بعد منع ديوان "خير نسوان الأرض" بسبب عنوانه: من يحمي أشكال الإبداع في مصر؟

بعد منع ديوان "خير نسوان الأرض" بسبب عنوانه: من يحمي أشكال الإبداع في مصر؟

عاصفة من الجدل أحدثها الشاعر جلال البحيري فور الإعلان عن صدور ديوانه "خير نسوان الأرض"، والذي كان مقرراً له أن يُطرح في الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، لكنه أمر لم يحدث.

فلم تلاحقه فقط تهمة الإساءة للجيش المصري، وإنما اعتبر البعض عنوانه تحريفاً للنصوص الدينية، وبكلا الأمرين حُرم العمل من العرض، ولم يكتفِ متقدوه بذلك، وإنما طالبوا بتعريض صاحبه للمساءلة القضائية.

البداية كانت من الإعلامي أحمد موسى، المعروف بدفاعه المستميت عن النظام الحاكم، والذي عرَضَ غلاف الكتاب في إحدى حلقات برنامجه "على مسؤوليتي" المُذاع عبر شاشة "صدى البلد"، وشنَّ خلالها هجوماً ضارياً على جلال واصفاً ما كتبه بأنه "سفه وعار" جعل "دمه يغلي"، وأكد على أنه يجب أن يموت أولاً قبل السماح لـ"هذا الهراء" بالنشر في مصر.

نشأت قدسية مصطلح "خير الأجناد" في نفوس المصريين بفِعل ما نقلته بعض كتب التاريخ الإسلامي مثل "فتوح مصر" لابن عبدالحكم، و"في فضائل مصر" لابن زولاق الليثي، وغيرها جزءاً من خطبة لعمرو بن العاص قال فيها لأهل مصر: حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

"إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً، فذلك الجند خير أجناد الأرض. فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنهم في رباط إلى يوم القيامة".

ولطالما اتُخذت جملة "خير أجناد الأرض" للإشارة إلى عظمة وبطولات رجال الجيش، واعتُبرت في مواقف شتى مرادفاً للعسكرية المصري، ومن هنا بدأت المشكلة.

أعلنت وزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم، أنها ستتخذ "الإجراءات اللازمة" حال تأكدها من صدور الكتاب، الذي مُنع من الطبع بالفعل.

كما تبرأت دار ضاد للنشر والتوزيع، التي أشرفت على طباعة الديوان، من هذا العمل، وإعلنت فسخ تعاقدها مع صاحبه، معربة في بيان رسمي عن رفضها لمحتوى الكتاب "الساذج" جملة وتفصيلاً، وأن التعاون بين الطرفين كان مجرد تعاقد لم يرق لطباعة أي نسخة من الديوان، دون أن تغفل طبعاً بنهاية البيان التأكيد على تضامنها الكامل مع الرئيس عبدالفتاح السيسي في حربه الضارية ضد "أهل الشر".


إلا أن هذا لم يمنع من دخول المحاميين المثيرين للجدل طارق محمود وسمير صبري على خط الأزمة، بعدما تقدم الأول ببلاغ إلى المحامي العام الأول لنيابات استئناف الإسكندرية ضد "البحيري" متهماً إياه بتوجيه الإهانة للجيش والتطاول على كلمات الرسول.

وهي نفس الاتهامات التي وجَّهها صبري إلى جلال باختلاف أنه صعّد من جهات تقديمه لشكاويه القانونية، رافعاً إياها إلى نيابة أمن الدولة العليا والمدعي العام العسكري.

من يُعرّف معنى "الإساءة"؟

على الرغم من تشكيك بعض علماء السُنة مثل الشيخ محمد صالح المنجد في متن الحديث نفسه، والذي كتب عبر موقعه الرسمي في سياق حديثه عن مدى صحته واصفاً إياه بـ"الضعيف جداً".

وأكد أنّ سنده حافلٌ بالعِلل التي تجعل تصديقه أمراً غير مقبول، ومشيراً إلى أنه "لا يجوز إطلاق الأحكام العامة على أجناد بلاد معينة بغير دليل صحيح".

