لعنة الشيخ إمام عيسى تطارد خلفاءه في الأندرجراوند

لعنة الشيخ إمام عيسى تطارد خلفاءه في الأندرجراوند

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، احتضن الشيخ إمام عيسى عودَه واتّخذ من العزلة ملاذًا يؤويه في شهور عمره الأخيرة ـ وهو الرجل الضرير ـ من بطش حكومات وأنظمة سياسية متعاقبة، تفننت في اضطهاده هو ورفيق دربه الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، بعد أن تركا ميراثًا ضخمًا من أغنيات هادرة كالقذائف، ألهبت حماسة ثوار انتفاضة 18 و 19 يناير 1977، ولاحقًا ثوار 25 يناير 2011، برغم وفاة عيسى ومشاركة نجم فيها وهو في السبعين من العمر.

أكثر من ثلاثين عامًا عاشها الشيخ إمام برفقة أحمد فؤاد نجم، يؤسسان ـ دون سعي أو قصد منهما ـ للون غنائي مختلف عن السائد في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ليكونا أول فنانين ينقلان ما في صدور الشعب المصري ـ بعيدًا عن الخطابات الزاعقة ـ بعد نكسة 1967 المريرة ساخريْن من القيادة العسكرية، بكلمات حارقة كالرصاص: «الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا.. يا محلى رجعة ضباطنا من خط النار»، فيزج بهما في السجن، ويكون إمام أول سجين غنائي في التاريخ العربي، ومن ثم تستمر المسيرة الجالبة للشقاء، حتى توفي في 7 يونيو 1995.

أقوال جاهزة

شارك غرد إمام عيسى أول سجين غنائي في التاريخ العربي

شارك غردمسيرة الشيخ إمام، الملأى بالاضطهاد والتهميش على مدار 30 عامًا، عانت منها الكثير من الفرق الشبابية، المتخذة من الطابع السياسي خطًا رئيسًا لها

لكن أغنياته ظلٰت عالقة في أذهان عشاقه، وأضحت الدرس الأول الذي بدأت من خلاله غالبية الفرق الشبابية المصرية المسماة «الأندرجراوند».

لعنة الشيخ تطارد «إسكندريلا»

مسيرة الشيخ إمام، الملأى بالاضطهاد والتهميش على مدار ثلاثين عامًا، عانت منها الكثير من الفرق الشبابية، المتخذة من الطابع السياسي خطًا رئيسًا لها، بحسب قول حازم شاهين، مطرب ومؤسس فرقة «إسكندريلا»، الذي يقول: "من واجب الفنان أن يكون لسان حال شعبه، فليس كل الحياة عواطف وتغزّل في المحبوبة، فهناك قضايا معيشية يتحتم على كل مشتغل بالفن تناولها، برغم كون هذا اللون يعرض صاحبه للخسارة، ماديًا أو من حيث الانتشار".

يحكي شاهين لرصيف22 عن بداية تأسيس الفريق عام 2005: «اخترنا منذ البداية أن تكون أغنياتنا معبرة عن مبادئنا، فأعدنا تقديم أعمال الشيخين سيد درويش وإمام عيسى بطريقة جماعية، إلى جانب أعمال زياد الرحباني، وعلى عكس المتوقع حققنا انتشارًا مقبولًا، مما ينسف المقولة الزائفة بأن "الجمهور عايز كده".

أغنيات ذلك الثلاثي أصدق تعبير عن الشعوب، خاصة عن الطبقتين الوسطى والفقيرة، وهو ما كان سببًا في استمرارها حتى الآن»، ويعتبر الشيخ إمام مطرب ثورة 25 يناير الأول بلا جدال، لذلك يحاول هو ورفاقه السير على نفس النهج، حتى لو كلفهم ذلك عدم انتشار أغنياتهم، وهم أحياء.

بين مطرقة الرأسمالية وسندان الإعلام

ويضيف مطرب «إسكندريلا»: «المعاناة قدَر أي فن مختلف، بسبب اختيار أصحابه مبادئ معيّنة لا يحيدون عنها، مثل عدم التعامل مطلقًا مع جهات رأسمالية، لأن أغلب ما يقدمه أصحاب هذا اللون يعبّر عن السواد الأعظم من المجتمع، وهم الفقراء، وهذا ما سيكون سببًا في رفض هذا المنتِج الرأسمالي لإنتاج أغنيات تنتقده».

واستطرد: «ذلك الرفض التام للرأسمالية تسبب في تأخرنا ـ بإرادتنا ـ في الانتشار، فبعد 25 يناير كنا ملء السمع والبصر حين كانت البلاد في حالة ثورة، وشوق لكل ما هو مختلف، إذ عُرض علينا تقديم إعلانات لشركات الهاتف المحمول والمياه الغازية الكبرى، لكننا رفضنا احترامًا لمبادئنا، وهذا ليس معناه أن من وافق على ذلك مخطئ، لكن قبول هذا النوع من العمل هو في النهاية خيار يعبّر عن أصحابه».

علمًا أن التهميش المتعمد من قِبل إعلام الدولة التي ينتقدها إمام في أغنياته، والرفض القاطع لبث تلك الأغاني في إذاعتهم وتلفزيونهم، جعلا أغلب ما نُقل إلينا من أعماله رديء التسجيل، فكلها كانت اجتهادات سجلها الجالسون حوله في المكان الذي يشدو فيه، سواء أكان جامعة أو ندوة سياسية.

الأمر نفسه يعاني منه حازم شاهين ورفاقه في «إسكندريلا»، يقول: «ليس لدينا المال الكافي لإخراج الأغنيات بشكل احترافي، أي تسجيلها في أستوديوهات، فأغلب أغنياتنا ـ إن لم تكن كلها ـ يضطر جمهورنا لسماعها في حفلاتنا بساقية الصاوي، مقر وجودنا الأساسي حاليًا، أو يضطر للبحث عنها عبر يوتيوب، وهذه مشكلة، لأن أغنياتنا في هذا الموقع منقولة عبر الهاتف».

وحول اختفائهم إعلاميًا في السنوات الخمس الأخيرة، يؤكد شاهين أنهم لم يكونوا ممنوعين من الظهور على الفضائيات، مضيفًا: «من الممكن أن يكون بعض المسؤولين عن البرامج رأى أن وجود فرقتنا قد يعرضهم لمساءلة ما، بالإضافة إلى خوفه من حضور جمهورنا الذي قد يطلق هتافات ترفضها المحطة».

الشيخ المضطهد حيًّا والمخيف ميتًا

بعد وفاة إمام عيسى، أخد الشيخ علاء إبراهيم على عاتقه إحياء التراث الضخم من الأغنيات من خلال جمعه عددًا من الشباب الموهوبين والمحبين لذلك المطرب المختلف، وباءت تجربته هذه بالفشل ثلاث مرات، وفي كل مرة يغيّر المجموعة، لكن المصير واحد، وقد استمر على ذلك المنوال خمسة عشر عامًا.

ويرجع علاء إبراهيم ذلك الفشل إلى قمع سلطة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، التي كانت تلاحقهم، وتمنعهم من إحياء فعاليات يُذكر فيها اسم الشيخ إمام، وحينها فقد الشباب الأمل وتركوا الأمر برمته.

ويضيف علاء في حديثه لرصيف22: «بعد خلع مبارك في ثورة يناير، استعدت روحي، وجمعت مجموعة من الشباب الموهوبين المحبين والحافظين لأغنيات الشيخ إمام، وأنشأت فرقتي الحالية المسماة "الأولة بلدي"، وهو اسم مستلهم من إحدى أغنياته التي كتبها رفيق دربه أحمد فؤاد نجم».

حالة الأمل التي عاشها علاء ورفاقه في «الأولة بلدي» سُرعان ما انقلبت إلى إحباط مماثل لما عاشه في بداية تجربته، بعدما حاول طرق الأبواب المنوط بها مساعدة هذا اللون الشعبي، بدءًا من قصر ثقافة الريحاني المجاور لمنزله، عندما طلب من مسؤوليه غرفة وحيدة ـ ولو كانت تحت بير السلم ـ حسب قوله، لإجراء بروفات بها، فقوبل برفض قاطع، كذلك قلة الموارد، أو الأحرى انعدامها عند ظهوره وفرقته في المحطات الفضائية، الحال كذلك مع دار الأوبرا المصرية التي لم تسمح له بإقامة حفلات في أحد أصغر مسارحها.

لازم علاء إبراهيم الشيخ إمام خمسة عشر عامًا ــ كما يحكي ــ وسمع منه أن حلمه الوحيد عمل مسرح غنائي، لأن أغلب أغنياته تحتاج للأداء بطريقة جماعية، مثل «اتجمعوا العشاق، وغيفارا مات، ومصر يا ما يا بهية، وغيرها»، وهو ما حاول مؤسس «الأولة بلدي» فعله، من خلال كتابته حتى الآن 22 نوتة متوقفة فقط على الجهة التي تتبنّى إخراجها للنور، وليس هناك فرصة أفضل من قرب موعد مئوية إمام في 2 يوليو المقبل.

واستنكر إبراهيم رفض الجهات الثقافية والإعلامية تراث الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، قائلًا: «ادى ذكر اسميهما أمام المسؤولين في مصر يخافون لا أعلم لماذا، فكلاهما مات، والرئيسان اللذان انتقداهما في أغنياتهما ماتا أيضًا، ومن المنطق أن ننظر لتلك الأغنيات على أنها تراث، يجب علينا جميعًا حفظه».

واختتم الشيخ علاء إبراهيم: «افتراضًا أن هذه الأغنيات صالحة لكل عصر، ومن الممكن أن يُفهم منها أنها تنتقد الأوضاع الحالية، أليس من الأجدى أن يعتبروها من باب حرية الرأي والتعبير في ظل الديمقراطية التي يحدثوننا عنها ليل نهار؟».

التعليقات

المقال التالي