كان يا ما كان في مصر… راقصة باليه اسمها ماجدة صالح

كان يا ما كان في مصر… راقصة باليه اسمها ماجدة صالح

في العام 1966، كانت دار الأوبرا في القاهرة على موعد مع أول عرض باليه مصري بعنوان "نافورة بختشي سراي"، شاركت فيه خمس فتيات مصريات بعد تدريب لمدة عام في الاتحاد السوفييتي آنذاك.

ورغم وجود أربع فتيات أخريات غيرها في العرض، بقيت ماجدة صالح تُعرف كأول راقصة باليه مصريّة، تروي قصة هذه الرقصة وتُمسك بأساسات ذاك الفنّ الكلاسيكي الذي بدأت بذوره في أواخر الخمسينيات مع تأسيس وزير الثقافة المصري وقتها ثروت عكاشة معهد الباليه.

وتحوّل اسم ماجدة صالح ليصبح مرادفاً للحديث عن الباليه المصري مذ حظيت بشهرة باهرة واختيرت من فرقة "البولشوي" الروسيّة لمشاركتها في أحد عروضها.

هذه الأيام، بين 13 و18 مارس، تُكرّمها فرقة الرقص والمسرح "From the Horse’s Mouth"، في نيويورك، وخلال الفعاليات كان هناك فيلمين وثائقيين يستعرضان تاريخ الرقص في مصر هما "هامش في تاريخ الباليه" للمخرج هشام عبد الخالق وفيلم "الرقصات المصرية" ( 1977)، الذي شاركت صالح في بطولته والتعليق عليه.

هنا نتعرّف على ماجدة صالح، منذ اللحظة الأولى التي حلّقت فيها "فراشة الباليه"، كما تُعرف، على مسرح دار الأوبرا قائلة "انظروا لي، لديّ حكاية أرويها لكم".

"عرفت أن هذا ما أريده طيلة حياتي"

تبدو حكاية صالح، كراقصة ومدرّبة رقص ومديرة لدار الأوبرا لاحقاً ثم انتقالها للعيش في أمريكا، مرآة لما عاشته مصر على مدار العقود الماضية، من حماس للتجارب السياسية والأيدولوجية والثقافية إلى فترات الصدمات الحضارية.

وقد جاءت مسيرة حياتها عكسية لحال الكثير من النساء في مصر، وهي تبحث عن "إعادة اختراع نفسها" وبلوغ غاية شغفها بما أرادت أن تكون منذ طفولتها المُبكرة: راقصة باليه.

"لم أكن لأصبح الشخص الذي أنا عليه الآن إذا لم أكن قد مررت بكل ذلك، لو بقيت في مصر كنت كأي فتاة مصرية عادية، لكبرت وتزوجت مثلما تفعل معظم نساء الشرق الأوسط"، كان هذا ما قالت في مقابلة لها مع "Shelter Island Reporter".

تقول صالح في إحدى مقابلاتها "كنت آخذ دروس في الباليه وأنا أفكر إن معلمتي ترقص في البولشوي، وأنا أراقبها كان ينتابني شعور لم أكن قادرة على وصفه. حينها عرفت أن هذا ما أريد أن أفعله طيلة حياتي".

نشأت في القاهرة مع 3 أشقاء لأب مصري وأم اسكتلندية. كان والدها من أوائل خريجي كلية الزراعة في جامعة القاهرة، وحصل على منحة للدراسة في مدينة غلاسكو، حيث التقى والدتها التي عادت معه إلى مصر وتزوجا عام 1937.

بدأت صالح تعلم الباليه في سن مبكرة، وتماهت معها تماماً في سن المراهقة، مع أن والدها كان قد قبل ذلك على مضض لأن الحديث عن الرقص آنذاك كان بمثابة الشتيمة.

تروي صالح "كان أكاديمياً بارزاً، ومن وجهة نظره كان يرى أن امتهاني الرقص سيزجّني في حرب اجتماعية، ولم يكن سعيداً باختياري المهني في البداية، خصوصاً في ظلّ الفكرة النمطية عن الراقصين والفنانين في المجتمع المصري"، حسب ما تروي.

ومع ذلك التحقت صالح بمدرسة الكونسرفتوار في الإسكندرية، والتي كانت تضم قسماً للباليه يشرف عليه معلمين من الأكاديمية الملكية البريطانية، قبل ما أن يغادروا مصر مع تغير الأوضاع السياسية.

وفي العام 1958، قدمت فرقة "Moiseyev" الروسية إلى مصر للقيام بجولة للرقص، شملت الإسكندرية، "حينها تمت دعوة المخرج لمشاهدة أطفال الباليه المحليين الصغار، واستدعاني... أتذكر أنه أخبرني أنني موهوبة، وأن هناك معلم من مدرسة البولشوي لإطلاق أخرى مماثلة في القاهرة، وأنه عليّ التقدم إليها"، حسب كلام صالح نفسها.

