"فنون القول": الشعر المتألق في مجالس أسوان

"فنون القول": الشعر المتألق في مجالس أسوان

انتشار الفنون الشفاهية في مصر، لم ينقطع عبر تاريخها الطويل.

ولم يمنع تغيير اللغة عبر التاريخ، حتى الوصول إلى اللغة العربية، الشعب المصري من الاستمرار في قول الشعر، وإن اصطبغ بالطابع المحلي المصري.

يسمى الشعر الشفاهي في مصر "فنون القول"، ومن يقوم بإلقاءه يسمى "القَوَّال"، وهي قائمة على اللغة العامية، واللهجات الصعيدية، ما يكسبها خصوصية إضافية، مع العلم أن لهجات الصعيد عديدة، حتى إن بعض القرى المتجاورة قد تختلف في لهجتها.

أسوان ملتقى الثقافات والشعر

يعتبر جنوب مصر حاضناً خصباً للثقافة الشعبية في مصر، فالجنوب ظل لسنوات كثيرة منغلقاً على ذاته، ومتمسكاً بالعادات والتقاليد بشكل كبير.

كل هذا ساهم بشكل كبير في الحفاظ على الموروث الثقافي الشفاهي المصري، وفي أسوان تحديداً نجد انتشاراً كبيراً لفنون القول، ومن أسباب ذلك كون أسوان محافظة حدودية، ويوجد فيها لقاء بين مختلف الثقافات واللهجات الموجودة في الجنوب.

يخبرنا الكاتب والباحث في التراث أحمد أبو خنيجر أن الفنون ذات البنية الرباعية هي الأكثر انتشاراً في أسوان، وهي المكونة من أربعة أبيات في الوحدة. أمّا بالنسبة للموال، قد يكون خماسياً -أو أعرجاً - بالإضافة إلى الموال السباعي، وهو أشهر أنواع الموال.

تتعدد أشكال فنون القول، ما بين "الواو" و"النميم" و"الموال" و"الكف" وغيرها، وهناك أيضاً "العدودة"، وهي الأشعار التي يتم إلقاؤها حزناً على الميت، وأيضاً أغاني الأفراح، وهما أيضاً ذوو بنية رباعية.

واو السيرة الهلالية

فن "الواو" ينتمي للبنية الرباعية أيضاً، والبنية الأشهر له هي بنية ابن عروس، التي تجلت بشكل كبير في السيرة الهلالية، من أقوال ابن عروس ضمن فن الواو:

إوعى تقول للندل يا عم

لو كان على السرج راكب

ماحد خالي من الهم

حتى قلوع المراكب

وأيضاً:

دنيا تجاريب تجاريب

تاهت فيها البصارة

المعزة تجري ورا الديب

والمعزة تاكله الحمارة

يشرح أبو خنيجر بأن فن "الواو" سُمّي بهذا الاسم في السياق الشعبي، لأن الشاعر لا يكون معروفاً، وعلى مر الوقت قد ينسى، وقد يتم التغيير في بعض الجمل على يد القوالين، فينقل شعره مسبوقاً بـ"وقال الشاعر".

ويتميز هذا الفن أيضاً بأن يكون الشطر الأول والثالث متفقين في الجناس والقافية، والثانية والرابعة متفقتان في الجناس والقافية أيضاً مثل:

تلت بنات كلموني

يا بخت من قال لأبوهم

لهم نهود كاللموني

يا بخت من قلبوهم

أقوال جاهزة

شارك غرداعتماد "فن القول" على اللهجة المحلية جعل هذه الفنون الشعبية على وشك الانقراض

شارك غرداستطاع الجنوب المصري لأنه بقي منغلقاً على ذاته، ومتمسكاً بالعادات والتقاليد بشكل كبير، أن يحفظ الفنون الشعبية المحكية

موال مقفول... وموال أعرج

من أنواع المواويل في فنون القول الموال الرباعي أو "النميم"، وقواعد قافيته تلتزم جناساً كاملاً في الأربع شطرات.

ويوجد ما يسمى بـ"الموال المقفول"، وهو أن الأربع كلمات في جناس كامل ولكن لكل منها معنى مختلفاً، فالموال غير المقفول له نفس القافية بدون جناس كامل، وللدلالة على مهارة المنشد يتم القول بأنه موال مقفول، وذلك في الموال الرباعي.

