شادي قطامش فنان يتحدى وزارة الثقافة والقيمين عليها في الشارع

شادي قطامش فنان يتحدى وزارة الثقافة والقيمين عليها في الشارع

"لأن الأطفال هم أمل المستقبل بل هم المستقبل ذاته". كانت هذه هي القاعدة التي تحولت بمرور الوقت إلى عقيدة آمن بها الفنان التشكيلي الشاب شادي قطامش -27 عاماً- وألقت به في الأحياء الفقيرة بحثاً عن مواهب وسط أطفال الشوارع، رغم أن البعض يصفهم دوماً بأنهم قنابل موقوتة.

لم ينتظر شادي الدعم من الحكومة، بل حمل فرشاته وألوانه وراح يعلم ويدرب الأطفال، المتعلمين منهم  وغير المتعلمين، كي يغيروا حياتهم بالفن ويكونوا تروساً في عجلة التنمية.

في حوار مفتوح تحدث قطامش عن تجاربه مع الشارع، وكيف يلونه ويُدرب أهله على فنونه المختلفة.

تحدث شادي عن بدايته مع الفن: "في الصغر، كنت أرسم في كراسات الرسم وكل كراسات المذاكرة، وعندما كنت أقارن بين رسوماتي والأخرى التي ملأ بها والدي منزلنا، كنت أقول لنفسي إني فاشل في الرسم. لأن المقارنة كانت ظالمة بيني وبينه، خصوصا أنه فنان تشكيلي كبير".

وتابع: " ثم جاءت فترة التحاقي بالمعهد العالي للفنون المسرحية، والمفارقة أني ذهبت إلى هناك لألتحق بقسم التمثيل والإخراج، لكني غيّرت رأيي حين رأيت رسومات أحد خريجي قسم الديكور، وقتذاك اكتشفت أني موهوب في الرسم، ومن هنا قررت الالتحاق بقسم الديكور".

4 سنوات قضاها الشاب بين أروقة المعهد وجدران المتاحف والمعارض، يتابع بشغف كل ما هو جديد، يراقب ويجرب ويتمرد ليصل إلى ما يضمن له تفرده بين أبناء جيله.

يقول: "بعد انتهاء الدراسة وعندما خرجت لسوق العمل اكتشفت أني ناجح وأعمالي تحقق النجاح، وطبعاً سوق العمل جعلني أمر بتجارب حياتية عدة تأثرت خلالها بفنانين كثر مثل دكتور رمزي مصطفى ومحمد عبلة ووالدي محمد قطامش، أما على المستوى العالمي فقد تأثرت بفان غوغ وسلفادور دالي".

أقوال جاهزة

شارك غردنزلت إلى الشارع، وقررت أن تكون البداية منه، لأني مقتنع أني حين أتصدى لبناء مجتمع، عليّ أولاً أن أبحث عن الفن فيه

شارك غردلا يوجد إنسان غير موهوب، كل شخص موهوب بطريقته، وبإمكانه أن يعبر عن موهبته بطريقة ما، وجميع الأطفال الذين تعاملت معهم موهوبون، وقدموا نماذج مبهرة

ويواصل: "منذ الصغر وأنا خجول ومنطوٍ على نفسي، ودوماً كنت أخشى اقتحام المجتمع بسبب صراحتي الزائدة، والتي تسببت لي في الكثير من المشاكل مع الغير، غير أني منذ خمس سنوات تحديداً قررت ألا أستسلم وبدأت في مواجهة كل مشاكلي ومشاكل مجتمعي بطريقتي الخاصة".

وما هي تلك الطريقة؟

نزلت إلى الشارع، وقررت أن تكون البداية منه، لأني مقتنع أني حين أتصدى لبناء مجتمع، عليّ أولاً أن أبحث عن الفن فيه، وكل مشاريعي الفنية بدأت من سؤال "كيف يمكن أن أترك أثراً في المجتمع" ووصلت إلى إجابة مفادها أن الفن هو ذاكرة الشعوب، والدليل أن الناس تتذكر المناسبات والأحداث سواء كانت سعيدة أو حزينة من خلال الأغاني.

طوال الوقت أبحث عن أفكار جديدة، وقد اخترت تعليم الأطفال الرسم في الشوارع والأحياء المعدمة لاكتشاف مواهبهم وتدريبهم على تغيير حياتهم عن طريق التعبير عن النفس بالرسم، لأن الأطفال هم مستقبل بلادنا.

وبدأت المشوار فعلياً منذ أربع سنوات، وكانت أول تجربة لي على كوبري قصر النيل بالقاهرة، نزلت إلى هناك وفرشت ألواني وورقاً أبيض وانتظرت مرور الأطفال لأطلب منهم المشاركة والتعبير عن أنفسهم بأي رسم يحبون، ووجدت إقبالاً كبيراً من الأهالي والأطفال على السواء".

