لجنة الدراما الجديدة في مصر تثير الجدل: هل الفن وصيّ على نفسه؟ أم أنّ للسلطة الحق في تقييمه؟

لجنة الدراما الجديدة في مصر تثير الجدل: هل الفن وصيّ على نفسه؟ أم أنّ للسلطة الحق في تقييمه؟

حالة من الجدل أثارها قرار المجلس الأعلى للإعلام المصري بتشكيل لجنة لتقييم نصوص المسلسلات التليفزيونية المزمع إنتاجها أو التي تم تصويرها قبل عرضها على المحطات المصرية.

اللجنة التي تم تسميتها بـ"لجنة الدراما" تضم في عضويتها مجموعة من النقاد وخبراء الإعلام والمخرجين والكتاب ويترأسها محمد فاضل أحد أسماء الإخراج الهامة في مصر.

ولكن فاضل أثار مبكراً عاصفة من الجدل حول دور اللجنة عندما قال في تصريحات إعلامية أن الهدف الأكبر والأهم بالنسبة للجنة الدراما هو أن يتماشى المحتوى الدرامي والفني مع ظروف الدولة والوقت الراهن وما تمر به من تحديات.

التصريح أثار حفيظة عدد كبير من الفنانين خاصة من الأجيال الجديدة لا سيما أن عمل اللجنة طرح على الساحة قضية أكثر تعقيداً وهي كيفية رؤية الدولة لأهداف الفن الاجتماعية والأخلاقية.

والسؤال الأهم: هل دور الفن أن يخدم السلطة أو بمعنى أكثر دقة أن يخدم أهداف الدولة، أم هو في الأساس إبداع خاص يعكس رؤية الفنان لقضايا المجتمع أو همومه الذاتية.

الرقابة والفن قصة قديمة قدم الفلسفة اليونانية، حيث نوقشت هذه المسألة في الرؤية الأفلاطونية للفنون باعتبارها وسيلة لترسيخ قيم الخير والجمال.

تاريخياً اتهم البعض أفلاطون برفض الشعر بمختلف انواعه ولكن الحقيقة أن النظرة الأفلاطونية رفضت الشعر التمثيلي باعتباره محاكاة لنواقص الواقع بينما تقبلت الشعر الملحمي والغنائي والتعليمي الذي يتخذ موضوعات مثل مدح الآلهة الأبطال، وقصص تغرس في النفوس قيم البطولة والخير، وتساهم في التربية والإرشاد. 

أقوال جاهزة

شارك غردهل يحق للدولة "توجيه" المبدعين لتقديم موضوعات معينة تتماشى مع سياساتها؟ هنا الجدل الجديد في مصر

ينعكس ذلك على تصريحات محمد فاضل في جريدة "المصري اليوم" حيث لم يجد أية غضاضة في اتهام الدراما التليفزيونية بتمرير قنابل مسمومة للمجتمع منذ - ماوصفه- بفوضى يناير 2011، بل وطالب الدولة بالعودة لإنتاج الأعمال الدرامية لتوجيه المشاهد للقضايا التي تريد مناقشتها بالطريقة المناسبة لأهدافها.

فاضل تطرق في أغلب تصريحاته لنظرية المؤامرة وهدم الدولة وأخلاق المجتمع.

إبداع موجه ودراما "مُختنة"

تشكيل لجنة الدراما يبدو واحداً من خطوات تتخذها الدولة المصرية لتوجيه الفن وذلك بعد نجاحها التام في السيطرة على وسائل الإعلام المختلفة وتحديداً القنوات التليفزيونية.

إلا أن غضب الؤسسات الحكومية من أداء الدراما التليفزيونية المصرية اتضح منذ أشهر مع حملة الانتقادات الواسعة التي شنتها صحف حكومية على مسلسل "سابع جار" الذي حقق نجاحاً كبيراً ومثيراً للجدل.

اتضح ذلك في غلاف مجلة "أخبار النجوم" الفنية والذي تصدره عنوان "العار في سابع جار" ملحقاً بصورة لمخرجات العمل الثلاثة، نفس الشيء حدث في مجلة "الكواكب" الفنية الحكومية أيضاً، وكذلك مجلة "روز اليوسف" التي أعدت ملفاً للهجوم على المسلسل.

تناول "سابع جار" حال الأُسر المصرية المنتمية للطبقة المتوسطة ولكن بشكل تضمن قدراً كبيراً من الجرأة المستجدة على طبيعة المحتوى التليفزيوني المصري، بالإضافة إلى واقعية التناول التي لا تميل للمواربة أو التجميل، فظهرت الخيانات الزوجية في إطار الأسرة الواحدة والعلاقات المتحررة بين المراهقين من أبناء وبنات الجيران.

توقف عرض المسلسل لمدة شهر تقريباً وعاد بجزء ثان ولكنه أقل إثارة للجدل عن الأول وهو مافسرته الناقدة خيرية البشلاوي عضو لجنة الدراما في تصريحات لرصيف22، أن "الجزء الثاني من العمل يختلف شكلاً ومضموناً عن الجزء الأول بناء على تدخلات المجلس الأعلى للإعلام وذراعه الفني "لجنة الدراما".

وتابعت: "المسلسل جيد على المستوى الفني ولا خلاف على أن نجاحه الجماهيري تحقق لأنه عمل جيد، ولكن لدينا ملاحظات حول بعض المشاهد والألفاظ وكذلك الأفكار التي تم تمريرها في العمل والتي لا شك أن مردودها السلبي على الأسرة المصرية لايمكن تجاوزه أو تجاهله، وأعتقد أن صناع المسلسل انتبهوا إلى ذلك في الجزء الثاني".

في المقابل أعلنت اللجنة عن نيتها تقديم قائمة بالموضوعات التي يُفضل أن يتطرق إليها مؤلفوا المسلسلات.