أما الموال الخماسي المسمى بـ"الأعرج" فتتغير قافيته في الشطرة الرابعة، ثم تعود ثانية في الشطرة الخامسة، أما الموال السباعي فتكون القافية واحدة في أول ثلاث شطرات وتتغير في الشطرة الرابعة، ثم تعود في السابعة، مثل موال أحمد برين، أحد أشهر القوالين:

ياللي أنت غاوي النسب حاسب من الألوان

البودرة بتغش حاسب من الألوان

البحر واحد لكن السمك ألوان

خليك موزون واسمع نصحنا فيهم

لو طعتهم يوم تبقى على الدوام فيهم

كيد النسا شين يحتار الدليل فيهم

أوحش ما فيهم توريك المرار ألوان

النميم، وهو أيضاً ذو بنية رباعية، أكثر ارتباطاً باللهجة المحلية لأسوان، وينتشر بين قبائل الجعافرة الموجودة في مدينة دراو في أسوان، وبين قبائل العبابدة والبشارية المنتشرة بين البحر الأحمر وحوض النيل.

يتألف النميم من أربعة أبيات ذات قافية واحدة، ولكن المشكلة في النميم لهجته، فهي تجعله عصياً على الفهم خارج إطار الجماعة، مثل قول أحد المسافرين:

لما أبو عجل سرج فضلت أزود له وأجوده

طلعتله جنون فوق القضيب تجوده

بحري البلد شوفت المرخي عوجوده

شاشه بإيده وقال بالسلامة تعودوا

يتحدث القوّال هنا عن القطار ساعة تحركه على السكة، وكيف أنه لوح للمسافر بالسلامة، وحرف الجيم هنا بدل حرف القاف، فـ"وجوده" مثلاً يُقصد بها "وقوده".

الاعتماد على اللهجة المحلية جعل هذه الفنون على وشك الإنقراض، لأنها فنون يقولها الأفراد في أطرهم الضيقة، ولا يوجد تدوين لها، ولا يوجد ما يثبتها.

جلسات جر النميم... وضرب "الكف"

من أشهر أنواع جلسات القول جلسات جر النميم، حيث يلتقي قوالان أو أكثر في جلسة سمر، ويبدؤون بقول ما يسمى "الفرش والغطا"، وهو أن يبدأ أحدهم باختيار موضوع ما، ويحاول الآخر أن ينهيه، لذلك سميت "جر النميم".

أما فن الكف فهو عبارة عن مجموعة من "الكفافة"، وهم خمس أو ست شبان يقفون في صف واحد، يقولون اللازمة التي يسمونها "الخانة"، وهي الموضوع الذي سيغني عنه الفنان، ثم يصفقون بأيديهم. 

الخانة هي أن يقول أحد الشبان شطرة واحدة متكررة، ويقول الكفاف ثلاث شطرات، بحيث أنه يقوم بإكمال الرباعية، مثلاً:

رحت أزوره قالوا تعيش أنت

من جايه روحي الحصى نعام (الحصى أصبح ناعماً)

بكيت دمعي حصان عام (عام الحصان من كثرة دموعي)

رحت أزوره قالوا تعيش أنت

ينتمي هذا المثال لنوع الكف الرئيسي أو مايسمى "الثلثاوي" أو "الفوقاني"، وهو دائماً مقفول، ومن الممكن أن يقول الشبان خانة رباعية، أي أربعة أبيات، ويجب على الفنان أن يرد بأربعة أبيات أيضاً متشابهة تماماً، وفي نفس الموضوع ويقال الكلام ارتجالاً.

تحديات القوالين وهجاؤهم

من الممكن عند تواجد أكثر من قوال في حلقة الكف، أن تحصل تحديات بين القوالين، فمثلاً نجد رشاد وشوبير يهجيان بعضهما باستخدام بنية رباعية، فيقول رشاد وهو الأكبر سناً:

ياللي أنت مش قد التحدي

بحورنا جاي تعدي

كن شجاع وتعالى واجه

كن شجاع وقد التحدي

فيرد شوبير : أنا بحر كل القارات. وكان رداً كافياً، فيرد عليه رشاد:

بيفشّر وعامل له غارات

وبيقول بأنه بحر كل القارات

لو قال مين هم يا حضرات

أنا اعترفله ويبقى نجم

التعليقات

المقال التالي