الغيرة: التيمة التي اُختزلت بها صراعات السلطة والمصالح والنفوذ في تاريخ الإنسانية

الغيرة: التيمة التي اُختزلت بها صراعات السلطة والمصالح والنفوذ في تاريخ الإنسانية

مسألة تفسير التاريخ هي واحدة من أكثر المسائل التي انشغلت بها العلوم الإنسانية، وذلك في محاولة لاستقراء التجربة البشرية، وتقديم صورة أكثر اكتمالاً ونضجاً لما مرت به المجتمعات من تواريخ مُركبة معقدة.

من بين المناهج والنظريات التي ظهرت في سياق تفسير التاريخ، يأتي التفسير الفردي في المقدمة.

حظي هذا التفسير الذي يركز على أدوار أهل السلطة على القدر الأكبر من الإعجاب، وذلك لما فيه من تبسيط للأحداث الصعبة، ولتوافقه مع الاعتقاد الرومانسي بأن أقدار الأمم والشعوب تتوقف على أفعال شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص.

في هذا السياق، ظهرت فكرة الغيرة أو الحسد، كفكرة مركزية مفسرة للعديد من الأحداث العظيمة التي وقعت في التاريخ الإنساني، حيث تم اعتمادها كبديل للعوامل الحقيقية التي تسببت بهذه الأحداث.

يتناول المقال تيمة الغيرة في القصص الدينية المقدسة، والحكايات الشعبية وبعض الأحداث التاريخية، ويوضح كيف لعبت تلك التيمة شكلاً فارقاً في تكوين وتشكيل البناء القصصي عبر التاريخ الإنساني الطويل.

من قابيل إلى شاؤول: نار الغيرة التي تُحدّثنا عنها نصوص العهد القديم

مما لا شك فيه أن كلاً من الغيرة والحسد، قد لعبت دوراً في غاية الأهمية، في تكوين وتشكيل السردية الروائية للكتب الدينية المقدسة، سواء كان ذلك في الكتاب المقدس عند اليهود والمسيحيين من جهة أو القرآن الكريم والحديث النبوي عند المسلمين من جهة أخرى.

في سفر التكوين، يظهر دور الغيرة، في حادثة قتل قايين لأخيه هابيل، ذلك أن قايين الذي كان يعمل في الزراعة، قد اغتاظ جداً من تقبل الرب لقربان أخيه راعي الأغنام، وحدا به ذلك الغيظ لارتكاب جريمة القتل لأول مرة في تاريخ الإنسانية.

في التفاسير الإسلامية لتلك الواقعة، ومنها ما ذكره ابن كثير الدمشقي (تـ. 774هـ) في كتابه البداية والنهاية، فإنه -عادة-ما يتم تفسير غيرة قابيل وحسده لأخيه، برغبة الأول من الزواج بالفتاة التي يُفترض أن يتزوجها الثاني، ومن هنا فإن الغيرة الجنسية-العاطفية تبدو وكأنها هي الدافع الأهم في تلك الجريمة الشنعاء.

مع أنّ في فكرة قبول قربان من هابيل ورفضه من قايين بحدّ ذاتها تشير إلى تمييز لجهدين متساويين، لا تظهر فكرة العدل والحقّ كأساس لردة فعل قايين، وكاعتراض على المحاباة والتكريم الذي خَصّ الرب بهما أخاه دونه.

الغيرة أيضاً لعبت ملمحاً مهماً في ترسيم قصة أبناء النبي يعقوب.

فعلاقة الأبناء مع يوسف احتلت مكاناً بارزاً في ميدان قصص الغيرة في الكتاب المقدس والقرآن الكريم، حيث عملت تلك القصة على تبيان المكانة العالية التي تمتع بها يوسف عند أبيه، وكيف أن نار الحسد قد أكلت قلوب إخوته، حتى دفعتهم دفعاً لإلقائه في البئر.