وبحسب الكاتب المخضرم مكرم محمد أحمد رئيس المجس الأعلى للإعلام المنبثق عنه لجنة الدراما، فإن الهدف من تشكيل اللجنة ليس تقييد الحريات بل توجيه المبدعين لتقديم موضوعات تنمي وعي المواطن تجاه التحديات التي تواجهها الدولة وعلى رأسها مثلاً قضية الإرهاب التي انتقد مكرم تجاهل الدراما المصرية لها على مدار السنوات الماضية.

هذا التصور أثار حفيظة "جبهة الإبداع المصري" التي أصدرت بياناً (هنا رابطه) تهاجم فيه بعنف تصريحات محمد فاضل رئيس لجنة الدراما حول اشتراط عرض المسلسلات فئة "+18" بعد منتصف الليل. 

من مسلسل سابع جار

وذَكَّرَت اللجنة في بيانها المخرج محمد فاضل بتاريخه الفني مع الكاتب الراحل أسامه أنور عكاشة، والذي وصفته بأنه كان مناصراً للتعددية وحرية التعبير طوال مشواره.

وشبّه البيان اتجاه الدولة لتشكيل هذه اللجنة بما حدث في عهد جوبلز وزير إعلام هتلر:

"لا نستطيع أن نجد مثالاً واحداً في التاريخ لقيام مؤسسة من مؤسسات الدولة بدور مماثل إلا في ألمانيا النازية في عهد هتلر ووزير دعايته جوبلز الشهير واستديوهات أوفا التي كانت تنتج المواضيع والرسائل التي يوافق عليها ويشجعها جوبلز... هل تلك هي الصورة التي نرغب في أن يكون عليها المشهد الفني في مصر؟ فن تحت الوصاية؟ فن مدجن؟"

لم تكن جبهة الإبداع  الوحيدة التي اتخذت هذا الموقف بل إن الفنان الكبير عادل إمام سخر من تشكيل اللجنة في موقف اعتبره البعض جديداً على قناعات الزعيم الموالية دائماً للسلطة، حيث قال في تصريحات لمذيع في قناة دريم أن اللجنة "فاشية وضد حرية الإبداع"، وأضاف أنّ الوصي على الفن "هو الفن نفسه".

يعرض لعادل إمام في رمضان القادم مسلسل "عوالم خفية"، على شاشة cbc التي رفض مالكها رجل الأعمال محمد الأمين بيعها إلى شركات تابعة للجهات السيادية المصرية، وهي أيضاً نفس القناة التي عرضت المسلسل المثير للجدل "سابع جار".

ولكن على الجانب الآخر دخلت القنوات التي تُعبّر عن سياسات الدولة على الخط بإنتاج مسلسلات تعكس هذا التوجه، يأتي على رأسها "أبو العروسة"، الذي يعرض على شاشة dmc ويقوم ببطولته سيد رجب وسوسن بدر.

يدور العمل في إطار اجتماعي حول الأسر المصرية المنتمية للطبقة المتوسطة والتدابير الاقتصادية التي تتخذها أسر هذه الطبقة لتزويج بناتها وأبنائها، يتطرق العمل أيضاً إلى قضايا اجتماعية أخرى مثل توابع التفكك الأسري على الأبناء.

صحيح أن العمل خلق حالة إعجاب لاتخلو من حنين لحقبة زمنية ماضية ولكنها لا تتشابه بظروفها مع الوضع الراهن في المجتمع المصري.

من مسلسل أبو العروسة

بعد عرض "أبو العروسة"، تستعد قناة DMC لإنتاج مجموعة من المسلسلات الاجتماعية التي يرى المسؤولون فيها أنها تدعم قيم المجتمع المصري وتستعيد أخلاقيات تنسب لما يعتبر "الزمن الجميل".

أكّد مصدر بإحدى شركات الإنتاج المتعاونة مع المحطة لرصيف22 أنّ هناك مراجعة أخلاقية لكل النصوص التي ستنتجها القناة المتعارف على أنها قناة الدولة "شبه الرسمية"، بل إن هناك لجان داخل المحطة تطلب من الكتاب حذف ألفاظ ومشاهد من السيناريو، وتطور ذلك لوضع قائمة بموضوعات محددة مطلوب كتابة أعمال في إطارها.

إذا كان تشكيل لجنة للدراما قد قوبل بقلق كبير من قبل المبدعين إلا أن الناقد الفني محمد عاطف يرى أن اللجنة لن تقدر على منع أي عمل أو تقييده طالما أن صلاحياتها غير معلنة أو واضحة بل إن أغلب عناصر الصناعة تقع في يدي القطاع الخاص وهو ما سيضمن عدم سيطرة اللجنة أو أي جهة مشابهة على المحتوى الفني بشكل مطلق.

ويقول عاطف لرصيف22: أعتقد أن التصريحات المبالغ فيها من قبل أعضاء اللجنة هي التي خلقت الرأي العام السلبي تجاهها بل أستطيع القول أنها ربما تتآكل بمرور الوقت نتيجة هذه التصريحات الإعلامية الإنفعالية.

الأزمة الأكبر تقع في فلسفة اختيار أعضاء اللجنة ومدى قرب أعمارهم من الشرائح الأكبر من مشاهدي الدراما التليفزيونية المصرية وهو ما يعتبره "عاطف" سبباً رئيسياً في طرح سؤال هام وهو:

أيّ نوع من اللجان نحتاج في مصر كي ندعم صناعة الدراما التليفزيونية كمنتج مصري هام؟

وهل هذه اللجنة بتكوينها وطبيعة أعضائها هي المناسبة حتى لعلاقة الدولة تجاه الفن في اللحظة الراهنة.

التعليقات

المقال التالي