وعندما بلغت الـ14 من عمرها، كانت تدرس مع هيئة تدريس روسية في أكاديمية تدعمها وزارة الثقافة المصرية، كانت مثل جامعة للفنون، تضم 7 مؤسسات والباليه واحدة منها. وفي كل عام كان يأتي المزيد من المحترفين السوفييت في برنامج تدريبي أكاديمي مدته 9 سنوات.

"لم يستطيعوا تصوّر أننا مصريات"

بعد خمس سنوات، اختيرت ماجدة والأربعة الأخريات، ديانا حكاك ونادية حبيب وعلياء عبد الرزاق وودود فيظي، للحصول على منحة دراسية في موسكو.

تحكي صالح عن تلك التجربة فتقول "تخرجنا بعد عامين من أكاديمية بولشوي هناك... كانت موسكو بالتأكيد تجربة مشددة بالنسبة لنا. كنا مثالاً لهؤلاء الفتيات الصغيرات المدللات عندما وصلنا إلى هناك، لكننا تعلمنا كيف نعتني بأنفسنا عندما عدنا في سن الـ 21. كنا مستعدات لمواجهة العالم".

تستذكر في الفيلم الوثائقي "هامش في تاريخ الباليه" للمخرج هشام عبدالخالق ما قالته إحدى المعلمات حين طالبتهن ألا يظهرن أمام زميلاتهن الروسيات بفساتين جديدة في كل مرة، لأن الأخيرات لا يملكن سوى فستان واحد طيلة العام، رغم أنهن من "البلد النامية التي يساعدها الاتحاد السوفييتي".

أقوال جاهزة

شارك غرد"عرفت أن هذا ما أريد أن أفعله طيلة حياتي"... بدأت ماجدة صالح تعلّم الباليه في سن مبكرة، وتماهت معها تماماً في سن المراهقة، مع أن والدها كان قد قبل ذلك على مضض لأن الحديث عن الرقص آنذاك كان بمثابة الشتيمة.

شارك غرد"وقفنا جميعاً هناك وبكينا. كانت لحظة فظيعة جداً، نهاية عصر وضربة قاضية لجميع الأنشطة الثقافية المسرحية في القاهرة"، تتذكر صالح حريق الأوبرا الذي غيّر حياتها، قبل أن تعود بعد 17 عاماً وتستلم الإدارة الجديدة للدار ثم تُطرد منها بسبب خلافات مع وزير الثقافة

شكلت الشابات الخمس، نواة فرقة محترفة في مصر، بعدما تدربنا على مدى عام كامل للحظة المنتظرة، حيث أول عرض مصري في عام 1966.

كان وزير الثقافة آنذاك، ضابط الجيش السابق ثروت عكاشة، حريصاً على حضور بروفات "أولاده"، كما كان يسميهن. ولما حانت اللحظة كان الجمهور المصري مذهولاً بمستوى أدائهن، إذ "لم يستطيعوا أن يتصوروا أننا مصريات"، حسب شهادة صالح.

وقد حضر العرض لاحقاً الرئيس المصري جمال عبدالناصر، وتمّ منحهن وسام الاستحقاق من الدولة.

"كان كل هدفنا أن نقدّم العرض جيداً، تدربنا عليه لأكثر من سنة، كل عروض الباليه السابقة لنا كان فيها تدريب وكنت أهتم بأدائي، لكن أن يكون العرض بأداء مصري خالص ويقدّم في دار الأوبرا المصرية… كان الإحساس مختلفاً تماماً".

بعد نجاح العرض في القاهرة، قررت وزارة الثقافة نقله إلى أسوان، ما أثار دهشة الناس، فلمن ستُعرض الباليه "في بلد السد العالي"؟

بعد العرض هناك، كان الجمهور مدهوشاً، و"فوجئت برجل بسيط يرتدي جلابية دخل الكواليس ونظر إلي، ولما سألته عن سبب تواجده هناك أجاب (يا سلام يا ست أمّا دي حاجة جميلة)، حينها عرفت أن إحساس العرض وصل لهذا الرجل البسيط"، وفق كلام صالح.

في حوار معها، شرحت صالح عن تلك المرحلة " كان هناك محرّمات واعتراضات كثيرة على الرقص والراقصين، لكن المصريين يحبون الرقص والفرحة والحياة، أنظروا إلى الأفراح المصرية تجدون أن الرقص جزء أساسي من حياتنا كبشر".

"بكيت عندما احترقت الأوبرا"

كانت ماجدة في البيت عندما احترقت دار الأوبرا عام 1971. وعن تلك الذكرى تُخبر "جاءني راقص زميل على دراجته النارية، وأبلغني بحريق الأوبرا، قفزت خلفه وتوجهنا إلى وسط المدينة، حيث ميدان الأوبرا. كان هناك المئات، وربما الآلاف من الناس، كلهم يقفون في صمت".

وتضيف "بالقرب من المكان كان هناك محطة إطفاء رئيسيّة، لكن ليس لديها ضغط للمياه سوى خرطومين اثنين فقط، كان جهداً مثيراً للشفقة. وقفنا جميعاً هناك وبكينا. كانت لحظة فظيعة جداً. لقد كانت نهاية عصر وضربة قاضية لجميع الأنشطة الثقافية المسرحية في القاهرة".

وعن موقف آخر حدث معها في تلك المرحلة، التي بدأت بعد نكسة الـ67، تقول إنه كان من المفترض أن تسافر خارج مصر في إحدى العروض، وكان عليها الذهاب لمجمّع التحرير حتى تأخذ الموافقة، حيث كان "حينها على مصر كلها أن تأخذ إذناً للسفر".

هناك، حسب صالح، قابلت أحد الموظفين الذي ما إن رأى الوظيفة المكتوبة على جواز السفر وهي "راقصة باليه" حتى قال لها "يجب أن يكون هناك موافقة من شرطة الآداب". لم تسافر "راقصة الباليه" لأن والدها ثار بسبب هذا الموقف.

بعد احتراق دار الأوبرا وتغيّر الأوضاع حولها، نصحتها والدتها بمواجهة حقيقة ما حدث، "قالت لي إذا كنت ترغبين في الاستمرار في الرقص، اعثري على مسار آخر".

وبمساعدة من معارف عائلتها، حيث كان والدها آنذاك نائب رئيس الجامعة الأمريكية في القاهرة، تقدمت بطلب للحصول على منحة دراسية لدراسة الفنون والرقص التقليدي في جامعة كاليفورنيا، وهناك حصلت على درجة الماجستير، ثم الدكتوراه في جامعة نيويورك.

وفي غضون ذلك، شاركت في إنتاج فيلم وثائقي عن الرقصات التقليدية لوادي النيل، اسمه "مصر ترقص"، حيث قامت بجولة في جميع أنحاء مصر، رصدت خلالها 20 نوعاً مختلفاً من الرقص.

عادت إلى دار الأوبرا ثم طُردت منها

عام 1983، عادت إلى القاهرة للعمل كأستاذة ثم عميدة للمعهد العالي للباليه. وبعد 17 عامًا من الحريق الذي غيّر حياتها، تم تعيينها مديرة لدار الأوبرا الجديدة.

"أخاف على فن الباليه أن يُحبس داخل جدران الأوبرا الباهظة التكاليف"، قالتها ماجدة في لقاء مع مطبوعة "شباب بلادي"، في 1989، الذي يوثقه أرشيف مكتبة الإسكندرية.

كانت ترى أن "الثقافة ليست رفاهيّة بل هي أساسية للمجتمع بأكمله"، إلا أن سيرة البيروقراطية وإهدار المال العام والمناكفات السياسية أطاحت بصالح لاحقاً من منصبها، خانقةً الآمال بـ"بداية عصر جديد"، كما وصفه عبد الخالق، مخرج فيلمها.

توثق الأخبار تفاصيل الإطاحة بـمشاغبة لم تأخذ فرصتها كاملة، لدرجة وصلت إلى ختم مكتبها بالشمع الأحمر وطردها من الأوبرا. لم يُذكر حينها سبب القرار الذي اتخذه وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، غير أن المتداول عن سبب انزعاج الوزير منها هو تخطيها له ودعوتها للرئيس الأسبق حسني مبارك مباشرة لحضور افتتاح أحد العروض.

بعدها عادت إلى الولايات المتحدة، عام 1992، لتتفرّغ للتعليم في جامعة نيويورك. واعتزلت الرقص رسمياً في 1993 بسبب مشكلة صحية في ظهرها، وتزوجت من عالم المصريات في معهد نيويورك للفنون الجميلة جاك جوزفسون.

وفي عام 2012، سُئلت عن موقفها من ثورة 25 يناير وميدان التحرير، فقالت "يشعر البعض أن كل شيء يتداعى، وبعضهم متفائل جداً.. أنا فخورة جداً بما قاموا به، فخورة جداً بكوني مصرية".

وبقيت تشعر بالأسف لأنها لم تتمكن من خدمة بلادها، مع ذلك تقول "مصر معي"، مُشيرةً إلى سعيها إلى دعم الفنانين المصريين في الولايات المتحدة.

 

كلمات مفتاحية
رقص مصر

التعليقات

المقال التالي