ولكن الغيرة في تلك القصة، يتم اظهارها في مظهر سلبي، حيث تم التأكيد في نهاية قصة يوسف، أنه قد نال حظوة كبيرة ومكانة عالية في الدولة المصرية، مما أجبر إخوته على الاعتراف بخطأهم تجاه في نهاية الأمر، وندموا على غيرتهم منه.

أيضاً يحتوي الكتاب المقدس على قصة غيرة الملك اليهودي الأول شاؤول -وهو نفسه الذي يسميه القرآن بطالوت-من داوود الذي استطاع أن يثبت جدارته واستعداده لحكم شعبه عندما قتل جالوت الجبار قائد الشعب الفلسطيني.

ففي سفر صموئيل الأول، يتم ذكر تلك العلاقة المتوترة ما بين الرجلين "شاول الذي أحب داود جداً وجعله حامل سلاحه، دبّ الحسد في قلبه، إذ رآه ينجح في كل عمل تمتد إليه يداه، وصار يتمجد أكثر منه... الآن باطلاً يستخدم كل وسيلة للخلاص منه".

هكذا يستغرق السفر في عرض مظاهر الغيرة القاتلة التي طالت شاؤول، وكيف أنه قد أصيب بنوع من المس أو الجنون، وأن حبه الشديد لداوود العازف على قيثارته، لم يمنعه من الدخول في نوبات غضب هستيرية، حاول فيها أن يقضي على فتاه المحبوب.

وظل كذلك حتى قُتل في إحدى المعارك أمام الكنعانيين، ليخلفه داوود على عرشه، في خاتمة درامية لأحد أكثر قصص الغيرة المحيرة في الكتب المقدسة.

جساس يقتل كُليب: غيرة الزعماء التي أشعلت فتيل حرب البسوس

العرب قبل الإسلام أيضاً عملوا على استخدام تيمة الغيرة والحسد في قصصهم وملاحمهم الشعبية الخالدة.

ولعل أهم النماذج التي من شأنها أن تؤكد ذلك الأمر، هو الرجوع لقصة حرب البسوس، والكيفية التي اشتعل بها فتيل الحرب الأكثر دموية في تاريخ العرب.

بحسب ما يذكر محمد جاد المولى في كتابه أيام العرب في الجاهلية، فإن اندلاع تلك الحرب قد نتج عن مقتل كُليب بن ربيعة التغلبي على يد جساس بن مرة الشيباني البكري، وكان ذلك بسبب غيرة الثاني من مكانة الأول، وحسده إياه لزعامته وترأسه على العديد من القبائل العربية في ذلك الوقت.

هكذا تحاول السردية الشعبية، أن تبرز المعركة على كونها صراعاً فردياً ما بين اثنين من الزعماء القبليين، وأن هذا الصراع قد تطور شيئاً فشيئاً ليتحول لصراع أسري ثم تتسع رقعته ليصبح حرباً دامية محتدمة تشترك فيها الكثير من القبائل العربية، التي تنتظم على شكل تحالفات قوية ضد بعضها البعض.

الباحث في تاريخ تلك الفترة الضبابية من تاريخ العرب، سوف يلاحظ أن هناك الكثير من العوامل والدوافع الموضوعية التي تتضافر مع بعضها البعض، في سبيل تبرير تلك الحرب وصبغها بصبغة منطقية.

منها مثلاً الاستبداد السياسي الذي فرضته قبيلة تغلب على جيرانها، والطبيعة العربية البدوية التي تأنف من فكرة الخضوع للسلطة المركزية، بالإضافة لقلة الموارد الاقتصادية في نجد والبحرين، وهي المناطق التي عاشت فيها قبائل تغلب وبكر فيها بجوار بعضهما البعض إبان حروبها.

رغم أنّ الأسباب الحقيقة في اندلاع تلك الحروب العظيمة لم تكن لتخفى على العرب وقتها ولا على من جاء بعدهم وأرخ لها، إلا أنّ الثقافة العربية الشعبية، التي اعتادت أن تختزن وتحتفظ بموروثاتها التاريخية عبر الحكي والقصص، كانت تجد في تيمة الغيرة -كغيرها من التيمات القصصية الفردية-أسلوباً مميزاً ووعاء مناسباً لنقل المعلومة من جيل إلى أخر.

أبو جهل وابن أبي سلول: هل كانت الغيرة وحدها سبباً في كفر زعامات مكة والمدينة؟

يبدو المؤرخون المسلمون مولعين دائماً بذكر أخبار وتفاصيل الغيرة التي تسببت في منع كبار المشركين والكفار، من الدخول في الإسلام أو الإيمان برسالة الرسول الكريم، رغم اعتقادهم وتأكدهم من صدق مقالته.

عن ولع المؤرخين بالغيرة كتفسير لرفض كبار زعامات الجاهلية لرسول الإسلام، رغم اعتقادهم وتأكدهم من صدق مقالته

وفي الوقت ذاته يتناسى هؤلاء المؤرخون في أغلب الأحيان دور العوامل المادية والتاريخية الموضوعية التي تسببت في الوصول بالأحداث للصورة النهائية التي انتهت إليها.

على سبيل المثال، يذكر شمس الدين الذهبي (تـ. 748هـ)، في كتابه سير أعلام النبلاء، سبب معارضة عمرو بن هشام المخزومي -الذي لقبه الرسول بأبي جهل-للدين الإسلامي، فيورد قوله:

"تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه، والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه".

وفي السياق نفسه، يتم تقديم تيمة الغيرة الشخصية لتفسير معارضة عبد الله بن أبي بن أبي سلول للإسلام، حيث تتجاهل المصادر التاريخية الإسلامية، دور التركيبة السكانية المعقدة التي كانت موجودة في يثرب في الوقت الذي هاجر فيه الرسول إليها.

وتبسّط المشكلة برمتها، عندما تتعامل مع الأمر وكأن هناك فريقين فحسب، وهما المسلمون والكفار، وتجعل من ابن أبي سلول، زعيماً للمنافقين، الذين يُبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وتفسر موقفه ذلك، بالغيرة الشخصية من الرسول القادم من مكة.

بحسب ما يذكر جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، فإن المصادر التاريخية الإسلامية قد أجمعت على أن "عبد الله بن أُبي بن سلول" كان رجلاً شريفاً في يثرب لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان.

ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين غيره، وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم. فما راعه إلا مجيء الإسلام إلى يثرب وقدوم الرسول إليها، فانصرف قومه عنه، فضغن على الإسلام".

هكذا التفتت التواريخ الإسلامية لمسألة الغيرة ليس إلا، فأسهبت في عرض ملامحها ودقائقها وتفصيلاتها، دون أن تحاول أن تجد إجابات موضوعية للأسئلة المرتبطة بشكل التغيرات الاجتماعية التي أحدثها انتشار الإسلام في المجتمع اليثربي، والهزة العنيفة التي تعرضت لها السلطة الحاكمة في المدينة المنورة بعد الهجرة.

بالإضافة للتوابع والعواقب الاقتصادية التي نشأت عن هجرة جماعة المسلمين المكيين إلى دار هجرتهم، واستوطانهم إياه، ومشاركتهم اليثربيين في أرزاقهم.

أحد النماذج التي تنتظم في السياق نفسه، هو زعيم اليهود حيي بن أخطب، والذي يروي ابن هشام في سيرته، أنه كان متأكداً من كون الرسول هو نفسه النبي الذي تواترت أخباره في كتب اليهود المقدسة، غير أن ذلك التأكد لم يمنعه من عداوة الإسلام ونبي العرب.

هذا الرفض يفسره ابن هشام على أنه غيرة من ابن أخطب أن يكون نبي آخر الزمان من العرب لا من اليهود، ولم تتوقف المؤرخون عند دوافع أخرى تظهر تباعاً، عند التدقيق، وفق ما استجدّ من أحداث تاريخية.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي