منع تداول كتاب ينتقد البخاري في المغرب يفتح السجال حول مفهوم "الأمن الروحي"

منع تداول كتاب ينتقد البخاري في المغرب يفتح السجال حول مفهوم "الأمن الروحي"

منعت محكمة مغربية مؤخراً تداول كتاب "صحيح البخاري... نهاية أسطورة" للكاتب رشيد أيلال. وكان الكتاب الصادر في نهاية أغسطس 2017 قد ولّد جدلاً في المغرب، لتعود تلك الحالة من جديد بعد صدور قرار من محكمة مراكش بمنع عرض الكتاب في المكتبات.

وجاء في حيثيات الحكم أنه صدر بعد طلب مقدم من والي جهة مراكش اعتبر فيه أن صفحات الكتاب تتضمن مساً بالأمن الروحي للمواطنيين ومخالفة للثوابت الدينية المُتفق عليها.

 

وهذا ليس المنع الوحيد لعمل إبداعي في الآونة الأخيرة. يأتي السجال الجديد بعد فترة قصيرة من سحب لوحة "كاماسوترا" للفنانة التشكيلية المغربية خديجة طنانة من العرض في متحف الفن المعاصر بمدينة تطوان المغربية.

وتناولت اللوحة المذكورة أوضاعاً جنسية مستوحاة من كتاب معروف في التراث العربي، وهو كتاب "الروض العاطر في نزهة الخاطر"، لصاحبه التونسي محمد النفزاوي، وشكّل منعها صدمة جديدة في الأوساط الثقافية المغربية.

وعقب صدور الكتاب، تلقى كاتبه تهديدات بـ"الجلد وقطع الدابر"، والغريب أن بعضها كان علنياً، في حين سفّه آخرون محتوى الكتاب، كما مُنع حفل لتوقيعه بمدينة مراكش بقرار من عمدة المدينة شخصياً، حسبما أكّد مؤلف الكتاب رشيد أيلال لرصيف22.

وقلّل رئيس المجلس العلمي ومدير معهد البعث الإسلامي للعلوم الشرعية بوجدة، مصطفى بن حمزة، من قيمة الكتاب ووصف كاتبه بالجهل، وخصص مكافأة مالية لمَن ينجز بحثاً عن البخاري يرفع فيه من قيمته.

وقال أيلال لرصيف22: "أتلقى يومياً عشرات الرسائل الهاتفية بالقتل وإهدار الدم من أرقام مجهولة وحسابات وهمية على فيسبوك حتى قبل صدور الكتاب، ولا أعرف لماذا يختزل هؤلاء الإسلام في شخص البخاري فقط".

بيع نضالي

بعد منع الكتاب، ما كان من صاحبه سوى تعميم أرقام هاتفية لبعض معارفه في مراكش والدار البيضاء ممّن يتكفّلون بتوصيل الكتاب إلى مَن يريد شراءه واضعين نسخه "تحت المعطف" خوفاً من المصادرة، في أسلوب توزيع وصفه أيلال بأنه "طريقة البيع النضالي".

"الكتاب سيصل إلى مَن يريده في الوقت والمكان المناسبين له حتى بعد قرار المنع ومهما كانت العقبات"، يقول المؤلف.

وعلى الحكم القضائي الصادر بحق كتابه يعلّق: "هل يُعتبر كتاب صحيح البخاري هو الإسلام، فإذا كان كذلك فهذا معناه أن الرسول لم يُكمل تبليغ الرسالة حاشاه صلى الله عليه وسلم، وبقي المسلمون مئتي سنة بعد وفاته دون إسلام كامل حتى جاء البخاري فأكمله".

ويضيف: "هناك محاولات من البعض لجرّ المغرب إلى مستنقع قمع الحريات، لكن لن يستطيع هؤلاء ذلك، فالمغرب اختار طريقه منذ أمد طويل ولا تراجع عن الحريات، لا سيما مع وجود دستور 2011 الذي يُعتبر مكسباً كبيراً للمغاربة".

أقوال جاهزة

شارك غرداعتبرت المحكمة أنه يتضمن مساً بـ"الأمن الروحي" للمواطنيين... ما هي قصة منع كتاب "صحيح البخاري... نهاية أسطورة" في المغرب وكيف ينظر المثقفون إلى الأمر؟

شارك غردصاحب كتاب "صحيح البخاري... نهاية أسطورة" الممنوع في المغرب: "أعظم جناية جناها الحديث هي التسبب في هجر كتاب الله، ليحل هو محله... حتى أصبح لدينا دين آخر مأخوذ من الحديث لا علاقة له بالقرآن"

قمع حريات أم "أمن روحي"؟

يرى الباحث السياسي مروان بن فارس أن مفهوم الأمن الروحي ليس مفهوماً علمياً بقدر ما هو مفهوم يتم توظيفه لأغراض دينية وسياسية.