لكن حتى مع التسليم بصحته يُمكننا بسهولة ألا نعتبر عنوان الديوان "إهانة للرسول" كما ذكر أصحاب البلاغات.

وهو أمر يُعلق عليه الباحث اللغوي محمد عبدالرازق جمعة، بأننا إذا طبّقنا هذه القاعدة على كل كلامنا، فيعني هذا أننا سنذهب جميعاً للمحاكمة.

ونفى جمعة في مقال نشره على موقع "اليوم الجديد"، أي حُرمة لمَن يكتب عبارة على وزن آية أو جملة من القرآن أو الأحاديث، فهل إذا قال أحدهم "بِاسم الشعب المطحون الكسير"، يكون بهذا قد أساء إلى القرآن الذي نبدأ سوره بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"؟

ويضيف، أننا إذا راجعنا أقوال الصحابة لوجدنا فيها ما يتلاقى مع بعض عبارات القرآن الكريم، بداية أبي بكر الصدّيق: "إن أقواكم عندي الضعيف" على نفس نسق قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وصولاً إلى الشيخ محمد حسَّان الذي قال في فيديو شهير على "يوتيوب":

"ويسألونك عن الإعلام قُل هو أذى" مستبدلاً الإعلام بالمحيض في الآية الكريمة.

نهايةً بالحلّاق الذي يكتب على واجهة محلِّه: "وجوهٌ يومئذٍ ناعمة"، وصاحب الميكروباص الذي يكتب على سيَّارته: "يا بُنَيّ اركب معنا"، فهل حاكمنا هؤلاء مع البحيري؟

أقوال جاهزة

شارك غردمن سياقها في خطبة لعمرو بن العاص، اتُخذت جملة "خير أجناد الأرض"، للإشارة إلى عظمة وبطولات رجال الجيش المصري، ومن هنا إشكالية عنوان "خير نسوان الأرض"

شارك غرديعيد منع كتاب "خير نسوان الأرض" جدل الاقتباس من الكتب المقدسة، وحدود الإبداع وحماية المبدعين من سلطة المحاكم والقانون

عين مصر التي تراقب الكتب

ومن وقت اندلاع هذه الأزمة ارتفع الهمس الذي كان خافتاً سابقاً داخل الأوساط الثقافية الحكومية المصرية بضرورة وضع آلية رقابة فعالة على الكتب قبل طبعها لضمان عدم تكرار هذا الموقف مرة أخرى.

يوضح يوسف ناصف مدير دار المصري للنشر والتوزيع، طريقة الرقابة على الكتب في مصر لرصيف22، مؤكداً أنه لا توجد رقابة مسبقة على أي مطبوعة، وإنما ينحصر الأمر في استيفاء بعض الإجراءات الروتينية في دار الكتب والوثائق بخصوص إصدار أرقام إيداع وترقيم دوليين وتسليم عددٍ من النُسَخ إليها.

فيما تكتفي الدولة برقابة لاحقة لأي كتاب يثير بعد إصداره أي أزمة.

ويضيف ناصف أن هذه المشكلة تتكرر بمعرض الكتاب تقريباً كل عام، لكنها السنة الماضية حدثت مع بعض الجهات التي عرضت كتباً لقيادات إخوانية في أجنحتها كيوسف القرضاوي مثلاً، فداهمتها أجهزة الأمن وصادرتها جميعاً.

ومن جانبه، اعتبر محمد عبيه مدير النشر في دار دلتا، في تصريحات خاصة لرصيف22، أن الرقابة المسبقة على الكتب تعني عملياً إعلان وفاة لمهنة النشر، لأن نشر الكتب عملية بطيئة بالأساس، وإضافة شرط (الموافقة المسبقة) يعني زيادة أعباء على مهنة تعاني من رزمة من الأزمات، هذا من الناحية الإجرائية.

أما من الناحية الفنية والإبداعية فهذا يعني خلق (ضابط شرطة) داخل كل مؤلف ليراقب ما يكتب، وهذا غالباً سينتج عنه منتج مُشوه يمكن وصفه بأي شيء سوى أن يوصف بأنه كتاب.