بعد ذلك قررت أن أوسع الدائرة، فنزلت إلى منطقة نائية تسمى عزبة الزبالين، ومنها إلى المحافظات الفقيرة بعيداً عن القاهرة، وجعلت كل طفل يرسم ما يحلو له، فكتب أغلبهم عبارات ورسومات عشوائية كون معظمهم لا يجيدون القراءة أو الكتابة، وطبعاً كان لكل محافظة طابع خاص لأن الثقافة تختلف من مكان لآخر.

وهل اكتشفت موهوبين في تلك المناطق؟ وهل تتواصل معهم الأن؟

لا يوجد إنسان غير موهوب، كل شخص موهوب بطريقته، وبإمكانه أن يعبر عن موهبته بطريقة ما، وجميع الأطفال الذين تعاملت معهم موهوبون، وقدموا نماذج مبهرة، احتفظ بغالبيتها في البيت.

أحاول دوماً أن أدعمهم من خلال زيادة ثقتهم في أنفسهم والتأكيد على أنهم نماذج صالحة يمكنها أن تصنع المعجزات وتصل إلى أعلى المناصب بدلاً من إحباطهم لأن ظروفهم خارجة عن إرادتهم، كما أعرّفهم على فنانين في المناطق التي يقيمون بها لتدريبهم وتثقيفهم بدلاً من تركهم في الشوارع التي يمكن أن تحولهم إلى مجرمين.

أما في ما يتعلق بالتواصل فهو تقريباً مقطوع بيننا لأنهم لا يمتلكون أي وسيلة تكنولوجية تساعدنا في ذلك.

ماذا عن الصعوبات التي قابلتها لدى إتمام تلك المهمة الشاقة؟

لم أصادف صعوبات، إيجابيات هذا المشروع كانت أكبر مما توقعت، لدرجة أن فنانين من أصدقائي قرروا تعميم التجربة على طريقتهم، فنزل بعضهم إلى الميادين والكباري وقاموا بتلوينها فيما لوّن آخرون جدران محطة مترو الأوبرا، وطبعاً كان هذا حافزاً كبيراً لتدعم الدولة تلك المشاريع. غير أن الروتين قتل كل شيء ومن هنا أصبحنا ملزمين بالعمل بمفردنا، لأن عملي مع وزارة الشباب مثلاً أثبت لي أن تدخل الوزارة في أي مشروع يفسده.

كيف ذلك؟

ذات مرة حدثني أحد المسؤولين في وزارة الشباب عن تقديم مشروعي حول مسرح الشارع من خلال الوزارة، وبالفعل وضعت خطة لـ 50 موقعاً، وكانت فكرة المشروع تتلخص في أن يطوف الأطفال في القرية أو المدينة بشكل كرنفالي يضم عدداً من الفقرات الفنية التي تحكي عن شخص مهم ومؤثر من أبناء المحافظة مثل عمر مكرم أو أم كلثوم أو غيرهما من الرموز.

وفي النهاية يصل الأطفال إلى جدارية كبيرة تضم لوحات من القصص والمشاهد الكرنفالية التي قدموها، كما يتم تقديم عروض فنية على مدار أسبوع أمام الجدارية، حتى يتسنى لأهل القرية أو المدينة مشاهدتها.

هذا المشروع كان يمكنه أن يحقق أكثر من هدف، فمن ناحية يعلم الأطفال بطريقة غير مباشرة ويسهم في تغييرهم إلى الأفضل، ومن ناحية أخرى نكون قد ساهمنا في تجميل مكان قبيح ومهمل. غير أن المشروع لم يتكمل ولم أجد مسؤولاً في الوزارة يقدم لي سبباً مقنعاً لإيقافه.

لماذا لم تعرض تلك المشروعات على منتج أو جهة خاصة؟

لأنها لن تعود عليهم بالربح وهو ما يبحث عنه أي منتج قبل الشروع في تقديم عمل فني، لذا أكرر مرة أخرى أن هذا هو دور الدولة. فالأطفال هم المستقبل.

ماذا عن مشاريعك الجديدة؟

أدرب حالياً الأطفال في ورش عمل على فنون المسرح في أكثر من مكان بالعاصمة، وسوف أستمر في النزول إلى الشوارع والأحياء الفقيرة لأعلم الناس الرسم والمسرح. كما أجهز خطة للنهوض بمسرح الطفل، خصوصاً أننا نعاني في مصر من غياب النصوص المسرحية الجيدة التي تناسب الأطفال، ويكفي أن الهند مثلاً بات لديها مسرح طفل عريق وقادر على مخاطبة الأطفال والتأثير فيهم، بينما نحن نهتم بالشكل والإبهار البصري.

من هنا أفكر في عقد ورش عمل لاكتشاف مؤلفين جدد وتقديم نصوص ثرية بأقل التكاليف تخاطب الطفل من دون أن تستخف بعقله. كذلك أمتلك مشروعاً فنياً لتأصيل الثقافة والهوية المصريتين وتداولهما على السوشال ميديا، وهذا المشروع لا يكلف الدولة شيئاً وسيكون بمثابة وزارة ثقافة جديدة.

التعليقات

المقال التالي