ويضيف لرصيف22: "مفهوم الأمن الروحي في المغرب هو مفهوم غامض، وفي الحقيقة تم استعماله في سياق الضبط الاجتماعي، في التعامل مع الأقليات الدينية الناشئة كالشيعة والخوارج والمسيحيين وغيرهم، وتسهر عليه مؤسسات كوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وكذا الرابطة المحمدية للعلماء ومؤسسات رسمية تابعة للدولة وعلى كل الأفكار والتعابير المختلفة عن نهج السلطة واختياراتها".

بينما يرى الكاتب الأمازيغي أحمد عصيد أن المقصود بالأمن الروحي ليس أمن كل المغاربة، بل بعضهم فقط، وهم المسلمون منهم، وليس كل المسلمين، بل بعضهم أيضاً وهم الذين على "المذهب المالكي السني الأشعري"، ويضيف أنه أمنٌ للذين هم على الإسلام الرسمي الذي تتبناه السلطة وتعتبره اختياراً أبدياً لها وثابتاً من الثوابت السياسية التي تدرجها في إطار "المقدسات".

واعتبر عصيد أن مفهوم الأمن الروحي يطرد باقي طوائف الشعب على اختلاف دياناتهم وأصولهم من حماية الدولة، لأنهم يُعتبرون مصدر لتهديد "مغاربة المذهب المالكي السني الأشعري"، وكل ذلك يأتي كخرق لحرية الاعتقاد والتنظيم والتجمع والفكر وغيرها من الحريات التي ضمنها الدستور.

الكتاب و"الأساطير الخرافية"

صدر الكتاب عن دار الوطن في 283 صفحة، واعتبر الكاتب في مقدمته أن الكثير من الأساطير والحكايات التي وصفها بالخرافية والتي نُسجت حول هذا "الصحيح" غير صحيحة، وأنه لا يوجد إجماع بين السلفيين عليه.

جاء الكتاب في خمسة فصول تتضمن عدداً من المباحث لمناقشة عدد من القضايا الشائكة التي يستعرضها الكاتب في حديثه لرصيف22، فيقول: "انطلق الكتاب من سؤال محوري حول التراث الديني ومكانة صحيح البخاري الحقيقية، فالرسول قد نهى عن كتابة الحديث من خلال الحديث الذي رواه الدارمي، وهو شيخ البخاري، والذي يقول فيه الرسول: ‘لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن، ومَن كتب عني غير القرآن فليمحه’، حتى أن عمر بن الخطاب أحرق رقعة دُوّنت عليها أحاديث منسوبة للرسول الكريم".

ويتساءل أيلال: "لماذا تأخر تدوين السُنة لحوالي مئة سنة بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهي بهذه القيمة في التشريع كما يعتقد شيوخ السلفية وغيرهم؟".

وتابع أن السلفيين لا يعتبرون السنّة "مبيّنة ومفصّلة لما في القرآن، بل يعتبرونها قاضية على الكتاب وناسخة لأحكامه عند التعارض، فهي في خطابهم الأصل الثاني من أصول التشريع بعد القرآن، لكن في الواقع العملي التطبيقي نجد أنها الأولى، بلا منازع، وكتاب الله لديهم تابع لها".

ويتساءل أيلال: "هل نحن أمام كلام للرسول مباشرة، أم أمام فهم الرواة عن بعضهم البعض لما قاله رسول الله؟ مع التنبيه إلى اختلاف القدرات العقلية والفكرية لكل شخص عن الآخر".

ويؤكد أن "أعظم جناية جناها الحديث هي التسبب في هجر كتاب الله، ليحل هو محله، على مستوى التشريع، وعلى مستوى العقيدة، وعلى مستوى العبادات، حتى أصبح لدينا دين آخر مأخوذ من الحديث لا علاقة له بالقرآن الذي أصبحنا نستدعيه فقط في أمور شكلية".

ويحاول الكتاب وضع تعريف علمي لمعنى كلمة "الحديث"، ويرى أن الحديث كلام من الله وليس كلام الرسول، كما جاء في كتاب الله: "تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ"، وكذلك "اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا".

ويذهب الكاتب إلى أن علم الرجال شأنه شأن علم الحديث، فهو ليس بعلم، ويفترض جدلاً أن مسلم روى في صحيحه حديثاً عن سلسلة من الرواة تبلغ ستة أجيال مثلاً، فسيكون آخرهم بالبداهة هو مَن رآه الشيخ مسلم مباشرة، أما الخمسة الآخرون فلم يرَهم ولم يلتقِ بهم، فكيف يمكن عقلاً وعلماً وبداهة إثبات أنهم فعلاً رووا عن رسول الله هذا الحديث الذي ادعى مسلم أنه نقله عن شيخه. وإذا كان هناك حسن ظن بالشيخ وبأنه صادق في نقله "فكيف يمكنه الحكم على أشخاص لم يرهم ولم يلتق بهم؟".

لماذا البخاري؟

يقول أيلال إن بحثه في سيرة البخاري انطلق من اهتمامه بـ"نقد الموروث الديني، الذي ورثناه عن آبائنا وأجدادنا من غير مشورة منا"، حسب وصفه.

ويرى أن سيرة البخاري ارتبطت بالخرافات والأحلام منذ كان طفلاً. وعن هذا يقول إن المؤرخين رووا أن بصره فُقد وهو صغير فرأت أمه إبراهيم الخليل عليه السلام في المنام فقال لها: "يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك أو لكثرة دعائك" فأصبح وقد رد الله عليه بصره.

ويشير إلى أن كل المادة التي نُسجت منها سيرة البخاري هي مادة أسطورية شجعها الغلو في تقديس الرجل والغلو أيضاً في تقديس كتاب الصحيح المنسوب إليه.

ويورد الكتاب بعضاً من النماذج لأحاديث يرى أنها تتنافى مع العلم والمنطق، منها أن الرسول حاول الانتحار، إذ جاء في "الصحيح": " قَالَ الزُّهْرِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ؛ فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ".

كما جاء فيه أن الرسول كان يسب المؤمنين كما يتّضح من حديث عن أبي هريرة، "اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وعلى عكس ما أخبر الله به نبيه في القرآن من إقرار حالة الغنى للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى في سورة الضحى: "وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى"، نجد صحيح البخاري يخبرنا في حديث "عن عائشة رضي الله عنها قالت: مات رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير".

تضامن مع الكاتب وكتابه

تقول الفنانة التشكيلية خديجة طنانة لرصيف22 إن المنع جاء صادماً، خاصة أنه جاء بُعيد منع لوحتها "كاموسترا".

وتضيف: "كل ما يحدث في المغرب هو نتاج لردة فكرية ظلامية ناتجة عن التعليم المتزمت القائم على أسس دينية غير صحيحة، ونحن نعيش نكسة حقيقية وحالة هشة للحريات التي يحاربها النظام في سبيل دعم الظلامين وإقصاء الحركة التنويرية التقدمية".

وتشير طنانة إلى أن فكرة "الأمن الروحي" ابتدعها النظام خوفاً من الإسلاميين، وتتساءل: "كيف يمكن أن يتطور المجتمع والأفواه مقفولة والأيادي مشدودة؟".

ويتفق معها في الرأي الكاتب والمفكر المغربي الدكتور بوزيد الغلى ويقول: "الغريب أن يتم المنع في زمن حكومة أمسى بعض وزرائها كوزير حقوق الإنسان في طليعة المناضلين وخطباء منابر الحرية والديمقراطية في ساحات الجامعة وتحت قبة البرلمان، ثم أصبحوا أشد بأساً على حرية الرأي والتعبير مَن كل من كانوا ينعتونهم بالجلادين، فالطريق إلى حرية الفكر وحرية الرأي لا تمرّ عبر منع الكتب أياً كان مضمونها، والكلمة تواجَه بالكلمة الهادئة لا بقرار المصادرة".

أما الكاتب والروائي شكيب أريج فله وجهة نظر مغايرة، إذ يرى أن المنع جاء خدمة كبيرة للكتاب وصاحبه، ولا يرى في ذلك مؤشراً على وجود ردة فكرية بالمغرب. ويقول لرصيف22: "لولا رياح فكر وهابي وطائفي تلوث صفو المناخ الثقافي لكان بالإمكان القول إن للمغرب الريادة الفكرية عربياً".

ونددت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بحكم منع الكتاب واعتبرته عودة إلى عصور محاكم التفتيش والتضييق على حرية الرأي والتعبير، ومنع تعدد القراءات والتأويلات للنصوص بشكل عام.

ويقول الناشط الحقوقي طارق سعود لرصيف22 إن "قرار منع الكتاب جاء كتوظيف خطير للقضاء من أجل الحد من الحريات وعلى رأسها حرية الرأي والتفكير"، مشيراً إلى أن "مصادرة الكتب التي تسلط الضوء على الموروث الديني فيه كبح للأقلام الجريئة وتكريس للتابوهات وتشجيع على استمرار الفكر التقليدي، وكل ذلك يتم بمباركة الدولة وبحجة الحفاظ على الأمن الروحي، حتى أنها لم تفتح حتى الآن أي تحقيق بشأن ما يتعرض له المؤلف من تهديدات".

كما يستنكر الحقوقي رشيد عنتيد منع الكتاب، ويشير إلى أن كتباً مثل كتب ابن تيمية وغيرها من الكتب التي تحرّض على الإرهاب والقتل تُباع بشكل علني في جميع المكتبات، ويقول: "كل الحروب ضد التنوير تتم من مسؤولي الدولة وليس من طرف التنظيمات والأحزاب المتطرفة فقط".


صفاء الشبلي

كاتبة وإعلامية مصرية ساهمت في تقديم مواد متلفزة لعدد من االقنوات الفضائيات. تهتم بالقصص الإنسانية وتسعى لتقديم محتوى إعلامي مساند لقضايا المرأة وحقوق الإنسان.

التعليقات

المقال التالي