نقد من أول نظرة: هل قرأ أحد الديوان؟

الانتقاد السطحي الذي تعرض له العمل من الإعلاميين والمحاميين، أكد أن معظم هذه الانفعالات ليست وليدة نقد فني معمّق لمحتواه، وإنما هو ما يمكن تسميته بـ"نقد من أول نظرة"، اكتفى فيه أصحابه بقراءة العنوان وكلمة الظهر، وسكب محاضرات الوطنية في آذان المشاهدين.

الناقد الثقافي إبراهيم عادل أعرب عن إعجابه بالمستوى الفني للعمل، معتبراً إياه متجاوز لكثير من الخطوط الحمراء التقليدية، الأمر الذي يذكره بقصائد نجم الشهيرة عن "البتاع".

ويضيف في تصريحات خاصة لرصيف22، أن أحسن دعاية حدثت للكتاب هو مصادرته، وهو ما يُفسر الإقبال الكبير على تحميل الديوان إلكترونياً (PDF)، معتقداً أنه لولا هذا الهجوم المباشر لتاه العمل وسط زحام الأشعار التي تصدر سنوياًَ، وما عرفنا جلال ولا موهبته بهذا الشكل.

ويصف عادل موقف الناشر بـ"المخزي والجبان"، لأنه سبق وأن طبع لجلال ديوانه "سجن بالألوان" والذي لم يختلف عن "خير نسوان الأرض" في جرأته، ولكنه لم ينل حظ لاحقه من الهجوم، الذي ما أن ظهرت سكاكينه حتى تنصّل منه.

عودة الرقابة

الدكتور خالد عبد الجليل رئيس الرقابة على المصنفات الفنية، نفى بشكل رسمي وجود نية حكومية لفرض رقابة على الكتب قبل نشرها.

وتابع لرصيف22: لم يصلني حتى الآن أي إخطار بأن الدولة تنوي قراءة كل الكتب قبل التصريح بطبعها، ولم أشارك في أي جلسة تطرقت لهذا الأمر، بالتأكيد لا يوجد نية لذلك، ولو وُجدت فتنفيذها مستحيل، نحن نُنتج آلاف الكتب سنوياً، من سيقرأ كل هذا؟

حتى لو أرادت السلطات فرض رقابة على الكتب قبل نشرها، سيكون التنفيذ مستحيلاً، فمن سيقرأ آلاف الكتب التي تطبع سنوياً؟

فيما يقول الروائي والمحامي أدهم العبودي لرصيف22، أنه حتى لو وُجدت الرغبة الحكومية في فرض هذا النوع من الرقابة، فإن الأمر يتطلب مجهوداً عسيراً، لأنه سيبني جهازاً رقابياً من الصفر يكون مختصاً بهذا العمل الذي اعتزلته مصر منذ سنوات طوال.

وانتقد العبودي استعداد الدولة المطلق في محاسبة أي كاتب تُقدم ضده بلاغات أمام النيابة، في الوقت الذي تتقاعس به عن حماية حقوق المبدعين الفكرية من أباطرة سوق الكتب المزورة بمصر، مؤكداً وجود عشرات من حالة جلال، لكن لا نعلم عنها شيئاً لأن الإعلام لم يتحدث عنها.

أما عن مخاطر استمرار ترك الحبل على الغارب للناشرين، وما قد ينتج هذا من مشكلات، يقول عبيه إن الكتابة الرديئة/ المنفلتة/ السيئة، هي أشياء خالدة ولا يمكن القضاء عليها.

الأمر أشبه بمحاولة قتل الشر، ستبقى الكتابة الرديئة حتى نميز عنها على الأقل الكتابة الجيدة، والجمهور سينمو وعيه تدريجياً ويطرد بشكل تلقائي بضاعته الرديئة، ربما لأنه يدرك يوماً ما أنها كذلك أو لأنه سيتعرف ذات مرة، وعلى سبيل الصدفة على الكتابة الجيدة، ومن بعدها لن يتحمل سواها، وهذا هو هدف الرقابة النبيل الحقيقي.

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي