن أعين الناس برفقة ابنتها وأخت زوجها، رجل وثلاث نساء تدور بينهم الأحداث والصراعات والتي تنتهي بمقتل حسن.

رغم أن جمهور السندريلا كان مشتاقاً لنجمته المحبوبة إلا أن المرض الذي بدا واضحاً على سعاد، وفقدها لحس الدعابة والمرح وخلو الفيلم من أي أغاني أحبط الجمهور، مما أصابها بخيبة الأمل وكان ذلك فيلمها الأخير.

بعد عام فقط جاء فيلم "رغبة متوحشة" بطولة نادية الجندي ومحمود حميدة وسهير المرشدي بينما الإخراج والكتابة لخيري بشارة.

هنا رأي سهير المرشدي في التشابه بين الفلمين:

التغيير الفعلي بين الفيلمين يكمن في دور الزوجة، وفاء المنكسرة والمجبورة على النفي في فيلم "الراعي والنساء"، تختلف عن ناهد/نادية الجندي القوية التي اتخذت قرارها بالعزلة والتي تقتل سيد غزال/محمود حميدة.

مكي ورمضان وبداية فنية مستنسخة

فيلم "ابن عز" آخر أفلام الراحل علاء ولى الدين، ومن تأليف أحمد عبد الله. وبطولة: حسن حسني، انعام سالوسة، أحمد مكي، دينا ومن اخراج شريف عرفة.

حكاية الفيلم عن عز الشاب الغني المستهتر والذي فقد كامل ثروته عقب سجن والده الأمر الذي أجبره على معاشرة أسرة بائسة للغاية فيجد لديهم المحبة والعون.

بعدها اتجه عرفة إلى الإخراج التلفزيوني فقدم لنا مسلسل "تامر وشوقية" وفيه ظهرت شخصية "أتش دبور".

لهذه الشخصية حكاية يرويها الممثل لطفي لبيب الذي شارك في العمل، وكان الدور في الأساس مكتوب لممثل آخر بينما كان وجود مكي كأحد مساعدين المخرج، فأحس لبيب أن الممثل ثقيل الظل، فعرض على المخرج شريف عرفة أن يختبر مكي، وكان مكي يضع "باروكة" - شعر مستعار - على رأسه من باب الهزار فأعجب عرفة بالكركتر، وعلى الفور لعب مكي دور أتش دبور بالمسلسل بشعره المستعار. 

في العام التالي 2007 لعب هذه الشخصية بفيلم مورجان أحمد مورجان أمام عادل إمام.

بعدها بعام آخر استثمر مكي نجاح شخصيته فقرر أن يقدمها في بطولة مطلقة تحمل نفس الاسم "أتش دبور"، الفيلم من إخراج أحمد الجندي، وتأليف السيناريست والممثل أحمد فهمي، وقد شاركه في البطولة لطفي لبيب، حسن حسني، إنجي وجدان.

قصة الفيلم هي نفسها قصة فيلم "ابن عز" فأتش دبور الشاب المستهتر والذي عانى من الضنك بعد القبض على والده فلم يجد ملجأ له غير السائق وأسرته.

لم يكن فيلم مكي الآخير من حيث الاقتباس، محمد رمضان أيضاً بدأ بطولته بالسينما من خلال فيلم "قلب الأسد"، الذي عُرض في 2013 من إخراج كريم السبكي وتأليف حسام موسي، والبطولة لـ حورية فرغلي، عايدة رياض، سيد رجب.

قصة الفيلم ستذكرك بالفور بفيلم "المولد" لعادل إمام وإيمان، حيث أنّ فارس/محمد رمضان اختطف طفلاً ثم صار سارقاً، في أحدي سرقاته يسقطه الحظ مع عصابة فتكتشف مواهبه وتقرر أن تضمه للعمل معها، هو نفسه ما حدث مع هيما/عادل إمام في فيلم المولد.

قد لا نكون جهة قضائية حتي يمكننا البت في هذا الموضوع بشكل قانوني، وربما ذلك لا يهم المشاهد العربي.

غير أنه ما يهمّ بالفعل، وما يهم المشاهد العربي كذلك، الجودة الفنية للفيلم وقدرته على إثارتنا، وهو ما يدفعنا للانفتاح على فكرة الاقتباس، وعلى فكرة إعادة الصياغة في أشكال فنية جديدة.

فالمادة نفسها، والشخصيات والحبكة ليست وحدها ما يخلق العمل الفني، بل أولاً وبشكل أساسي المقاربة وتفاعلها مع بعضها البعض.

عمرو عاشور

روائي وصحافي مصري، له أربع روايات، صدر آخرها حديثاً عن دار العين تحت عنوان "قانون البقاء"، كما سيصدر له قريباً عمل بعنوان "الحلاق والشيخ" وهو مقرواية أي رواية في قالب مقال، فيه دعوة لإعادة النظر في الفقه الإسلامي. عاشور حصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة ساويرس للرواية.

التعليقات

المقال التالي