"أنا خارج معايير السوق وشباك التذاكر. أنا لست نجمة" حوار مع الملهمة منحة البطراوي

"أنا خارج معايير السوق وشباك التذاكر. أنا لست نجمة" حوار مع الملهمة منحة البطراوي

"اه لو لعبت يا زهر واتبدلت الأحوال"، هكذا تساءل المطرب الشعبي أحمد شيبه، ومثله فعلت الفنانة الكبيرة منحة البطراوي، بعد مسيرة طويلة امتدت ثلاثين عاماً من التمثيل والنقد والإخراج المسرحي والترجمة.

"لعب الزهر بعد السبعين" وحصلت البطراوي على جائزة أفضل ممثلة عن دورها في شخصية "سميحة" بفيلم "زهرة الصبَار" في مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته 14.

تعاونت منحة مع كبار المخرجين مثل يوسف شاهين، ويسرى نصر الله، ومحمد خان وأسامة فوزي. وسجلت اسمها على تترات أهم أفلام شهدتها السينما المصرية: المهاجر، سرقات صيفية، جنة الشياطين، ديكور، يوم حار جداً، المدينة، وغيرها.

"سميحة تشبهني فهي امرأة لا تريد أن تهزمها الحياة". هكذا توضح البطراوي لرصيف22 أسباب موافقتها على التعاون مع المخرجة هالة القوصي في فيلمها الروائي الأول "زهر الصبَار".

وتُكمل: "أبطال فيلم "زهرة الصبار" شخصيات عادية مثل معظم سكان المدينة، يحملون همومها، متأثرين بأوضاعها السياسية والاقتصادية الصعبة، وكأنهم تحولوا إلى نباتات من الصبار في مواجهة الألم وخلق الابتسامة وسط جحيم المتناقضات والتغيرات.

ثلاثة غرباء تجمعهم الظروف عندما يفقدون كل شيء في لحظة، عايدة (33 سنة) ممثلة صاعدة من خلفية قروية، تجد نفسها بين ليلة وضحاها مطرودةً من منزلها إلى شوارع القاهرة مع جارتها سميحة (70 سنة) البرجوازية المنطوية على نفسها بدون مال، وبمساعدة الشاب ياسين (21 عامًا) يبدأ الثلاثة رحلة البحث عن مأوى.

وبين الأحداث العادية، والكارثية أحياناً التي يتعرضون لها في رحلتهم، يتحركون في رحلة موازية لاكتشاف الذات وتنمو بينهم صداقة تفوق العادة.

عن السينما والسياسة وحال الثقافة بمصر والنجومية المتأخرة، تتحدث منحة البطراوي في هذا الحوار.

أقوال جاهزة

شارك غرد"سميحة تشبهني فهي امرأة لا تريد أن تهزمها الحياة". هكذا توضح البطراوي أسباب موافقتها على التعاون مع المخرجة هالة القوصي في فيلمها الروائي الأول زهر الصبَار

شارك غرديسري نصرالله هو المخرج الوحيد الذي تأثرت بتجربتي السينمائية معه واستفدت منه، أكثر من يوسف شاهين

كيف حفزتك المخرجة "هالة القوصي" على التمثيل في"زهرة الصبار"؟

إعجابي بفكرة الفيلم، ومحورها رحلة أبطاله الثلاثة في إعادة اكتشاف المدينة، والأزمة التي جمعتهم وخلقت صداقة بين ثلاثة أجيال. الفيلم يرصد علاقة الأفراد بالمكان وهي فكرة تشغلني، وخاصة مع سكان القاهرة، فهم بحاجة إلى أن يتحلوا بالصبر فعلاً، مثل نبات الصبَار لكي يواجهوا تحديات المدينة وضغوطها.

كما تحمست للمخرجة التي بدأت علاقتي بها لدى قراءة مقالاتها في جريدة "القاهرة "، ولفتت نظري طريقة سردها في الكتابة عن التصوير لكونها فنانة بصرية بالأساس، وعندما قرأت السيناريو زاد إعجابي بأفكارها ورؤيتها الإخراجية.

إلى أي مدى تشبهك "سميحة "في الواقع؟

لها عمري نفسه، عجوز سبعينية، ولكنها محبة للحياة، لطيفة غير منفرة. بداخلها الحزن والفرح والدعابة، والأمل في المستقبل، والشغف نحو اكتشافه. متحمسة للعمل وتطوير نفسها باستمرار، تطلب من جارتها "عايدة" وظيفة وتعدد لها خبراتها بكل ثقة في الكتابة والترجمة.

"سميحة" تشبهني، فهي امرأة لا تريد أن تهزمها الحياة. نهاية الفيلم بمثابة دعوة للأمل على لسان هذه العجوز وهي تقول لجارها" يس" الذي دشن الإذاعة الشعبية على الإنترنت: "خُذنا معك". وهو يعكس الإصرار على ارتباطها بمشروع الشاب وحلم الغد. وهو ما حمسني للشخصية لأنها ليست نموذجاً تقليدياً للعجوز على شاشة السينما المصرية.

لرغم عمرك المثالي لشخصية "الأم "وقلة عدد الممثلات حاليًا لتقديمه، فإنك تغيبين عن هذا الدور على الشاشة. ما السبب؟

لأننى أرفض تقديمها بصورة غير ناضجة على الشاشة، أستغرب أن يضم السيناريو شخصية "الأم" بصورة باهتة ومسطحة. فهناك أم جريئة، حلوة، سيّئة. وأزعم أن شخصية "سميحة" لم نرَها من قبل في السينما المصرية، إذ هي سيدة عجوز على "سطح عقار"، متحررة، ليست عبئاً على أحد، ومسؤولة عن نفسها، متفائلة، غير منفصلة عن المجتمع في علاقة ندية بجيل الشباب، فأنا أكره فكرة الأمومة الملأى بالسيطرة والوصاية.

منذ "سرقات صيفية" ليسري نصر الله، و"ديكور" لأحمد عبد الله، وأخيراً "زهرة الصبار"... جميعها تجارب أولى لمخرجيها. ما سر حماستك للعمل بها؟

لأنني أعشق تجارب المخرجين الشباب، بل شاركت في العشرات من أفلام مشروعات التخرج لطلاب المعهد العالي للسينما، فهي تجارب مليئة بالأفكار الطازجة، والتجريب والخيال، وهذا يُثير شغفي للنزول من بيتي للتمثيل.

مثلت خمسة أفلام مع المخرج الكبير يسري نصر الله، حدثينا عن هذا التعاون.

يسري صديق قبل أن يكون مخرجاً، كنا زميلين في مهنة واحدة، هي الصحافة، فكان ناقدًا فنيًا بجريدة السفير اللبنانية، وأنا كنت صحفية بالأهرام (النسخة الفرنسية). كان يعلم بحبي للتمثيل ورشحني للعمل معه في سرقات صيفية عام 1988، لأن ميزانية الفيلم كانت محدودة جداً، وكان عليه أن يستعين بوجوه جديدة لا تُكلف الشركة المنتجة أجوراً باهظة. وكانت فرصة جيدة أتاحت لي فرصة مهمة للتمثيل، ثم اشتركت معه في أربعة أفلام: مرسيدس، والمدينة، واحكي يا شهرذاد وجنينة الاسماك.

أشعر بالاستمتاع في التعاون معه، فهو مخرج متميز، لا يحكم على شخصياته في السيناريو، بل يتعاطف معها ويتأثر بها ويترك للمشاهد الحكم في النهاية. هو المخرج الوحيد الذي تأثرت بتجربتي السينمائية معه واستفدت منه، أكثر من يوسف شاهين، الذي شاركت معه بدورين صغيرين في فيلمين هما المهاجر واسكندرية كمان وكمان.

أنا مقاطعة للتليفزيون ولا يمكنني العمل فيه. المسلسلات ليست فناً، بل حوارات تافهة بين أشخاص، ومجرد تعبئة شرائط ليربح المنتجون والممثلون فقط

صرحت بأن أكثر شيء أعجبك في فيلم زهرة الصبار "أنه لا يقدم رسالة". كيف وهو يُشرّح مصر اجتماعيًا وسياسيًا؟

قصدت أنه لا يُقدم رسالة بشكل مباشر وفج، أكره السينما التي ترفع شعار أن الفن رسالة، أشعر بالوعظ والرقابة على عقول المشاهد، الفن إبداع وفكرة يتلقاها المشاهد كما يريد، ليس دور الممثلين تلقين الجمهور "إيه اللي يصح وميصحش!".

ما رأيك في إنشاء وزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم فروعاً لجهاز الرقابة على المصنفات الفنية بسبع محافظات، واستحداث لجنة الدراما لتقييم النصوص والأعمال الفنية التابعة للمجلس الأعلى لتنيظم الإعلام؟

أنا ضد الرقابة شكلاً ومضموناً، الرقابة تعني الوصاية، واحتقاراً لعقلية الجمهور والتعامل معه على أنه قاصر. الرقابة ضد حرية الإبداع والفن.

في مشهد يجمعك بالفنان "زكي فطين عبد الوهاب" تطُلان فيه من شُرفته على القاهرة، يقول لك "خايف أموت في الخرابة دي لوحدي"! وكان ردك أن التغيير سنة الحياة؟ هل تفاؤلك يعادل تفاؤل سميحة حقاً بالواقع؟

سميحة لم تكن متفائلة في هذا المشهد بقدر ما كانت تتحدث بمنطق سيدة هضمت الزمن والحياة. فرغم المشكلات يجب الأ نستسلم لليأس، وهنا هو الصبر الذي يجب أن يكون موجوداً رغم قهر المدينة، ولكن هذا لا يمنع من أن أشعر كـ “منحة " بالحزن العميق لتدهور أحوال مصر وليس القاهرة فقط. أصبحت "خربانة" في كل شيء: الصحة، والتعليم، والثقافة، والتربية.

ما الذي تغير في المدينة؟

القاهرة تغير شكلها، كل ذكرياتي مع المدينة اختفت. أنا حزينة من أجل ذلك، نجلس الآن لنجري هذا الحوار في أحد الكافيهات الحديثة بوسط البلد، لم يكن موجوداً قبل عشر سنوات، كل معالم المدينة اختلفت، انتشرت الأبراج الشاهقة بدلاً من الفيلات والبيوت الصغيرة، القُبح طرد الجمال في العمارة والبناء، كنت اقطن بحي الجيزة وأرى النيل من شُرفتي، بعد هدم الفيلات الجميلة ارتفعت بنايات لا تليق بِحُرمة النيل المقدس، لم أعد أراه.

أصبح كل شيء ينقصه الاحترام في التعامل مع الطبيعة. النيل غير نظيف، والشوارع تشهد فوضى عارمة ونحن نعيش في حالة "دَهولة" عامة شكلاً ومضمونًاً.

وماذا عن أهل كايرو؟

أصبحوا يتسمون بالعنف والسُخف، سلوكياتهم فظة، بعد ثورة يناير انتشر البلطجية بالشوارع أثناء الانفلات الأمني، الآن عاد الأمن ولكن البلطجة استمرت في عقول الناس. ربما غياب القراءة والثقافة أوصلنا لهذه الحالة السيئة.

الفيلم ناقش التطرف الديني في الجيران المتزمتين أو الزميلة المنتقبة التي تنصح "عايدة" الممثلة بترك الفن. ما الذي أوصلنا لذلك؟

التدين الظاهري للمجتمع تعود أسبابه إلى سفر المصريين للسعودية في السبعينيات وعودتهم بأفكار وهابية، وبإسلام صحراوي مليء بالتطرف وتحقير شأن المرأة ودورها، ودَعم هذه الأفكار النظام السياسي آنذاك ورغبة السادات في القضاء على الشيوعيين والناصريين من خلال إطلاق يد الجماعات الإسلامية والإخوان في الجامعات والنقابات ومؤسسات الدولة، حتى وصلنا إلى هذه النتيجة، من اختزال الدين في الحجاب، وسلوكيات منفرة بعيدة عن الرحمة. الناس المتدينون لديهم محبة للآخر، ولكن للأسف لا نرى أي تقبل للآخر.

جائزة أحسن ممثلة بمهرجان دبي هل نعتبرها اعترافاً بنجومية منحة البطراوي بعد 30 سنة في مجال التمثيل؟

إطلاقاً، أنا أصلاً ضد الجوائز في الفن، ولا أعرف ما الذي شاهدته لجنة التحكيم في تمثيلي حتى أستحق الجائزة، جائزتي الحقيقية هي أنني لعبت شخصية "سميحة"، التي تُناسب علاقتي بالتمثيل الذي أعتبره إلى الآن هواية، ولكن سعادتي كانت ستتضاعف لو حصد الفيلم كله جائزة وليس أنا وحدي، فالجميع بذلوا جهداً كبيراً لخروج الفيلم للنور.


أهديتِ الجائزة لحفيدتك. لماذا؟

ربما حفيدتي (صفية) هي سبب سعادتي بالجائزة، لأنها عندما تكبر ستجد جدتها حاصلة على جائزة أحسن ممثلة من مهرجان دبي السينمائي، وهو حدث جعلني سعيدة جداً. عمر صفية ثلاث سنوات ولكنها جميلة، تحب التمثيل، نؤلف دائماً مسرحيات عن القطط والعصافير ونُمثلها معاً.

12 فيلماً هي حصيلتك في السينما، تُصنف على أنها أفلام نخبوية للمهرجانات. ما رأيك؟

ليست أفلاماً نخبوية، ولكن لا أستطيع المشاركة في أفلام تجارية، خاصة أن صناعها لن يختاروني، لأني خارج معايير السوق وشباك التذاكر، أنا لست نجمة، فما زلت أتعامل مع السينما بمنطق الهواة، والسينما التجارية تبحث عن الممثل المحترف النمطي الذي يلعب أي شخصية.

أخرجتِ مسرحية وحيدة "أمنا الغولة". حدثينا عن ظروف هذه التجربة ولماذا لم تتكرر؟

هذه ذكريات مضى عليها أكثر من 35 سنة، شجعني عليها الراحل عبد الغفار عودة الذي كان مسؤولاً عن المسرح المتجول آنذاك، ومنحني الفرصة لإخراج تلك المسرحية، وعرضها على المسرح من دون أن أكون عضوة في نقابة المهن التمثيلية، وأذكر أن تلك المسرحية التي لعبت بطولتها مجموعة فنانين هم نجوم حالياً مثل سيد رجب وأحمد كمال وناصر عبد المنعم.

لا أتذكر أن هناك سبباً محدداً لعدم تكرار تجربة الإخراج، ربما اتجهت لترجمة المسرحيات الفرنسية إلى العربية، ولكن حلمي هو تقديم عمل مسرحي للأطفال.

"زهرة الصبار" ناقش حال المثقف المختلف بالقاهرة... في رأيك ما هي أزمة المثقفين؟

إنهم غير مثقفين كفاية. لا تنزعجي، هذه حقيقة. أتذكر حضوري ندوة للفيلسوف الفرنسي "جاك دريدا" قبل 20 عاماً بالمجلس الأعلى للثقافة، والرجل كرر ثلاث مرات هذه الجملة:عليكم بالقراءة.

أمضيتِ حياتك في النقد المسرحي، ما هو تقييمك لحال المسرح الآن؟

المسرح في حالة مأسوية، توقفت عن كتابة النقد المسرحي منذ سنوات بسبب ما أشاهده، الوضع في غاية البؤس، الدولة غائبة، والمسرح والثقافة بصفة عامة خارج أجندتها. أين دور صندوق التنمية الثقافية في دعم الشباب المسرحيين؟ أين النصوص الجيدة؟

أرى أن السينما المستقلة أعادت الاعتبار للسينما المصرية في المهرجانات الدولية.

هل نُشاهدك في دراما رمضان؟

أنا مقاطعة للتليفزيون، حتى ليس لدي واحد في المنزل، ولا يمكنني العمل فيه. المسلسلات ليست فناً، بل حوارات تافهة بين أشخاص، ومجرد تعبئة شرائط ليربح المنتجون والممثلون فقط.

لدي مشروع سينمائي للمرة الثانية مع المخرجة هالة القوصي ما زال تحت الإعداد، وقريباً مسرحية "ماما" مع المخرج الشاب أحمد العطار.

كلمات مفتاحية
تمثيل سينما

التعليقات

المقال التالي