"صانع الأساطير" تركنا، قبل أنْ تتحول مصر إلى "يوتوبيا" وقبل أن يهجر العرب بلادهم إلى "شآبيب"

"صانع الأساطير" تركنا، قبل أنْ تتحول مصر إلى "يوتوبيا" وقبل أن يهجر العرب بلادهم إلى "شآبيب"

لم يكن غريباً أن يحتشد كل هؤلاء الأغراب في عزائه..

أغلبية كاسحة من بني وطنه وأبناء قلمه الذين ملأوا المقاعد يبكون ذكراه، ووسطهم تاهت وجوه أجنبية، لو علم الحاضرون بوجودها لعانقوها في حميمة "أعضاء نادي محبّي العرّاب".

كاهن "نافاري" كتوم لا يبدو للمتابع أكثر من رجل أعمال آسيوي أنيق يُستحسن عدم استثارته وإلا لحطّم كل شيء فوقنا.

وأمريكي وسيم أشقر عريض الصدر في أواخر الخمسينيات، رغم حُزنه لم يستطع منع نفسه من اختلاس بعض النظرات لتلك الصبية الحسناء في آخر الممر.

أما تلك العجوز الإستكلندية التي طأطأت رأسها كي تسمح لتراب طنطا بشرب دموعها، فهي ماجي ماكيلوب، الحمقاء التي لم تفق بعد من صدمة رحيل العجوز رفعت فداهمها موت "عرّاب حبهما".

مخلوقات لم تغادر جانب النجوم منذ قرون، تخلَّت عن مقاعدها وراحت تحلّق فوق سقف "الصوان" المكشوف، مُخلِّفة برقاً أزرق أشبه بالشرارات الكهربائية، وصوتاً عجائبياً كطرقعة السياط.

رجل غارق في السواد، بهدوء تام اكتفى بالتطلع لكل هذا بعينين من ثلج، بعدما منعته آيات القرآن من دخول مجلس العزاء.. لو اخترق احترق؛ إنه دكتور لوسيفر.

صحيح أن عضلة قلب أحمد خالد توفيق واهنة كادت أن تقوده لنفس المصير 5 مرات من قبل، ولكن الجميع حَسَبه سيُحافظ على كفاءته في النجاة من هذه الأزمات إلى الأبد، ظنّاً أنه سيظل وسطهم أبد الدهر بأسنانه المنخرة بفِعل السجائر، وسخريته الدائمة من كل شيء، ومعاناته الصحية المستمرة، وحكاويه التي لضمت القريب بالبعيد..

لكنه خذلهم.

مات العراب، صانع الأساطير وآخرهم. توقفت حكايات رفعت وعلاء عبد العظيم وعبير عبدالرحمن إلى الأبد.

لم تتحول مصر إلى "يوتوبيا"، ولم يهجر العرب بلادهم إلى "شآبيب" بعد، ولكن مَن يدري؟ ربما نجا الدكتور من العيش بمستقبل مظلم قريب كان أول من توقعه.

حقيقة علَى مخلوقات العالم بأبعاده الثلاثية أن تعيها، حلقة الوصل التاريخية بينهم راحت، ولم يعد هناك المزيد.

تعرف تكتب "بوليصي"؟

بدأ كل شيء، في أحد أيام 1992م، من لحظة دخول ذلك الطبيب النحيل للمقر القديم للمؤسسة العربية الحديثة، يخاصمه سمت الأدباء بامتياز؛ شعر مجعد مقهور على جنبه، نظّارة مقعرة، هزال دبَّ في أرجاء جسده. وكان بيده، وهذا هو الأهم، بضع ورقات "فلوسكاب".

يتسلَّم رجل الاستقبال الملف دون اهتمام، الهيئة وطريقة التقديم الخجول لا توحيان بجلال صاحبه، يقلّبه بعدم اكتراث، بالكاد يفهم محتوياته؛ مغامرة لطبيب شاب يشارك في إعادة إحياء جثة دراكولا.. من سيقرأ هذا الجنون؟

هكذا يفكّر رجل الاستقبال الطيب، وهو يحاول نصيحته "ملكش في البوليصي؟.. الناس بتحبّ الحاجات دي". إجابة لا تبشّر بأي خير، إلا أن الرجل يعده بأن يصل ملفه لأولي الأمر.. وقد كان.

"الأسلوب ركيك ومفكك، وتنقصه الحبكة"، هكذا وصفت لجنة القراءة عمله، وكان إحباطاً هائلاً عليه كاد أن ينهي مسيرته الأدبية في مهدها، كما حكى بعدها:

"كنتُ سأكتب بفِعل القصور لبضعة أعوام، وبعدها سأتوقف"، لولا تدخل دكتور نبيل فاروق مؤلف سلسلتي ملف المستقبل ورجل المستحيل، الذي أكد أنه موهبة لا تُترك.

فقاد لجنة قراءة جديدة أكدت أن الأسلوب "ممتاز، ومترابط، به حبكة روائية، فكرة القصة واضحة"، وبعدها خرج الكتاب الأول إلى النور، وصارا صديقين أبديين جمعهما حب الرسم والأفلام والتصوير.

خرج كتاب أسطورة مصاص الدماء إلى النور، والذي تضمن مغامرتين للشاب رفعت مع مصاص دماء ومذؤوب، ويبدو أنه آمن السلامة فقرر أن يبدأ بأكثر قصص الرعب شيوعاً، كي يجذب بشهرتهما الجمهور لقلمه المغمور الذي لا يعرفه أحد، ومن بعدها كرّت المسبحة ولم تتوقف حتى هذا الشهر.

أسطورة رفعت

أعظم ما بـ"رفعت إسماعيل" بطل سلسلة ما وراء الطبيعة، أنه لا يتميز بأي قدر من سمات البطولة ولا يمكنك تخيله أكثر من رجل يشارك طابور العيش والأتوبيس العام.

فمنذ أوائل التسعينيات استحوذ على عقول شباب مصر أدهم صبري بطل سلسلة رجل المستحيل، ونور الدين محمد بطل سلسلة ملف المستقبل، كلاهما رجلا مخابرات شديدا الوسامة، متخمين بالعضلات، يجيدان أي شيء ويفعلان كل ما لا يمكن تخيله.

تمتلئ الصفحات بأحاديث القفز الخارق والركلات المدوية والقبضات المدمرة، وسط هذين نتأ العجوز؛ نحيل كعود الخلة، يسعل كلما نطق أحد اسمه، أقبح من ضفدع داسه قطار، لكنه يخوض مغامرات مشوقة "على قدّه" دخلت قلب القارئ فوراً لواقعيتها المفرطة، فلو استبدلنا يوماً الأدوار لما تطلب الأمر أي مجهود.

لم يتوقف لسان العجوز عن الحكي حتى مات، يرتدي البالطو الصوف ويحتسي الشوكولاتة الساخنة ويبدأ في سرد قصصه الخوارقية، التي بدأها منذ أن كان ابن ثلاثين، على مسامعنا.

ركض وراء النداهة في غيطان الشرقية، وحارب رأس ميدوسا على جزيرة يونانية، اختبأ في كنيسة رومانية من مصاص دماء يطارده، واستضافته شياطين الأرض في "جانب نجومهم" لبعض الوقت، ما من كهف ملعون إلا ودخله، ولا تعويذة مطلسمة إلا وفكّها، ولا طالب حاجة "ممسوس" إلا وفكّ كربه.

أيقونة متاعب لم تقتصر عليه، وإنما أطاحت بأقرب المقربين؛ جاره عزت دقَّ وباء كهنة السلت باب شقته طالباً المبيت، فيما طاردت جثة فرعون مارق خطيبته السابقة هويدا في غرفتها، بينما احتُجِزَ سكان عمارته يومًا وهم يُطالعون مقاتلي "نافاري" وُلدوا من 3 آلاف وهم يتقاتلون على سِلّم دارهم!

تفوَّق الوهم على الحقيقة، وصار رفعت أكثر شهرة حتى من صانعه، وتصدَّرت صورته أغلفة الكتب والمجلات والبوسترات الدعائية وحتى حفلات التوقيع، استولى على بريد القرّاء وراح يردّ عليهم بنفسه، تقدم بعشرات الصفوف إلى الأمام حيث يحاوطه الجمهور من كل جانب، فيما ظلت صورة الدكتور في ظهر غلاف الكتيب تبتسم في خجل وقناعة.

التوفيقيون

لم يقتصر تأثيره على القرّاء فقط، وإنما امتدَّ إلى الكتّاب، ولم يتوقف على أن يكون مظلة حماية ترعى نمو موهوبين مثل محمد سليمان عبد الملك وتامر إبراهيم، ولا حتى قوة دافعة لدار نشر شابة كـ"ليلى" فيكتب بأعمالها الأولى كرامةً وتشجيعاً.

ولا حتى أن كل أدباء الرعب الشباب في مصر يعتبرونه كعبة لابد أن يدوروا حولها سبعاً كل مرة يمتشقون بها قلماً، وإنما تشعّب تأثيره بعدما حاول البعض السير على ذات وصفة النجاح طمعاً في مزاحمته على العرش.

أُفردت الروايات لشخصيات فرعية من أعماله؛ بلعزبول وميدوسا وآخرون، واستُحضرت شياطين "جانب النجوم" لتكون أبطال أعمال تسير على هُداه؛ أنتريخستوس، عزيف، والقائمة تطول. 

لعنة السينما.. ألا تحقق كل ما تريد

يقول في أحد حواراته القديمة:

"السينما هي أرقي الفنون وأفضلها قيمة.. الفكرة المسيطرة علي هي كتابة فيلم بعيد عن الرعب وأن أكتب مسلسلاً يتناول الرعب بشكل جديد ومختلف، ما لم يتم غزو الدراما والسينما سأعتبر نفسي لم أحقق كل ما أرد"

على الرغم من الشائعات التي كانت تظهر من وقتٍ لآخر عن قُرب الظهور الأول للدكتور كسيناريست إلا أنه أمر لم يتحقق أبداً.

"يوتوبيا" تفعل كل شيء في عالم الأدب؛ مبيعات ساحقة، تُرجمت للإنجليزية والفرنسية والألمانية والفنلندية، يتبقى لها فقط أن تُجسد أمام الشاشات، تحدث المعجزة ويتحمس أحد المنتجين للأمر.

يبشّر رامي إمام الجميع أن جميع الإمكانيات تُحشد لعمل عالمي يبهر الجميع، والنتيجة "لا شيء"! تأخير وراء تأخير حتى لحقت بأخواتها، و في حديث تليفزيوني له عبّر عن استغرابه من ذلك التجميد العجيب الذي يلاحقه، قائلاً:

"كل لما نتفق على أننا نبدأ في عمل جديد يتفركش، ومن غير إبداء لأيّ أسباب"، ثم عدّد الأعمال التي اتفق على تحويلها لأفلام لعشرة كلها لم تُنفذ، مرجعًا سبب كل هذا لسبب ساخر اصطكه على طريقته "تقريباً لعنة إغريقية أو سوء حظ"!

أقوال جاهزة

شارك غردما من كهف ملعون إلا ودخله، ولا تعويذة مطلسمة إلا وفكّها: العجوز "رفعت" أشهر شخصيات أحمد خالد توفيق

شارك غردمن يعرفون أحمد خالد توفيق حقًاً، منحوه العبارة التي عاش ومات لأجلها؛ "لقد جعلتنا نقرأ"

حتى عندما أتى الفرج أخيراً على يدي أحد تلاميذه، وهو المخرج عمرو سلامة، الذي افتتح فيلمه "زي النهاردة" بأن أطلق اسم العجوز رفعت على أحد أبطاله.

وأعلن "سلامة" أواخر العام قبل الماضي، عن توصله لاتفاق نهائي لتحويل سلسلة "ما وراء الطبيعة" إلى مسلسل تلفزيوني متعدد الأجزاء، معرباً عن أمله في أن يخرج المشروع للنور في 2018، وهو العمل الذي صادف القدر أن يتمناه العراب دائمًا، لكنه لن يشاهده أبداً للأسف، إلا لو كانوا سيعرضونه على شاشات في الجنة.

الاستنزاف.. مولد سيدي العراب

في إحدى إجاباته على قارئة أكدت له في "بريد رفعت" أنه لابد ويملك الكثير من الأموال بسبب مبيعات رواياته الكثيرة، أجابها: للأسف، البقرة لا ينالها الكثير من حصاد بيع لبنها.

في فترته الأخيرة بات "العرّاب" مقصد الجميع، يحاولون استغلال شهرته المدوية في تحويله لـ"سبوبة" فما من كتاب يحمل اسمه إلا وحقّق مبيعات فلكية وإن اقتصر محتواه على الورق الأبيض.

فكانت النتيجة ظهور كتابات غاية في التواضع تحمل اسمه، دار "ليلى" أدمنت جمع مقالات سبق نشرها بالصحف في كُتب قليلة الجودة وعندما انتهت منها، لمّت بضعة مقالات سينمائية نُشرت على الإنترنت، وأخرجتها في كتاب "الحافظة الزرقاء".

فيما أتت دار دلتا متأخرة فلم تجد على مائدة الإبداع إلا الفتات، فطرحت لها كتابًا عبارة عن "تويتات" رسائل بالغة القصر منه تناقش أمراً ما، وبعد أن خاصمته دار الشروق لعقود احتكرت رواياته الأخيرة ، عدا التي أنهى مسودتها قبل أن يموت بشهرين، وسلّمها لدار "الكرمة".

للأبد؟

"كل أما ألاقي نجاح جماهيري، بقلق أفقده.. ويوميها هزعل قوي".

في ظهوره الإعلامي الأخير ببرنامج "وصفولي الصبر"، وفي موكّب مهيب يليق بفرعون أخير ودّعه أبناؤه إلى مثواه، فوق أكتافهم يطير نعشه الخفيف الذي يمشي على العشب دون أن ثني عوداً.

وكلوحة ذكرى تمدد بالحرارة والزمن زينوا حائط قبره بقصاصات غير قابلة للحرق يبكون فيها مآثرهم معه، كتب الكثيرون عن عظمته وطيبته وجلال قلمه، أما من يعرفونه حقًاً فقد منحوه العبارة التي عاش ومات لأجلها؛ "لقد جعلتنا نقرأ".

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي